فهرس الكتاب

الصفحة 4201 من 11127

2686 - [1] (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل(أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 12 ص 346

مَثَلُ الْمُدْهِنِ)بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء وفي آخره نون، من الإدهان، وهو المحاباة في غير حقٍّ (فِي حُدُودِ اللَّهِ) وهو الذي يُرائي ويضيِّع الحقوق ولا يغيِّر المنكر، ويقال له المدَاهن أيضًا.

والفرقُ بين المدَاهنة والمدَاراة أنَّ المداراة ما أردت به صلاح أخيك فاحتملْتَ منه ما يُكره، والمداهنة ما قصدت به شيئًا من الهوى من إقامة حظٍّ وطلبِ جاهٍ.

(وَالْوَاقِعِ فِيهَا) كذا وقع هنا، وتقدَّم في الشَّركة من وجهٍ آخر عن عامر وهو الشَّعبي (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ) ) [خ¦2493] . قال الحافظ العسقلانيُّ وهو أصوب؛ لأنَّ المُدْهن والواقع؛ أي مرتكبها في الحكم واحدٌ والقائم مقابله، ووقع عند الإسماعيليِّ في الشركة (( مثلُ القائمِ على حدودِ الله والواقع فيها والمدهن فيها ) )، ووقع عند الإسماعيليِّ أيضًا هنا (( مثل الواقع في حدودِ الله والنَّاهي عنها ) )وهو المطابق للمثل المضروب فإنَّه لم يقعْ فيه إلَّا ذكر فرقتين فقط، لكن إذا كان المُدَاهن مشتركًا في الذمِّ صار بمنزلة فرقةٍ واحدةٍ.

ويمكن وجود الفرق الثَّلاث في المثل المضروب بأن يقال إنَّ الذين أرادوا خرقَ السَّفينة بمنزلة الواقع في حدودِ الله، ثمَّ من عداهم إمَّا منكرٌ وهو القائمُ، وإمَّا ساكتٌ وهو المُدَاهن.

وحمل ابن التِّين قوله هنا (( الواقع فيها ) )على أنَّ المراد به القائم، واستشهد بقوله تعالى {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الواقعة 1] أي قامت القيامة، ولا يخفى ما فيه وكأنَّه غفلَ عمَّا وقع في الشركة من مقابلة الواقع بالقائم.

وقد رواه الترمذيُّ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش بلفظ (( مثل القائم على حدودِ الله والمدهن فيها ) )وهو مستقيمٌ، وقال الكرمانيُّ قال في الشركة (( مثل القائم على حدودِ الله ) )وقال هنا (( مثل المدهن ) )وهما نقيضان فإنَّ القائم هو الآمرُ بالمعروف، والمدهن هو التَّارك له فما وجهه؟.

ثمَّ أجاب بأنَّ كليهما صحيحٌ فحيث قال القائم نظرٌ إلى جهة النَّجاة، وحيث قال المدهن نظر إلى جهة الهلاك، ولا شك أنَّ التَّشبيه مستقيمٌ على كلِّ واحدٍ من الجهتين.

واعترض عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن وهو التَّارك للأمر بالمعروف، وعلى ذكر الواقع في الحدود وهو العاصِي

ج 12 ص 347

وكلاهما هالك؟.

فالذي يظهرُ أنَّ الصَّواب ما تقدَّم، والحاصل أنَّ بعض الرُّواة ذكر المدهن والقائم، وبعضُهم ذكر الواقع والقائم، وبعضهم جمع الثلاثة، وأمَّا الجمع بين المدهن والواقع فلا يستقيم، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ سؤال الكرماني وجوابه مبنيَّان على القسمين المذكورين في هذا الحديث، وهما المدهن المذكور هنا، والقائم المذكور هناك، وهو لم يبن كلامه على التارك للآمر بالمعروف والواقع في الحدود، فلا يرد عليه شيءٌ أصلًا، فتأمَّل، فإنَّه موضعٌ يحتاج فيه إلى التأمُّل.

(مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً) أي اقترعوها فأخذ كلُّ واحدٍ منهم سهمًا؛ أي نصيبًا من السَّفينة بالقرعة بأن تكون مشتركةً بينهم بالإجارة، وأمَّا بالملك فإنَّما تقع القرعة بعد التَّعديل، ثمَّ يقع التشاحُّ في الأقضية، فتقعُ القرعة؛ لفصل النزاع، كما تقدَّم.

وقال ابنُ التِّين وإنَّما يقع ذلك في السَّفينة ونحوها فيما إذا أنزلوها معًا، أمَّا لو سبق بعضهم بعضًا فالسابق أحقُّ بموضعه، وقال الحافظ العسقلانيُّ هذا فيما إذا كانت مسبَّلة مثلًا، أمَّا إذا كانت مملوكةً لهم مثلًا فالقرعة مشروعةٌ إذا تنازعوا.

هذا وقال العينيُّ إذا وقع التَّنازع فالقُرعة مشروعةٌ، سواء كانت مسبلة أو مملوكة، ما لم يسبق أحدهم في المسبلة.

(فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ) أي بالمارِّ عليهم، أو بالماء الذي مع المارِّ عليهم (فَأَخَذَ فَأْسًا) بهمزة ساكنة، معروف ويؤنث (فَجَعَلَ) أي طَفَق وشرع (يَنْقُرُ) بفتح أوله وسكون النون وضم القاف، من النَّقر؛ أي يحفر ليخرقها، والنقر هو الحفر سواءٌ كان في الخشب، أو الحجر، أو نحوهما.

(أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ، قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلاَ بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ) ويروى بالإفراد؛ أي منعوه من النَّقر (أَنْجَوْهُ) من الأفعال، ويروى

ج 12 ص 348

من التفعيل؛ أي نجُّوا المار عليهم.

(وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ) بتشديد الجيم، وهذا يفسِّر الرواية الماضية في الشركة حيث قال (( نَجَوا ونَجَوا ) )؛ أي كلٌّ من الآخذين والمأخوذين.

(وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ) وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النَّجاة لمن أقامها وأقيمت عليه، وإلَّا هلك العاصي بالمعصية والسَّاكت بالرضا بها.

وقال المهلَّب في هذا الحديث تعذيب العامَّة بذنب الخاصَّة، واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف، ومصداقه قوله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال 25] أي اتَّقوا ذنبًا يعمُّكم أثره؛ كإقرار المنكر بين أظهرهم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراقِ الكلمة، وظهور البدع والتَّكاسل في الجهاد. على أنَّ قوله {لَا تُصِيبَنَّ} جوابُ الأمر على معنى إن أصابتكُم لا تصيب الظَّالمين منكم خاصَّةً.

وساغ فيه النَّون المؤكدة وإن كان جواب الشرط متردِّدًا لا يليق به النُّون المؤكدة؛ لأنَّه تضمَّن معنى النَّهي؛ كقوله تعالى {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ} [النمل 18] أو صفة لفتنة ولا للنَّفي. وفيه شذوذٌ أيضًا؛ لأنَّ النون لا تدخل المنفيَّ في غير القسم، أو للنَّهي على إرادة القول، ويمكن أن يكون جواب قسمٍ محذوفٍ.

هذا ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتِّقاء الذَّنب عن التعرُّض للظُّلم، فإن وباله يصيب الظَّالم خاصَّةً ويعود عليه، و (( من ) )في منكم على الوجوه الأول للتَّبعيض، وعلى الأخيرين للتَّبيين.

وفائدته التَّنبيه على أنَّ الظلم منكم أقبح من غيركم، والله تعالى أعلم. وفي الحديث أيضًا تبيين العالم للحكم بضرب المثل.

وفيه أيضًا وجوب الصَّبر على أذى الجار إذا خشي وقوع ما هو أشدُّ ضررًا.

وفيه أيضًا أنَّه ليس لصاحب السُّفل أن يحدث على صاحب العلوِّ ما يتضرَّر به.

وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة وإن كان فيه علوٌّ وسفل. وقد مضى الحديث في الشركة في باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه.

تنبيه قد وقع حديث النُّعمان هذا مقدمًا على حديث أمِّ العلاء، وفي رواية أبي ذرٍّ

ج 12 ص 349

وطائفةٌ في آخر الباب، كما في نسختنا.

خاتمة اشتمل كتاب الشَّهادات وما اتَّصل به من القرعة وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة على ستة وسبعين حديثًا، المعلَّق منها أحد عشر حديثًا، والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانية وأربعون حديثًا، والخالص ثمانية وعشرون.

وافقه مسلم على تخريجها سوى خمسة أحاديث وهي

حديث عمر رضي الله عنه كان النَّاس يُؤخذون بالوحي [خ¦2641] ، وحديث عبد الله بن الزُّبير في قصَّة الإفك [خ¦2661 بعد] ، وحديث القاسم بن محمد فيه وهو مرسلٌ [خ¦2661 بعد] ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الاستهام في اليمين [خ¦2674] . وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الإنكار على من يأخذ عن أهل الكتاب [خ¦2685] ، وفيه من الآثار المروية عن الصَّحابة ومن بعدهم ثلاثة وسبعون أثرًا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب.

[1] هذا الحديث جاء سياقه في المخطوط هكذا متأخرًا عن مكانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت