فهرس الكتاب

الصفحة 4216 من 11127

2699 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) السبيعي (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازبٍ رضي الله عنه أنَّه (قَالَ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بكسر القاف وسكون العين (فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ) أي أن يتركوه (يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ) معنى قاضى فاصل وأمضى أمرهما عليه، وهو بمعنى صالح، ومنه قضى القاضي إذا فصل الحكم وأمضاهُ.

(عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا لاَ نُقِرُّ بِهَا) أي بالرِّسالة (لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ) اعلم أنَّ لو للماضي، وإنَّما عدل عنه إلى المضارع؛ ليدلَّ على الاستمرار؛ أي استمرَّ عدم علمنا برسالتك، كما في قوله تعالى {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات 7] .

(لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِعَلِيٍّ) رضي الله عنه (امْحُ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) أي علي رضي الله عنه (لاَ وَاللَّهِ لاَ أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ) يعني فمحاه (فَكَتَبَ) أي أمر عليًّا رضي الله عنه فكتب رضي الله عنه

ج 12 ص 386

كقولك ضرب الأمير؛ أي أمر به، وإلَّا فقد وصفه الله بالقرآن بأنَّه أمِّي؛ يعني لا يكتب ولا كان يتلو الكتاب، قال تعالى {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت 48] . وما أظرف بعض شعراء العجم حيث قال

~تاتهمت جنون تنهد كغز هرزه كوى انكشت مه شكاف توبر في سوار نيست

وقال الشَّيخ أبو الحسن ما رويت هذه اللَّفظة إلَّا في هذا الموضع، وقيل الأمي من لا يحسن الكتابةَ لا من لا يكتب أصلًا، وقد وقع في بعض نسخ «أطراف أبي مسعود» أنَّه صلى الله عليه وسلم أخذ الكتاب ولم يحسن أن يكتب، وقيل إنَّه صلى الله عليه وسلم كتب وأحسن، خارقًا للعادة على سبيل المعجزة، وقال به أبو ذرٍّ الهروي وأبو الفتح النِّيسابوري وأبو الوليد الباجي، وصنَّف فيه وأنكر عليه. وقيل إنَّ معناه رسم؛ لأنَّ بعض من لا يكتب يرسم اسمه بيده، وقيل إنَّه صلى الله عليه وسلم كتب، وأمَّا قوله تعالى {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} [العنكبوت 48] الآية، فيجاب عنه بأنَّه تلا وخط بيمنه بعد. وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّا أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب ) )فعلى الأغلب، فإنَّه كان فيهم من يكتب، لكن عادة العرب أنَّهم يسمُّون الكلَّ باسم الأكثر، فلذلك كان أكثر أمره أن لا يكتب، فكتب مرةً، وقال بعضهم ما مات حتَّى كتب.

وقال السُّهيلي وكتب في ذلك اليوم نسختان إحداهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى مع سهيل، وشهد فيهما أبو بكر وعمر وعبد الرَّحمن بن عوفٍ وسعد بن أبي وقَّاص وأبو عبيدة بن الجراح ومحمَّد بن مسلمة ومِكرَز بن حفص، وهو يومئذٍ مُشرك وحُويطب بن عبد العزَّى.

(هَذَا) إشارة إلى ما في الذِّهن (مَا قَاضَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) خبر لهذا مفسَّر له، وقوله (لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلاَحًا إِلَّا فِي الْقِرَابِ) مع ما عطف عليه تفسير للتَّفسير، وقوله (( لا يدخل ) )من الإدخال (وَأَنْ لاَ يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا) أي من أهل مكَّة (بِأَحَدٍ) الباء للتَّعدية، ويروى من الإخراج، فتكون الباء صلة (إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ) فإن قيل قد خرجت معه صلى الله عليه وسلم بنت حمزة ومضتْ معه. فالجواب أنَّ النِّساء لم يدخلنَ في العهد والشَّرط، وإنَّما وقع الشَّرط في الرِّجال فقط.

وقد بيَّنه البخاريُّ في كتاب «الشُّروط» بعد هذا، وفي بعضِ

ج 12 ص 387

طرقه فقال سهيل وعلى أن لا يأتيك منَّا إلَّا رجلٌ هو على دينك إلَّا رددته إلينا، ولم يذكر النِّساء، فصحَّ بهذا أنَّ أخذه لابنةِ حمزة رضي الله عنهما كان لهذه العلَّة، ألا تراه ردَّ أبا جندلٍ إلى أبيه، وهو العاقدُ لهذه المقاضاة.

(وَأَنْ لاَ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا) أي مكَّة في العام المقبل (وَمَضَى الأَجَلُ) أي قرب انقضاء الأجل، كقوله تعالى {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [الطلاق 2] ولا بدَّ من هذا التَّأويل لئلَّا يلزم عدم الوفاء بالشَّرط (أَتَوْا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ) وهي أمامة، وقيل عمارة، وأمُّها سلمى بنت عميس.

(يَا عَمِّ يَا عَمِّ) أي قالته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عمُّها من الرَّضاعة، أو فيه إضمارٌ إذ هو صلى الله عليه وسلم ابن عمِّها، وإن قالته لزيدٍ فكان مصافيًا لحمزة ومؤاخيًا له.

(فَتَناوَلَهَا عَلِيٌّ) رضي الله عنه (فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ) أي خذيها وهو من أسماءِ الأفعال. قال الدَّاودي وفيه تناول غير ذات المحرم عند الاضطرار إليه، وقال العينيُّ والصَّحيح أنَّها الآن كانت ذات محرمٍ؛ لأنَّ فاطمة رضي الله عنها كانت أختها من الرَّضاعة، وعليٌّ رضي الله عنه زوجها فهي ذات محرمٍ إلَّا أنَّها غير مؤبدة التَّحريم، انتهى، وفيه نظرٌ لا يخفى.

(حَمَلَتْهَا) بلفظ الماضي ولعلَّ الفاء فيها محذوفة، ويروى ، وفي رواية (فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ) أي زيد بن حارثة (وَجَعْفَرٌ) أي ابن أبي طالب (قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَا أَحَقُّ ِبِهَا وَهْيَ بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) هي (ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ) هي (ابْنَةُ أَخِي) فيه إشكالٌ، فإنَّها ليست بابنة أخيه فإنَّ أبا زيد حارثة، وأبا حمزة عبد المطلب، وأم حمزة هالة، وأم زيد سُعْدى ولا رضاع بينهما؛ لأنَّ زيد كان ابن ثمان سنين لمَّا دخل مكَّة وخالط قريشًا، وإنَّما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 12 ص 388

بين زيد وبين حمزة، فقال ذلك باعتبار هذه المؤاخاة.

(فَقَضَى بِهَا) أي بابنة حمزة (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) وفيه دلالةٌ على أنَّ للخالة حقًّا في الحضانة (وَقَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَّ اللهُ عَنْهُ أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ) أي أنت متَّصل بي، ومن هذه تسمَّى اتصالية؛ كقوله صلى الله عليه وسلم (( لا أنا من الدَّد ولا الدَّدُ منِّي ) ).

(وَقَالَ لِجَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي) الأول بفتح الخاء، والثاني بضمها (وَقَالَ لِزَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا) أي باعتبار أخوة الإسلام، والمراد بقوله مولانا المولى الأسفل؛ لأنَّه اشترته خديجة رضي الله عنها فوهبته للنَّبي صلى الله عليه وسلم وهو صبيٌّ، فأعتقه وتبنَّاه، قال ابنُ عمر رضي الله عنهما ما كنَّا ندعوه إلَّا زيد بن محمَّد حتَّى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ} [الأحزاب 5] وآخى صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة، وعن عائشة رضي الله عنها ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سريةٍ إلَّا أمَّره عليهم، ولو بقيَ لاستخلفه قبل موته.

طيَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلوب كلٍّ منهم بنوع من التَّشريف على ما يليقُ بالحال، وفيه منقبةٌ جليلةٌ لعليٍّ رضي الله عنه من قوله (( أنت منِّي وأنا منك ) ).

وقوله (( وأنا منك ) )أعظم من قوله (( أنت منِّي ) ).

ومطابقته للتَّرجمة تؤخذ من قوله هذا ما قاضى محمد بن عبد الله، والحديث أخرجه التِّرمذي أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت