فهرس الكتاب

الصفحة 4245 من 11127

2718 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) هو ابن أبي زائدة الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ عَامِرًا) هو الشعبي (يَقُولُ حَدَّثَنِي جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا)

ج 12 ص 428

أي تعب وعجز عن المشي.

وفي رواية ابن نُمير عن زكريا عند مسلمٍ (( أنَّه كان يسير على جملٍ فأعيى فأراد أن يسيِّبه ) )أي يطلقه، وليس المراد أن يجعله سائبةً لا يركبه أحدٌ كما كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنَّه لا يجوز في الإسلام، ففي رواية مغيرة عن الشعبي في الجهاد [خ¦2967] غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي وتحتي ناضح، وقد أعيا، فلا يكاد يسير.

والنَّاضح بنون ومعجمة بعدها، هو الجمل الذي يستقى عليه، سمِّي بذلك؛ لنضحه بالماء حال سقيه، واختلف في تعيين هذه الغزوة، كما سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، ووقع عند البزَّار من طريق أبي المتوكل عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ الجمل كان أحمر.

(فَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهُ، فَدَعَا لَهُ) كذا بالفاء فيهما، كأنَّه عقب الدُّعاء له بضربه، وفي رواية مسلم وأحمد من هذا الوجه (( فضربه برجله ودعا له ) ). وفي رواية يونس بن بكير عن زكريا عند الإسماعيلي (( فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له فمشى مشيةً ما مشى قبل ذلك مثلها ) )، وفي رواية مغيرة (( فزجره ودعا له ) )وفي رواية عطاء وغيره عن جابرٍ رضي الله عنه التي تقدَّمت في «الوكالة» (( فمرَّ بي النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال من هذا؟ فقلت جابر بن عبد الله قال ما لك؟ قلت إنِّي على جملٍ ثقال، فقال أمعك قضيب؟ قلت نعم قال أعطنيهِ فأعطيتُه فضربَهُ فزجرهُ ) )فكان من ذلك المكان من أوَّل القوم، وفي رواية النَّسائي من هذا الوجه (( فأزحف فزجره النَّبي صلى الله عليه وسلم فانبسط حتَّى كان أمام الجيش ) ).

وفي رواية وهب بن كيسان عن جابر المتقدِّمة في «البيوع» (( فتخلَّف فنزل فحجنَه بمحجنِهِ ثمَّ قال اركبْ فركبته، فقد رأيتُه أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وعند أحمد من هذا الوجه قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال (( أنخه ) )، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال (( أعطني هذه العصاة أو اقطع لي عصًا من شجرةٍ ) )ففعلت فأخذها، فنخسه بها نخساتٍ، ثمَّ قال (( اركب فركبت ) ).

وفي رواية

ج 12 ص 429

الطَّبراني من رواية زيد بن أسلم عن جابرٍ رضي الله عنه، فأبطأ علي حتَّى ذهب النَّاس فجعلت أرقبه ويهمُّني شأنه، فإذا النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أَجابرُ، فقلت نعم قال (( ما شأنك؟ ) )قلت أبطأ عليَّ جملي، فنفث فيها؛ أي العصا، ثمَّ مجَّ من الماء في نحره، ثمَّ ضربه بالعصا فوثب.

وفي رواية ابن سعدٍ من هذا الوجه ونضح ماءً في وجهه ودبره وضربه بعُصَيَّة، فانبعث فما كدت أمسكه.

وفي رواية أبي الزُّبير عن جابرٍ رضي الله عنه عند مسلم فكنت بعد ذلك أحبسُ خطامه؛ لأسمع حديثه.

وله من طريق أبي نضرة عن جابرٍ رضي الله عنه فنخسه ثمَّ قال (( اركب بسم الله ) )، وزاد في رواية مغيرة فقال (( كيف ترى بعيرك؟ ) )قلت بخير قد أصابته بركتُكَ، قال (( أتبيعنيه ) )فاستحييت، ولم يكن لنا ناضحٌ غيره، فقلت نعم.

وللنَّسائي من هذا الوجه وكانت لي إليه حاجةٌ شديدةٌ. ولأحمد من رواية نُبيح _ وهو بالنون والموحدة والمهملة مصغر _، وفي رواية عطاء قال بعنيه، قلتُ بل هو لكَ يا رسول الله، قال بعنيه، وزاد النَّسائي من طريق أبي الزُّبير قال اللَّهمَّ اغفر له اللَّهمَّ ارحمه.

ولابن ماجه من طريق أبي نضرة عن جابر فقال (( أتبيع ناضحك هذا والله يغفر لك؟ ) )، زاد النَّسائي من هذا الوجه وكانت كلمة تقولها العرب افعل كذلك والله يغفر لك.

ولأحمد قال سليمان _ يعني بعض رواته _ فلا أدري كم من مرَّة قال له (( والله يغفر لك ) )، وللنَّسائي من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البعير خمسًا وعشرين مرةً.

وفي رواية وهب بن كيسان عن جابرٍ رضي الله عنه عند أحمد (( أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ ) )قلت بل أهبه لك، قال (( لا، ولكن بعنيه ) ).

وفي ذلك رد لابن التِّين أنَّ قوله (( لا ) )ليس بمحفوظٍ في هذه القصَّة.

(فَسَارَ بِسَيْرٍ) جار ومجرور مصدر سار يسير، وقوله (لَيْسَ يَسِيرُ) بلفظ الفعل المضارع (مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بِعْنِيهِ بِأَوْقِيَّةٍ) ويروى بفتح الواو

ج 12 ص 430

وحذف الألف فيه لغة.

قال الجوهريُّ وهي أربعون درهمًا، قال العينيُّ كان هذا في عرفهم في ذلك الزَّمان، وفي عرف النَّاس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهمًا، وفي عرف أهل الشَّام خمسون درهمًا، وفي عرف أهل حلب ستون درهمًا، وفي مواضع أكثر من ذلك، حتَّى إنَّ موضعًا فيه الوقية ألف درهم.

هذا وفي رواية مسلمٍ عن جابر عند أحمد فقال (( بعنيه ) )، قلت هو لك، قال (( قد أخذته بوقية ) )، ولابن سعدٍ وأبي عوانة من هذا الوجه قلت هو لك قال (( نعم ) ).

(قُلْتُ لاَ) أي لا أبيعه. قال ابن التِّين قوله (( لا ) )ليس بمحفوظٍ، إلَّا أن يريد لا أبيعك هو لك بغير ثمنٍ.

قال العينيُّ كأن ابن التِّين نزَّه جابرًا رضي الله عنه عن قوله لا لسؤال النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ثبت قوله (( لا ) )ومعناه لا أبيع بل أهبه لك، والنَّفي يتوجَّه لترك البيع لا لكلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، والدَّليل عليه رواية وهب ابن كيسان عن جابرٍ رضي الله عنه عند أحمد (( أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت بل أهبه لك ) ). فإن قيل جاء في رواية أحمد (( فكرهت أن أبيعه ) ).

فالجواب أنَّ كراهته لوقوع صورة البيع بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ قصده كان الهبة، فالكراهة لا ترجع إلى سؤاله صلى الله عليه وسلم، ولكنَّه لمَّا سأله ثانيًا أجاب بالبيع امتثالًا، لا لكلامه، ومع هذا أخذ الثَّمن، والجمل على ما دلَّ عليه الحديث.

(ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِأَوقِيَّةٍ فَبِعْتُهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ) بضم المهملة؛ أي حمله، والمفعول محذوف؛ أي استثنيت حمله إيَّاي (إِلَى أَهْلِي) والمعنى اشترطت أن يكون لي حق الحمل عليه إلى المدينة، كأنَّه استثنى هذا الحقَّ من حقوق البيع، وفي رواية الإسماعيلي بلفظ (( واستثنيتُ ظهره إلى أن نقدم ) )ولأحمد من طريق شريك عن مغيرة اشترى منِّي بعيرًا على أن يفقرَ لي ظهره سفري ذلك.

(فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة، وفي رواية المغيرة بن شعبة عن

ج 12 ص 431

الشَّعبي المتقدِّمة في الاستقراض [خ¦2406] فلمَّا دنونا من المدينة استأذنته، فقال (( تزوَّجت بكرًا أم ثيبًا ) ). وسيأتي في «النِّكاح» إن شاء الله تعالى [خ¦5247] فقدمت المدينة، فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني. وفي رواية أحمد من رواية نبيح فأتيت عمتي بالمدينة، فقلت لها ألم تري أنِّي بعت ناضحنا، فما رأيتها أعجبها.

واسم خال جابر رضي الله عنه جَدُّ _ بفتح الجيم وتشديد الدال _ ابن قيس، كذا جزم ابن نقطة، وأمَّا عمَّته فاسمها هند بنت عمرو، ويحتمل أنَّهما جميعًا لم يعجبهما بيعه؛ لما تقدَّم من أنَّه لم يكن عنده ناضحٌ غيره.

وفي رواية وهب بن كيسان في البيوع [خ¦2097] (( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قبلي، وقدمت بالغدوة، فجئت إلى المسجد فوجدته، فقال الآن قدمت؟ قلت نعم، قال فدع الجمل فادخل فصلِّ ركعتين ) ).

(أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ) وفي رواية مغيرة فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوت إليه بالبعير، ولأبي المتوكِّل عن جابر، كما سيأتي في «الجهاد» إن شاء الله تعالى فدخلتُ _ يعني المسجد _ إليه، وعقلت الجملَ، فقلت هذا جملك، فخرج فجعل يطيفُ بالجمل، ويقول (( جملنا ) )فبعث إليَّ أواقٍ من ذهب، ثمَّ قال استوفيت الثَّمن؟ قلت نعم.

(وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ) وفي رواية مغيرة الماضية في «الاستقراض» (( فأعطاني ثمن الجمل والجمل وسهمي مع القوم ) )وفي روايته الآتية في «الجهاد» (( فأعطاني ثمنه ورده عليَّ ) )، وهي كلها بطريق المجاز، فإنَّ العطية إنَّما وقعت بواسطة بلالٍ رضي الله عنه؛ كما رواه مسلم من هذا الوجه، فلمَّا قدمت المدينة قال لبلالٍ أعطه أوقية من ذهبٍ وزده، قال فأعطاني وقيةً وزاداني قيراطًا، فقلت لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث، وفيه ذكر أخذ أهل الشَّام له يوم الحرَّة.

وتقدَّم نحوه في «الوكالة» للمؤلِّف من طريق عطاء وغيره عن جابر رضي الله عنه [خ¦2309] ، ولأحمد وأبي عوانة

ج 12 ص 432

من طريق وهب بن كيسان فوالله ما زال ينمي ويزيد عندنا ونرى مكانه من بيتنا حتَّى أُصيب أمس فيما أصيب للنَّاس يوم الحرَّة.

وفي رواية أبي الزُّبير عن جابرٍ رضي الله عنه عند النَّسائي فقال (( يا بلال أعطه ثمنه ) )فلمَّا أدبرتُ دعاني فخفت أن يردَّه عليَّ فقال (( هو لك ) ). وفي رواية وهب بن كيسان في «النِّكاح» فأمر بلالًا أن يزن لي أوقيةً فوزن لي بلال وأرجحَ في الميزان، فانطلقت حتَّى ولِّيت، فقال ادع جابرًا، قلت الآن يرد عليَّ الجمل ولم يكن شيءٌ أبغض إليَّ منه، قال (( خذْ جملَك ولك ثمنه ) ).

وهذه الرِّواية مشكلةٌ مع قوله المتقدِّم ولم يكن لنا ناضحٌ غيره. وقوله فكانت لي إليه حاجةٌ شديدة ولكنِّي استحييت منه. ومع تنديم خاله له على بيعه، ويمكن الجمع بأنَّ ذلك كان في أوَّل الحال، وكان الثَّمن أوفر من قيمته وعرف أنَّه يمكن أن يشتري أحسن منه ويبقي له بعض الثَّمن، فلذلك صار يكره ردَّه عليه.

ولأحمد من طريق أبي هبيرة عن جابر رضي الله عنه فلمَّا أتيته دفع إليَّ البعير وقال (( هو لك ) )فمررت برجلٍ من اليهود فأخبرته، فجعل يعجب ويقول اشترى منك البعير ودفع إليك الثَّمن، ثمَّ وهبه لك؟ قلت نعم.

(فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي) بكسر الهمزة؛ أي ورائي (قَالَ مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ) اللام لتأكيد النَّفي (فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ فَهْوَ مَالُكَ) كذا وقع هنا، وقد رواه علي بن عبد العزيز عن أبي نُعيم شيخ البخاريِّ فيه بلفظ (( أتراني إنَّما ماكستك لآخذ جملك؟ خذْ جملكَ ودراهمكَ هما لك ) ). أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» عن الطَّبراني عنه.

وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق عبد الله بن نمير عن زكريا قال في آخره (( فهو لك ) )، وعليها اقتصر صاحب «العمدة» ووقع لأحمد عن يحيى القطَّان عن زكريا بلفظ قال (( أظننت حين ماكستك أذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه فهما لك ) ). وهذه الرِّواية وكذا رواية البخاريِّ توضح أنَّ اللام في قوله (( لآخذ ) )للتعليل، وبعدها همزة ممدودة، ووقع لبعض رواة مسلم كما حكاه القاضي عياض لا _ بصيغة النَّفي _ خذْ، بصيغة

ج 12 ص 433

الأمر، ويلزم عليه التكرار في قوله (( خذ جملك ) ).

وقوله (( ماكستك ) )هو من المماكسة؛ أي المناقصة في الثَّمن، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع، كما تقدَّم، والظَّاهر أنَّه مجازٌ من المساومة.

هذا؛ وذلك هبةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ لأنَّه لم يستردَّ ثمنه بل زاد على ثمنه، فالجمل والثَّمن مع الزِّيادة له. قال ابن الجوزي وهذا من أحسن التَّكرم؛ لأنَّ من باع شيئًا فهو في الغالب محتاجٌ لثمنه، فإذا تعوَّض الثَّمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه، كما قيل

~وقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أمَّ مَالكٍ نَفَائسَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنِينُ

فإذا ردَّ عليه البيع مع ثمنه ذهب أسفه وثبت فرحه وقضيت حاجته، فكيف مع ما انضمَّ إلى ذلك من الزِّيادة في الثَّمن.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي. فإنَّه بيعٌ فيه شرط ركوب الدَّابة إلى مكان مسمَّى؛ وهو المدينة، وكان بينه وبين المدينة ثلاثة أيامٍ، ومن هذا قال مالك إن كان الاشتراط في الرُّكوب إلى مكانٍ قريبٍ كاليوم واليومين والثَّلاثة فالبيع جائزٌ، وإن كان أكثر من ذلك فلا يجوز، والحديث قد مضى في «الاستقراض» وغيره.

(قَالَ شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج (عَنْ مُغِيرَةَ) هو ابن أبي مِقْسَم الضَّبي الكوفي، وقد مرَّ في «الصَّوم» [خ¦1978] (عَنْ عَامِرٍ) هو الشعبي (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه (أَفْقَرَنِي) بتقديم الفاء على القاف (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ) أي حملني على فقارة ظهره، والفقار عظام الظَّهر، يقال أفقرت دابتي فلانًا؛ أي أعرته فقارها ليركبها (إِلَى الْمَدِينَةِ) ويروى ، وهذا التَّعليق وصله البيهقيُّ من طريق يحيى بن كثير عنه.

(وَقَالَ إِسْحَاقُ) هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه (عَنْ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد (عَنْ مُغِيرَةَ فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) الفَقار _ بفتح الفاء _ خرزات الظَّهر؛ أي مفاصل عظامه.

(حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ) وهذا التَّعليق يأتي موصولًا

ج 12 ص 434

في «الجهاد» [خ¦2861] ، وهذه الرِّواية دالَّة على الاشتراط بخلاف رواية شعبة عن مغيرة، فإنَّها لا تدلُّ عليه كما لا يخفى، وقد رواه أبو عوانة عن مغيرة عن النَّسائي بلفظ يحتمل قال فيه قال (( بعنيه ولك ظهره حتَّى تقدم ) )، ووافق زكريا على ذكر الاشتراط فيه سيَّار عن الشعبي أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» بلفظ فاشترى منِّي بعيرًا على أنَّ لي ظهره حتَّى أقدم المدينة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (وَغَيْرُهُ لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) يعني روى عطاء وغيره عن جابرٍ بهذا اللفظ، وهذا التَّعليق تقدَّم موصولًا مطولًا في «الوكالة» [خ¦2309] ، ولفظه قال (( بعنيه ) )قلت هو لك قال (( قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة ) )، وليس فيه أيضًا دلالةٌ على الاشتراط.

(وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) وهذا التَّعليق وصله البيهقيُّ من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، به، ووصله الطَّبراني من طريق عثمان بن محمد الأخنسي، عن محمَّد بن المنكدر بلفظ فبعته إيَّاه وشرطت؛ أي ركوبه إلى المدينة.

(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرٍ وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَرْجِعَ) وصله الطَّبراني والبيهقي من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه بتمامه.

(وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) بضم الزاي، محمَّد بن مسلم بن تدرس بلفظ مخاطب المضارع من الدِّراسة، وقد مرَّ في باب من شكى إمامه [خ¦705] (عَنْ جَابِرٍ أَفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) وصله البيهقيُّ من طريق حماد بن زيد عن أيُّوب عن أبي الزُّبير، وهو عند مسلمٍ من هذا الوجه بلفظ فبعته منه بخمس أواقٍ، قلت على أنَّ لي ظهره إلى المدينة قال ولك ظهره إلى المدينة.

وللنَّسائي من طريق ابن عيينة عن أيوب قال أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره إلى المدينة.

(وَقَالَ الأَعْمَشُ) هو سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ تَبَلَّغْ) بصيغة الأمر من التفعل، وفي بعض النسخ بلفظ المضارع (عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِكَ) وصله أحمد ومسلم وعبد بن حميد وغيرهم من طريق الأعمش، فلفظ أحمد (( قد أخذته بوقيَّة

ج 12 ص 435

أركبه، فإذا قدمت فائتنا به )) ، ولفظ مسلم (( فتبلغ عليه إلى المدينة ) )، ولفظ عبد بن حميد (( تبلغ عليه إلى أهلك ) )، وكذا لفظ ابن سعدٍ والبيهقي وهي متقاربةٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه (الاِشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ عِنْدِي) أشار بذلك إلى أنَّ الرُّواة اختلفوا عن جابرٍ رضي الله عنه في هذه القصَّة هل وقع الشَّرط في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد شرائه على طريق العاريَّة، وقال وقوع الاشتراط فيه أكثر طرقًا وأصحُّ عندي مخرجًا.

وأصرح ما وقع في ذلك رواية النَّسائي المذكورة، لكن اختلف فيها حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، وحمَّاد أعرف بحديث أيُّوب من سفيان.

والحاصل أنَّ الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه التَّرجيح فيكون أصحُّ، ويترجَّح أيضًا بأنَّ الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فيكون حجَّة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافيةً لرواية من ذكره؛ لأنَّ قوله (( لك ظهره ) )، و (( أفقرناك ظهره ) )، و (( تبلغ عليه ) )، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك.

وقد رواه عن جابرٍ بمعنى الاشتراط أيضًا أبو المتوكِّل عنه عند أحمد، ولفظه (( فبعني ولك ظهره إلى المدينة ) )، لكن أخرجه المؤلِّف في «الجهاد» من طريق أخرى عن أبي المتوكِّل ولم يتعرض للشَّرط إثباتًا ولا نفيًا [خ¦2861] .

ورواه أحمد من هذا الوجه بلفظ (( أتبيعني جملك؟ ) )قلت نعم، قال (( أقدم عليه المدينة ) ). ورواه أحمد من طريق أبي هبيرة عن جابرٍ رضي الله عنه بلفظ فاشترى منِّي بعيرًا فجعل لي ظهره حتَّى أقدم المدينة.

ورواه ابن ماجه وغيره من طريق أبي بصرة عن جابرٍ رضي الله عنه، فقلت يا رسول الله هو ناضحك إذا أتيت المدينة.

ورواه أيضًا عن جابرٍ رضي الله عنه نبيح العنزي عند أحمد فلم يذكر الشَّرط ولفظه (( قد أخذته بوقيَّة ) )

ج 12 ص 436

قال فنزلت إلى الأرض فقال (( ما لك؟ ) )قلت جملك، قال (( اركب ) )فركبت حتَّى أتيت المدينة. ورواه أيضًا من طريق وهب بن كيسان عن جابرٍ رضي الله عنه فلم يذكر الشَّرط قال فيه حتَّى بلغ أوقيةً، قلت قد رضيتُ، قال (( نعم ) )، قلت فهو لك، قال (( قد أخذته، ثمَّ قال يا جابر هل تزوَّجت ) ). الحديث.

وما جنح إليه البخاريُّ من ترجيح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث؛ لأنَّهم لا يتوقفون في تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلَّا إذا تكافأت الرِّوايات، وهو شرط الاضطراب الذي يُرَدُّ به الخبر، وهو مفقودٌ هنا مع إمكان التَّرجيح.

قال ابن دقيق العيد إذا اختلفت الرِّوايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ توقف الاحتجاج بشرط تعادل الرِّوايات، أمَّا إذا وقع التَّرجيح لبعضها بأن يكون رواتها أكثر عددًا وأتقن، فيتعيَّن العمل بالرَّاجح، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التَّمسك بالرَّاجح.

وقد جنح الطَّحاوي أيضًا إلى تصحيح الاشتراط، ولكنَّه تأوَّل بأنَّ البيع المذكور لم يكن على الحقيقة لقوله في آخره (( أتراني ماكستك إلى آخره ) )قال فإنَّه يشعر بأنَّ القول المتقدِّم لم يكن على التَّبايع حقيقةً.

وردَّه القرطبيُّ بأنَّه دعوى مجردة، وتغيير وتحريف، لا تأويل، قال وكيف يصنع قائله في قوله بعته منك بأوقية بعد المساومة، وقوله قد أخذته، وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّا لا نسلم أنَّه دعوى مجردةً، بل أثبت ما قاله بقوله (( أتراني ماكستك ) )، وبقوله أيضًا لجابرٍ رضي الله عنه (( ترى أنِّي إنَّما حبستك لأذهب ببعيرك يا بلال أعطه أوقيةً وخذ بعيرك فهما لك ) )، فهذا صريحٌ أنَّه لم يكن ثمة عقد حقيقةً فضلًا عن أن يكون فيه شرطٌ.

وقال ابن حزم أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يماكسْه ليأخذ جمله فصحَّ أنَّ البيع لم يتمَّ فيه، فإنَّما اشترط

ج 12 ص 437

جابرٌ رضي الله عنه ركوب جمل نفسه.

وقول القرطبيُّ وكيف يصنع قائله في قوله (( بعته منك ) )، لا يرد على الطَّحاوي؛ لأنَّه لا ينكر صورة البيع وإنَّما ينكر حقيقة البيع، والقرطبيُّ كيف يصنع بقوله (( ترى أنِّي حبستك لأذهب ببعيرك ) )، فإذا تأمل من له قريحة حادَّة يعلم أنَّ التَّغيير والتَّحريف منه لا من الطَّحاوي، انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ واحتجَّ بعضهم بأنَّ الرُّكوب إن كان من مال المشتري فالبيع فاسدٌ؛ لأنَّه شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسدٌ؛ لأنَّ المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنَّما ملكها لأنَّها طرأت في ملكه.

وتعقِّب بأنَّ المنفعة المذكورة قدرت بقدرٍ من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها، ونظيره (( من باع نخلًا أبرت ) )، واستثنى ثمرتها والممتنع إنَّما هو استثناء شيءٍ مجهول للبائع والمشتري، أمَّا لو علماه معًا فلا مانع، فيحمل ما وقع في هذه القصَّة على ذلك.

وأغرب ابن حزم فزعم أنَّه يؤخذ من الحديث أنَّ البيع لم يتمَّ؛ لأنَّ البائع بعد عقد البيع مخيَّر قبل التَّفرق، فلمَّا قال في آخره (( أتراني ماكستك ) )دلَّ على أنَّه كان اختار ترك الأخذ، وإنَّما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجَّة لمن أجاز الشَّرط في البيع، ولا يخفى ما في هذا التَّأويل من التَّكلف.

وقال الإسماعيلي قوله (( ولك ظهره ) )، وعدٌ قام مقام الشَّرط؛ لأنَّ وعده لا خلف فيه، وهبته لا رجوع فيها؛ لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرَّواة أن يعبِّر عنه بالشَّرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حقِّ غيره، وحاصله أنَّ الشَّرط لم يقع في نفس العقد، وإنَّما وقع سابقًا أو لاحقًا، فتبرَّع بمنفعته أولًا كما تبرَّع برقبته آخرًا.

ووقع في كلام القاضي أبي الطيب الطَّبري من الشَّافعية أنَّ في بعض طرق هذا الخبر فلمَّا نقدني الثَّمن شرطت حملاني إلى المدينة. واستدلَّ بها على أنَّ الشَّرط تأخر عن العقد

ج 12 ص 438

قال لكن لم أقف على الرِّواية المذكورة، وإن ثبتت فيتعيَّن تأويلها على أنَّ معنى نقدني الثَّمن؛ أي قرَّره لي، واتَّفقنا على تعيينه؛ لأنَّ الرِّوايات الصَّحيحة صريحةٌ في أنَّ قبضه الثَّمن إنَّما كان بالمدينة، ولذلك يتعيَّن تأويل رواية الطَّحاوي (( أتبيعني جملك هذا إذا قدمنا المدينة بدينارٍ ) )، الحديث. فالمعنى أتبيعني بدينار أُوَفِّيكَهُ إذا قدمنا المدينة.

وقال المهلَّب ينبغي تأويل ما وقع في بعض الرِّوايات من ذكر الشَّرط على أنَّه شرط تفضل، لا شرط في أصل البيع؛ ليوافق رواية من روى (( أفقرناك ظهره، وأعرتك ظهره ) )وغير ذلك ممَّا تقدَّم.

قال ويؤيده أنَّ القصَّة جرت كلها على وجه التَّفضل والرِّفق بجابرٍ، ويؤيِّده أيضًا قول جابر هو لك. قال بل بعْنيه، فلم يقبل منه إلَّا بثمنٍ رفقًا به.

وسبق الإسماعيليُّ إلى نحو هذا، وزعم أنَّ النُّكتة في ذكر البيع أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبرَّ جابرًا على وجه لا يحصل لغيره طمع في مثله، فبايعَه في جمله على اسم البيع؛ ليتوفَّر عليه بره ويبقى البعير قائمًا على ملكه، فيكون ذلك أهنأ لمعروفه.

قال وعلى هذا المعنى أمر بلالًا أن يزيده على الثَّمن زيادةً مبهمةً في الظَّاهر، فإنَّه قصد بذلك زيادة الإحسان من غير أن يحصل لغيره تأميل في نظير ذلك.

وتُعقِّب بأنَّه لو كان المعنى ما ذكره لكان الحال باقيًا في التَّأميل المذكور عند ردِّه عليه البعير والثَّمن معًا. وأجيب بأنَّ حالة السَّفر تقتضي غالبًا قلَّة الشَّيء بخلاف حالة الحضر، فلا مبالاة عند التَّوسعة من طمع الأمل.

قال الحافظ العسقلانيُّ وأقوى هذه الوجوه في نظري ما تقدَّم نقله عن الإسماعيلي من أنَّه وعد حلَّ محلَّ الشَّرط.

وأبدى السُّهيلي في قصَّة جابرٍ رضي الله عنه مناسبةً لطيفة غير ما ذكره الإسماعيلي ملخَّصها، أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أخبر جابرًا بعد قتل أبيه بأنَّ الله تعالى أحياه، وقال ما تشتهي فأزيدك، أكَّد صلى الله عليه وسلم الخبر بما يشبهه فاشترى منه الجمل، وهو مطية بثمنٍ معلوم، ثمَّ وفَّر عليه الجمل والثَّمن، وزاده على الثَّمن، كما اشترى الله تعالى من المؤمنين أنفسهم بثمنٍ هو الجنة، ثمَّ ردَّ عليهم أنفسهم وزادهم

ج 12 ص 439

كما قال تعالى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس 26] .

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هو ابن عمر العمري (وَابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق صاحب «المغازي» (عَنْ وَهْبٍ) هو ابنُ كيسان (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه؛ أي في هذا الحديث (اشْتَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَوْقِيَّةٍ) أمَّا تعليق عبيد الله فوصله البخاريُّ في «البيوع» [خ¦2097] ولفظه قال أتبيع جملك؟ قلت نعم، فاشتراه منِّي بأوقيةٍ، وأمَّا تعليق ابن إسحاق فوصله أحمد وأبو يعلى والبزَّار بطوله، وفي حديثهم (( قال قد أخذته بدرهم، قلت إذًا تغبنني يا رسول الله، قال فبدرهمين، قلت لا، فلم يزل يرفع لي حتَّى بلغَ أوقية ) )الحديث.

(تَابَعَهُ) أي تابع وهبًا (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرٍ) في ذكر الأوقية، ووصل هذه المتابعة البيهقي (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ) وهذا التَّعليق وصله البخاريُّ في «الوكالة» [خ¦2309] .

وقوله (وَهَذَا يَكُونُ أوقِيَّةً عَلَى حِسَابِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ) قال الحافظ العسقلاني هو من كلام المصنف قصد به الجمع بين الرِّوايتين، وهو كما قال، بناء على أنَّ المراد بالأوقيَّة من الفضَّة، وهي أربعون درهمًا، وقوله الدِّينار، مبتدأ، وقوله بعشرة خبره؛ أي دينار ذهب بعشرة دراهم فضة.

ونسب شيخنا ابن الملقِّن هذا الكلام إلى رواية عطاء، ولم أر ذلك في شيءٍ من الطُّرق لا في البخاريِّ ولا في غيره، وإنَّما هو كلام البخاري، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بما لا طائل تحته، وحاصل تعقُّبه أنَّ الأقرب أن يكون هذا الكلام من كلام عطاء، وأنَّ قوله الدِّينار، مبتدأ إلى آخره تصرُّف عجيبٌ ليس له وجه أصلًا؛ لأنَّ لفظ الدِّينار وقع مضافًا إليه، وهو مجرورٌ بالإضافة، ولا وجه لقطع حساب عن الإضافة ولا ضرورة إليه.

هذا وأنت خبيرٌ بأنَّ قوله الأقرب أن يكون من كلام عطاء دعوى بلا دليل وبيان،

ج 12 ص 440

وأمَّا قوله هذا تصرُّف عجيبٌ ليس له وجه أصلًا .. إلى آخره، ففيه أنَّه لم لا يجوز أن يكون حساب مضافًا إلى جملة الدِّينار بعشرة، فحينئذٍ يكون الدِّينار مبتدأ وبعشرة خبره، مع صحَّة اللَّفظ والمعنى كما لا يخفى.

(وَلَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ) بالرفع عطف على مغيرة الذي هو مرفوع بقوله لم يبيِّن، والثَّمن منصوب مفعوله (وَأَبُو الزُّبَيْرِ) كابن المنكدر (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أراد بذلك أنَّ هؤلاء الثَّلاثة لم يعيِّنوا الثَّمن في روايتهم ولم يبيِّنوا مكيَّته، فأمَّا رواية مغيرة عن الشَّعبي فقد تقدَّمت موصولةً في «الاستقراض» ، وستأتي مطولةً في «الجهاد» إن شاء الله تعالى، وليس فيها ذكر تعيين الثَّمن، وكذا أخرجه مسلمٌ والنَّسائي وغيرهما بلا ذكر الثَّمن.

وأمَّا رواية ابن المنكدر فوصلها الطَّبراني وليس فيها التَّعيين أيضًا، وأما رواية أبي الزُّبير فوصلها النَّسائي ولم يعيِّن الثَّمن، لكن أخرجه مسلم فعين الثَّمن ولفظه (( فبعته بخمس أواق على أنَّ لي ظهره إلى المدينة ) )وكذلك أخرجه ابنُ سعد.

وفي «فوائد تمام» من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزُّبير قال فيه (( أخذته منك بأربعين درهمًا ) ).

(وَقَالَ الأَعْمَشُ) هو سليمانُ بن مهران في روايته (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ أَوقِيَّةُ ذَهَبٍ) وصله مسلم وأحمد وغيرهما هكذا، وفي رواية لأحمد في «صحيحه» (( قد أخذت بوقية ) )ولم يصفها لكن من وصفها حافظ فزيادته مقبولةٌ.

(وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو عَمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنْ سَالِمٍ) المذكور (عَنْ جَابِرٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرَّاء الدَّبَّاغ المديني، أبو سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التَّصغير (ابْنِ مِقْسَمٍ) بكسر الميم وسكون القاف، القرشي المدني(عَنْ جَابِرٍ اشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، أَحْسِبُهُ قَالَ بِأَرْبَعِ

ج 12 ص 441

أَوَاقٍ)قال الحافظ العسقلانيُّ أمَّا رواية أبي إسحاق فلم أقف على من وصلها ولم تختلف نسخ البخاري أنَّه قال فيها بمائتي درهمٍ.

وذكر النَّووي أنَّ في بعض الرِّوايات للبخاريِّ ثمانمائة درهمٍ وليس ذلك فيه أصلًا، ولعلَّه أراد هذه الرِّواية فتصحَّفت.

وأمَّا رواية داود بن قيس ففيها جزمٌ بزمان القصَّة، وشك في مقدار الثَّمن، فأخرجه بأنَّ القصة وقعت في غزوة تبوك، فوافقه على ذلك علي بن زيد بن جدعان عن أبي المتوكل عن جابرٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بجابر في غزوة تبوك، فذكر الحديث.

وقد أخرجه البخاريُّ من وجهٍ آخر عن أبي المتوكل فقال في بعض أسفاره ولم يعيِّنه، وكذا أبهمه أكثر الرُّواة عن جابرٍ، ومنهم من قال كنت في سفرٍ، ومنهم من قال كنت في غزوةٍ، ولا منافاة بينهما.

وفي رواية أبي المتوكل في الجهاد [خ¦2861] ولا أدري غزوة أو عمرة، ويؤيِّد كونه كان في غزوةٍ قوله في آخر روايته فأعطاني الجمل وثمنه، وسهمي مع القوم.

وجزم ابن إسحاق عن وهب بن كيسان في روايته أنَّ ذلك كان في غزوة ذات الرِّقاع من نخلٍ، وكذلك أخرجه الواقدي من طريق عطيَّة بن عبد الله بن أنيس عن جابر رضي الله عنه.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهي الرَّاجحة في نظري؛ لأنَّ أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم، وأيضًا فقد وقع في رواية الطَّحاوي أنَّ ذلك وقع في رجوعهم من طريق مكَّة إلى المدينة، وليست طريق تبوك ملاقية لطريق مكَّة، بخلاف ذات الرقاع، وأيضًا فإنَّ في كثير من طرقه أنَّه صلى الله عليه وسلم سأله في تلك القصة (( هل تزوَّجت؟ قال نعم، قال تزوجت بكرًا أم ثيبًا ) )الحديث.

وفيه اعتذاره بتزويجه الثيب بأنَّ أباه استشهد بأحد وترك أخواته، فتزوَّج ثيبًا لتمشطهنَّ وتقوم عليهنَّ، فأشعر بأنَّ ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها

ج 12 ص 442

في تبوك؛ لأنَّ ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنةٍ واحدة على الصَّحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم.

وجزم البيهقيُّ في «الدلائل» بما قال ابن إسحاق.

(وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، المنذر بن مالك العبدي، مات سنة ثمان ومائة (عَنْ جَابِرٍ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا) وهذا التَّعليق وصله ابن ماجه من طريق الحريري عنه بلفظ (( فما زال يزيدني دينارًا دينارًا حتَّى بلغ عشرين دينارًا ) )وأخرجه مسلمٌ والنَّسائي من طريق أبي نضرة فأبهم الثَّمن.

(وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ بِوَقِيَّةٍ أَكْثَرُ) هذا من كلام البخاري أي قول عامر الشعبي بوقية أكثر؛ أي موافقةً لغيره من الأقوال، ووقع في بعض النُّسخ بعد هذا الاشتراط أكثر وأصحُّ عندي قاله أبو عبد الله، وقد مرَّ هذا فيما مضى.

واعلم أنَّ في قصة جابر اختلاف الرِّوايات في ثمن الجمل المذكور فيها فروي (( أوقية ) )وهي رواية الأكثر، وروي (( أربعة دنانير ) )وهي لا تخالفها، كما تقدَّم، وروي (( أوقية ذهب ) )، وروي (( أربع أواقٍ ) )، وروي (( خمس أواق ) )، وروي (( مائتا درهم ) )، وروي (( عشرون دينارًا ) )هذا كلُّه في رواية البخاري. ووقع عند أحمد والبزار من حديث أبي المتوكل عن جابر (( ثلاثة عشر دينارًا ) )وهذا اختلاف عظيم، والثَّمن في نفس الأمر واحدٌ منها، والرُّواة كلُّهم عدول.

فقال القاضي عياض سبب الاختلاف أنَّهم رووا بالمعنى، وهو جائزٌ، والمراد أوقيَّة الذَّهب، وأمَّا من روى (( أربع أواق، أو خمس أواق من الفضَّة ) )فهو يقدِّر بذلك أوقية من الذَّهب في ذلك الوقت، فيكون الإخبار بالوقية من ذهب عمَّا وقع به العقد وبأواقي الفضة عمَّا حصل به الوفاء، أو بالعكس.

ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية، كما ثبت في الرِّوايات أنَّه قال (( وزادني ) )وأمَّا رواية (( أربعة دنانير ) )فموافقة أيضًا،

ج 12 ص 443

لأنَّه يحتمل أن يكون وزن أوقية الذَّهب حينئذٍ وزن أربعة دنانير، ورواية (( عشرين دينارًا ) )محمولةٌ على دنانير صغار كانت لهم، وأمَّا رواية (( أربع أواق ) )شك فيه الرَّاوي فلا اعتبار بها.

هذا؛ وقال الدَّاودي المراد أوقية ذهب، ويحمل عليها قول من أطلق ومن قال خمس أواق أو أربع أراد من فضة، وقيمتها يومئذٍ أوقية ذهب. وقال أيضًا ليس لوقية الذَّهب وزنٌ معلوم، وأوقية الفضَّة أربعون درهمًا.

هذا؛ وقال القرطبي اختلفوا في ثمن الجمل اختلافًا لا يقبل التَّلفيق، وتكلَّف ذلك بعيدٌ عن التَّحقيق، وهو مبنيٌّ على أمرٍ لم يصح نقله ولا استقام ضبطه، مع أنَّه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكم، وإنَّما يحصل من مجموع الرِّوايات أنَّه باعه البعير بثمنٍ معلوم بينهما، وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك، انتهى.

وقال الإسماعيلي أيضًا ليس اختلافهم في قدر الثَّمن بضائر؛ لأنَّ الغرض الذي سيق الحديث لأجله بيان كرمه وتواضعه وحنوِّه على أصحابه وبركة دعائه وغير ذلك، ولا يلزم من وهم بعضهم في قدر الثَّمن توهين الحديث.

هذا؛ وما جنحَ إليه البخاري من التَّرجيح أقعد، وبالرُّجوع إلى التَّحقيق أسعد، وعلى ذلك فليعتمد، وبالله التَّوفيق.

وفي الحديث جواز المساومة لمن لم يعرض سلعته للبيع، والمماكسة في البيع قبل استقرار العقد، وابتداء المشتري بذكر الثَّمن، وأنَّ القبض ليس شرطًا في صحَّة البيع، والتَّحدث بالعمل الصَّالح للإتيان بالقصة على وجهها لا على وجه تزكية النَّفس وإرادة الفخر.

وفيه تفقد الإمام والكبير لأصحابه، وسؤاله عمَّا ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسَّر من مالٍ أو قالٍ أو دعاء، وتواضعه صلى الله عليه وسلم.

وفيه جواز ضرب الدَّابة لتسير وإن كانت غير مكلفةٍ، ومحله ما إذا لم يتحقَّق أنَّ ذلك من فرط تعب وإعياء.

ج 12 ص 444

وفيه توقير التَّابع لرئيسه.

وفيه الوكالة في وفاء الدين والوزن على المشتري والشِّراء بالنسية.

وفيه ردُّ العطية قبل القبض لقول جابر هو لك، قال (( لا بل بعنيه ) ).

وفيه جواز إدخال الدَّواب والأمتعة إلى رحاب المسجد وحواليه، واستدلَّ من ذلك على طهارة أبوال الإبل، ولا حجَّة فيه.

وفيه المحافظة على ما يتبرَّك به؛ لقول جابر لا تفارقني الزِّيادة.

وفيه جواز الزِّيادة في الثَّمن عند الأداء والرجحان في الوزن لكن برضا المالك، وهي هبةٌ مستأنفة حتَّى لو ردَّت السلعة بعيبٍ مثلًا لم يجب ردُّها، أو هي تابعة للثَّمن حتَّى ترد، فيه احتمال.

وفيه فضيلة لجابر حيث ترك حظَّ نفسه، وامتثل أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم له ببيع جمله مع احتياجه إليه.

وفيه معجزة ظاهرة للنَّبي صلى الله عليه وسلم وجواز إضافة الشَّيء إلى من كان مالكه قبل ذلك باعتبار ما كان.

واستدلَّ به على صحَّة البيع بغير تصريحٍ بإيجاب ولا قبول؛ لقوله فيه (( قال بعنيهِ بأوقية، فبعته ) )ولم يذكر صيغة، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ عدم الذِّكر لا يستلزم عدم الوقوع.

وقد وقع في رواية عطاء الماضية في «الوكالة» [خ¦2309] (( قال بعنيه، قال قد أخذته بأربعة دنانير ) )فهذا فيه القبول ولا إيجاب فيه. وفي رواية جرير الآتية في «الجهاد» [خ¦2967] (( قال بل بعنيه، قلت لرجلٍ علي أوقية ذهب فهو لك بها، قال قد أخذته ) )ففيه الإيجاب والقبول معًا، وأبين منها رواية ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عند أحمد (( قلت قد رضيت قال نعم. قلت فهو لك بها قال قد أخذته ) )فيستدلُّ بها على الاكتفاء في صيغ العقود بالكنايات، والله أعلم.

تكميل قد آلَ أمرُ جمل جابر هذا لما تقدَّم له من بركة النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى مآل حسن، ففي «تاريخ ابن عساكر» في ترجمة جابرٍ رضي الله عنه بسنده إلى الزُّبير عن جابر قال فأقام الجمل عندي زمان النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فعجز فأتيت به عمر رضي الله تعالى عنه فعرف

ج 12 ص 445

قصَّته فقال اجعله في إبل الصَّدقة في أطيب المراعي، ففعل به ذلك إلى أن مات، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت