2705 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو ابن أخت مالك الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) هو عبد الحميد بن أبي أويس، أبو بكر الأصبحي المدني (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابن بلال أبو أيُّوب (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هو الأنصاري (عَنْ أَبِي الرِّجَالِ) بالجيم (مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن حارثة بن النُّعمان الأنصاري، وكنيته أبو عبد الرَّحمن، وقيل له أبو الرِّجال لأنَّه ولد له عشرة ذكور كلُّهم صاروا رجالًا كاملين، وهو من صغار التَّابعين، وكذا الرَّاوي عنه.
(أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم (بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة، ماتت سنة ست ومائة (قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَقُولُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ) الخُصوم _ بضم الخاء _ جمع خصم، يستوي فيه الجمع والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر، ومن العرب من يثنِّيه ويجمعه
ج 12 ص 405
فيقول خصمان وخصوم.
والخَصِم _ بفتح الخاء وكسر الصاد _ الخصيم أيضًا، والجمع خصماء، ويقال الخِصم _ بكسر الصاد _ شديد الخصومة، والخصومة الاسم.
(عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا) ويروى ، ويروى بضمير المؤنَّث، أمَّا بتثنية الضَّمير فباعتبار الخصمين المتنازعين، أو كان التَّخاصم من الجانبين من جماعة فجمع أوَّلًا ثمَّ ثنَّى باعتبار جنس الخصم، وقال الكرماني هذا على قول من قال أقل الجمع اثنان.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بقوله وليس فيه حجَّة لمن جوَّز صيغة الجمع لاثنين، كما زعم بعض الشُّراح، انتهى.
وذلك لأنَّ إيراد التَّثنية هنا كما ذكر إمَّا باعتبار الخصمين المتنازعين، وإمَّا لكون التَّخاصم من الجانبين، ولا يردُّ ذلك عليه؛ لأنَّ ضمير التَّثنية راجع إلى الخصوم الذي هو الجمع بلا ارتياب، فالظَّاهر أنَّ المراد بالخصوم المتنازعان أو الجانبان من الجماعة إلَّا أن يحملَ على الاستخدام، على أنَّه لم يَدَّعِ حجيَّةَ هذا على جواز استعمال صيغة الجمع في اثنين، فليتأمَّل.
وأمَّا جمع الضَّمير فوجهه ظاهر من جهة اللَّفظ، وأمَّا من جهة المعنى فيحتمل أن يكون إطلاق لفظ الخصوم على تقدير أن يكون المتنازعان اثنين باعتبار من حضر الخصومة، وأمَّا تأنيث الضَّمير فبالنَّظر إلى لفظ الخصوم الذي هو الجمع فاعتبر معنى الجماعة فيه فأنَّث الضَّمير العائد إليه.
وقوله عالية، يجوز فيه الجر والنصب، أمَّا الجر فعلى أنه صفة، وأمَّا النصب فعلى الحال، وكلاهما يروى. وقوله أصواتهما بالرَّفع بقوله عالية؛ لأنَّ اسم الفاعل يعملُ عمل فعله إذا اعتمد على أحد الأشياء الستَّة.
(وَإِذَا أَحَدُهُمَا) كلمة إذا للمفاجأة وأحدهما مرفوعٌ بالابتداء، خبرُه قوله (يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ) أي يطلب أن يضعَ من دينه شيئًا، ويرجو الوضيعة منه (وَيَسْتَرْفِقُهُ) أي يطلبُ منه أن يرفقَ به في الاستيفاء والمطالبة (فِي شَيْءٍ) أي من الدَّين، وحاصله في حَطِّ شيءٍ منه، وقد وقع بيانه في رواية ابن حبَّان فقال في أوَّل الحديث دخلت امرأة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنِّي ابتعت أنا وابني من فلان تمرًا فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحقِّ ما أحصينا منه إلَّا ما نأكله في
ج 12 ص 406
بطوننا أو نطعمه مسكينًا، وجئنا نستوضعه ما نقصنا، الحديث، فبهذا ظهر أنَّ المخاصمة وقعت بين البائع وبين المشتريين.
قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تسمية واحدٍ منهم، وأمَّا تجويز بعض الشُّراح أنَّ المتخاصمين هما المذكوران في الحديث الذي يليه ففيه بُعْدٌ؛ لتغاير القصَّتين.
(وَهْوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْنَ الْمُتَأَلِّي) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والهمزة وتشديد اللام المكسورة؛ أي الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الأَلِيَّة _ بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية _، وهي اليمين.
(عَلَى اللَّهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ، فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية ابن حبَّان فقال صلى الله عليه وسلم (( آلى أن لا يصنع خيرًا ثلاث مرات، فبلغ ذلك صاحب التَّمر ) ) (وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) أي فلخصمي أي شيء من الحطِّ أو الرِّفق أحبَّ وأراد، وفي رواية ابن حبَّان فقال (( إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا ) ).
وقال الحافظ العسقلاني وهذا يشعر بأنَّ المراد بالوضع الحطُّ من رأس المال، وبالرِّفق الاقتصار عليه وترك الزِّيادة، لا كما زعم بعض الشُّراح أنَّه يريد بالرِّفق الإمهال.
وتعقَّبه العيني بأنَّه قد فسَّر الشَّيخ محيي الدِّين الرِّفق في الحديث بالرِّفق في المطالبة وهو الإمهال. هذا وأنت خبير بأنَّ تفسير محيي الدِّين لا ينهض دليلًا على ما قاله، بل الظَّاهر هو ما قاله الحافظ العسقلاني، فتأمَّل.
وفي الحديث الحضُّ على الرِّفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه. وفيه الزَّجر عن الحلف على ترك فعل الخير. وقال الدَّاودي إنَّما كره ذلك لكونه حلف على ترك أمر عسى أن يكون قد قدَّر الله وقوعه. وعن المهلَّب نحوه. واعترض عليه ابن التِّين بأنَّه لو كان كذلك لكره الحلف لمن حلف ليفعلنَّ خيرًا، وليس كذلك بل الذي يظهر أنَّه كره له قطع نفسه عن فعل الخير. قال ويشكل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيِّ الذي قال والله لا أزيد على هذا
ج 12 ص 407
ولا أنقص (( أفلح إن صدق ) )، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزِّيادة، وهي من فعل الخير، ويمكن الفرق بأنَّه في قصَّة الأعرابي كان في مقام الدُّعاء إلى الإسلام، والاستمالة إلى الدُّخول فيه، فكان يحرص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع مشقَّة مهما أمكن، بخلاف من تمكَّن في الإسلام فيحضُّه على الازدياد من نوافل الخير.
وفيه سرعة فهم الصَّحابة لمراد الشَّارع وطواعيتهم لما يشير إليه، وحرصهم على فعل الخير.
وفيه الصَّفح عمَّا يجري بين المتخاصمين من اللَّفظ، ورفع الصَّوت عند الحاكم.
وفيه جواز سؤال المديون الحطيطة من صاحب الدَّين خلافًا لمن كرهه من المالكيَّة، واعتلَّ بما فيه من تحمُّل المنَّة، وقال القرطبي لعلَّ من أطلق كراهته أنَّه أراد أنه خلاف الأولى. قال العيني وينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة أيضًا هكذا؛ لأنه علَّل في جواز تيمم المسافر الذي عدم الماء ومع رفيقه ماء بقوله لأنَّ في السُّؤال ذلًّا. وقال النَّووي وفيه أنَّه لا بأس بالسُّؤال بالوضع والرِّفق، لكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النَّفس، أو الإيذاء ونحو ذلك إلَّا من ضرورة.
وفيه الشَّفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشَّفاعة في الخير.
وقال ابن التِّين وفيه هبة المجهول. وتعقَّبه العسقلاني برواية ابن حبَّان فتأمَّل.
فإن قيل هل كانت في يمين المتألِّي المذكور كفَّارة أو لا؟.
فالجواب أنَّه قال صاحب «التَّوضيح» إن كانت يمينه بعد نزول الكفَّارة ففيها الكفَّارة.
وقال النَّووي ويستحبُّ لمن حلف لا يفعل خيرًا أن يحنث فيكفِّر عن يمينه، وفي «الصَّحيح» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، ثمَّ ليفعل الذي هو خير ) )والمعنى فليقصد الكفَّارة ثمَّ ليفعل أو ثمَّ هنا بمعنى الواو، فإنَّ الكفَّارة قبل الحنث لا تجوز عندنا؛ لأنه جاء في رواية أخرى (( فليأت بالذي هو خير ثمَّ ليكفر ) ). ويجوز عند الشَّافعي عملًا بظاهر الحديث، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ في قوله فله أي ذلك أحب، معنى الصُّلح.
ج 12 ص 408
وإسناد الحديث كلُّهم مدنيون. وفيه ثلاثة من التَّابعين في نسقٍ.
وأخرجه مسلم في «الشركة» ، وقال حدَّثنا غير واحد عن إسماعيل بن أبي أويس. قال القاضي عياض إنَّ قول الرَّاوي حدَّثنا غير واحد أو حدَّثنا الثِّقة أو بعض أصحابنا ليس من المنقطع ولا من المرسل ولا المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرِّواية عن المجهول. قال ولعلَّ مسلمًا أراد بقوله غير واحد البخاري وغيره، وأبو داود عدَّ هذا النوع مرسلًا، وعند أبي عمر والخطيب هو منقطع، والله أعلم.