فهرس الكتاب

الصفحة 4215 من 11127

2698 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي الهمداني الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ) والحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، بئرٌ بينها وبين مكَّة مرحلة، سمِّي المكان باسمها، وقيل شجرةٌ، وقيل قريةٌ بقرب مكَّة.

وقصته على الإجمال أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنَّه دخل مكَّة هو وصحبه آمنين محلِّقين رؤوسهم ومقصِّرين، وأنَّه دخل البيت وأخذ مفتاحه وعرَّف مع المعرِّفين فخرج يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ستٍّ معتمرًا لا يريد حربًا، ومعه زوجته أمُّ سلمة رضي الله عنها، ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه، وقيل ألف وخمسمائة، وقيل ثلاثمائة، وجمع بأنَّهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمنهم من قال خمسمائة جبر الكسر، ومنهم من قال وأربعمائة إلغاء للكسر، وأمَّا رواية ثلاثمائة فلم يطلع راويها على الزِّيادة، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ، فلمَّا نزل الحديبية بعث خِرَاش [1] بن أُميَّةَ الخزاعي رسولًا إلى أهل مكَّة فهمُّوا به، فمنعه الأحابيش [2] ، فلمَّا رجع دعا بعمر رضي الله عنه لبعثه فقال إنِّي أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إيَّاهم، وما بمكَّة عَدَوِيٌّ يمنعني، ولكنني أدلُّك على رجلٍ هو أعزُّ بها منِّي وأحبُّ إليهم عثمان بن عفان، فبعثه فخبَّرهم أنَّه لم يأت لحربٍ، وإنَّما جاء زائرً لهذا البيت معظِّمًا لحرمته، فوقَّروه وقالوا إن شئت أن تطوفَ بالبيت فافعل، فقال ما كنتُ لأطوف قبل أن يطوفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتبس عندهم فأرجف بأنَّهم قتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 12 ص 383

(( لا نبرح حتَّى نناجزَ القوم ) )ودعا النَّاس إلى البيعة، فبايعوه على أن يقاتلوا قريشًا ولا يفرُّوا عنهم تحت الشَّجرة، وكانت سَمُرة أو سِدْرة.

قال نافع كان النَّاس يأتون تلك الشَّجرة يصلُّون عندها، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فأمر بقطعها، كذا في «البحر» ، وروى الإمام النَّسفي في «التَّيسير» أنَّها عُمِّيت عليهم فلم يدروا أين ذهبت، وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لو كنت أُبْصر لأريتُكم مكانها، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في أصل الشَّجرة، وعلى ظهره غصنٌ من أغصانها، قال عبد الله بن المغفَّل وكنت قائمًا على رأسه وبيدي غصنٌ من الشَّجرة أَذُب عنه، فرفعت الغصن عن ظهره بايعوه على الموت دونه؛ أي أمامه صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يفرُّوا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنتم اليوم خير أهل الأرض ) ). ثمَّ ظهر أنَّ عثمان رضي الله عنه لم يقتلْ، فبعثت قريش سُهَيل بن عمرو القرشي وحُوَيطِب بن عبد العزى، ومِكْرَز بن حفص بن الأحنف على أن يعرضوا على النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعَ من عامه ذلك على أن تُخْلِي له قريش مكَّة من العام القابل ثلاثة أيَّام، ففعل ذلك بعد ما ارتفعتِ الأصوات وانخفضت في ذلك، وكتبوا بينهم كتابًا، فقال صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه (( اكتب بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ) )فقال سُهَيل وأصحابه ما نعرف هذا ولا نعرف الرَّحمن إلَّا صاحب اليمامة، ولكن اكتب باسمك اللَّهمَّ، ثمَّ قال (( اكتب هذا ما صالح عليه رسولُ الله أهل مكَّة ) )فقالوا لو كنَّا نعلم أنَّك رسول الله ما صددنَاك عن البيت ولا قاتلناكَ، ولكن اكتب هذا ما صالحَ عليه محمَّد بن عبد الله أهلَ مكَّة فقال صلى الله عليه وسلم (( اكتبْ ما يريدون فأنا أشهد أنِّي رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله ) )، فهمَّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزُّوا منه، فأنزل الله على رسوله السَّكينة فتوقروا وحلموا، والله تعالى أعلم.

ج 12 ص 384

وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الشُّروط، في حديث المسور بن مخرمة [خ¦2711] إن شاء الله تعالى.

(كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه (بَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لاَ تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِعَلِيٍّ) رضي الله عنه (امْحُهُ) أمر بفتح الحاء وضمها، يقال محوتُ الشَّيء أمحوهُ وأمحاهُ.

(فَقَالَ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ) وهذا القول ليس بمخالفةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه علم بالقرينة أنَّ الأمر ليس للإيجاب.

(فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) أي من العام القابل (فَلاَ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ) بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة، كذا ضبطَه ابن قتيبة وبعض المحدِّثين قال وهو أوعية السِّلاح بما فيها، قال وما أراه سمِّي به إلَّا بجفائه، ولذلك قيل للمرأة الجافية الغليظة جلبانة، وقد فسَّر في الحديث بأنَّها القراب حيث قال الرَّاوي.

(فَسَأَلُوهُ) أي ابن البراء بن عازب رضي الله عنه (مَا جُلُبَّانُ السِّلاَحِ، فَقَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ) وفسِّر أيضًا بالسَّيف والقوس ونحوهما، والقِراب _ بكسر القاف وتخفيف الراء وآخره موحدة _ هو شيءٌ يُخرز من الجلد يضع فيه الرَّاكب سيفَه بغمدِه وسوطَه ويعلِّقه في الرَّحل، وإنَّما اشترطوا أن تكون السُّيوف في القرب؛ ليكون ذلك إمارة للمسلم.

وقال الأزهريُّ القرابُ غمدُ السَّيف، والجُلُبَّان من الجلبة، وهي التي تجعل على القتبِ والجلدة التي تغشى التَّميمة؛ لأنَّها كالغشاءِ للقراب.

وقال الخطَّابي الجُلُبان يشبه الجراب، من الأُدُم يضع الرَّاكب فيه سيفه بقرابهِ، ويضعُ فيه سوطه يعلِّقه الرَّاكب من وسطِ رحلهِ أو آخره، ويحتمل أن يكون اللام ساكنة غير مشدَّدة الباء، جمع جُلُب _ بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة _ كما رواه مؤمل عن سفيان إلَّا بجُلُب السِّلاح، قال وجلب السِّلاح كجُلُب الرَّجل نفسه كأنَّه يراد به نفس السِّلاح، وهو السَّيف خاصةً من غير أن يكون معه من أدوات الحرب غيره من

ج 12 ص 385

لَأْمَةٍ ورُمح وجُنَّةٍ ونحوها؛ ليكون علامةً للأمن، والعرب لا تضع السِّلاح إلَّا في الأمن، قال وقد جاء جربان السَّيف في هذا المعنى.

وقال الأصمعي الجُرُبان قراب السَّيف، فلا ينكر أن يكون ذلك من باب تعاقب اللام والراء، والذي ضبط في أكثر الكتب بجُلُب، السلاح بضم اللام وتشديد الموحدة، وضبط الجوهري وابنُ فارس جُرُبَّان، بضم الراء وتشديد الباء، وقال ابن فارس جُرُبان السَّيف قرابه، وقيل حدُّه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله فكتب محمَّد رسول الله، حيث لم يذكر اسم أبيه، ولا اسم جدِّه، إذ لم يكن هذا الاسم إلَّا له، كما مرَّ قريبًا.

والحديث أخرجه مسلم في «المغازي» ، وأبو داود في «الحجِّ» .

[1] في هامش الأصل خِرَاش بالخاء المعجمة المكسورة ثم الراء المهملة ثم الشين المعجمة بعد الألف على ما أطبقت عليه علماء السير، ونص عليه ابن عبد البر في «الاستيعاب» ، وفي تفسير القاضي خراش تبع ذلك صاحب «الكشاف» لكنه تصحيف لما عرفت. منه.

[2] في هامش الأصل الأحابيش جمع أحبوش، وهي أقوام من قبائل شتى تحبشوا؛ أي تجمَّعوا فسمُّوا أحابيش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت