فهرس الكتاب

الصفحة 4268 من 11127

2731 - 2732 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو أبو جعفر البخاري المعروف بالمسنديِّ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همَّام اليماني، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ) أي ابن الحكم، وقد مرَّ ذكر المسور ومروان في أوَّل كتاب «الشروط» حيث أخرج عنهما قطعةً من هذا الحديث هناك، وهذا الحديث بالنسبة إلى مروان مرسل؛ لأنَّه لا صحبةَ له، وكذلك بالنسبة إلى المسور؛ لأنَّه وإن كانت له صحبةٌ ولكنَّه لم يحضر القصَّة، ولكنهما سمعا جماعةً من الصَّحابة رضي الله عنهم شهدوا هذه القصَّة كعمر وعثمان وعلي والمغيرة بن شعبة، وسهل بن حنيف، وأم سلمة وآخرين رضي الله عنهم.

وقد تقدم في أوَّل «الشروط» من طريقٍ أخرى عن الزهريِّ، عن عروة أنَّه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر بعض هذا الحديث.

ووقع في نفس هذا الحديث شيءٌ يدلُّ على أنَّه عن عمر رضي الله عنه، كما سيأتي التَّنبيه عليه في موضعه، وقد روى أبو الأسود عن عروة هذه القصَّة فلم يذكر المسور ولا مروان، بل أرسلها، وهي كذلك في مغازي عروة بن الزُّبير أخرجها ابن عائذ في «المغازي» له بطولها. وأخرجها الحاكم في «الإكليل» من طريق أبي الأسود أيضًا عن عروة منقطعة.

(يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)

ج 12 ص 466

أي من المسور ومروان، والجملة في محلِّ النَّصب على الحالية (حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) قد تقدَّم ضبطها في كتاب «الحج» ، وهي بئر، سمِّي المكان بها، وقيل شجرةٌ حدْباء صغِّرت، وسمِّي المكان بها.

وقال المحبُّ الطَّبري الحديبية قريةٌ قريبةٌ من مكة أكثرها في الحرم. ووقع في رواية ابن إسحاق في «المغازي» عن الزهريِّ خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا. ووقع عند ابن سعدٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ستٍّ بلا خلافٍ، وممَّن نصَّ على ذلك الزهريُّ ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق، وأمَّا ما قال يعقوب بن سفيان حدَّثنا إسماعيل بن خليل، عن علي بن مسهر أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه قال خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال، فهو غريبٌ جدًا عن عروة.

وقال ابنُ إسحاق خرج في ذي القعدة معتمرًا لا يريد حربًا، قال ابنُ هشام واستعمل على المدينة غيلة بن عبد الله اللَّيثي.

وقال ابنُ إسحاق واستنفرَ العرب ومن حولهم من أهل البوادِي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريشٍ أن يعرضوا له بحربٍ ويصدُّوه عن البيت، فأبطأَ عليه كثيرٌ من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بهم من العرب [1] ، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلموا أنَّه ما خرج إلَّا زائرًا للبيت ومعظِّمًا له، قال وكان الهديُ سبعين بدنة، والناس سبعمائة رجلٍ، فكانت كلُّ بدنةٍ عن عشرة أنفس.

وقال ابنُ عقبة عن جابر رضي الله عنه عن كلِّ سبعةٍ بدنة، وكان جابر رضي الله عنه يقول فيما بلغني كنَّا أصحاب الحديبية أربع عشر مائة، وفي رواية أحمد عن عبد الرَّزَّاق (( في بضع عشر مائة ) )فلما أتى ذا الحليفة قلَّد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرةٍ، وبعث عينًا له من خزاعة.

ج 12 ص 467

وروى عبد العزيز الإماميُّ عن الزهريِّ في هذا الحديث عند ابنِ أبي شيبة خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم في ألفٍ وثمان مائة، وبعث عينًا له من خزاعة يدعى ناجية، يأتيه بخبر قريش، كذا سمَّاه ناجية، والمعروف أنَّ ناجية اسم الذي بعث به الهدي، كما جزم به إسحاق وغيره.

وأمَّا الذي بعثه عينًا لخبر قريش فاسمه بُسْر بن سفيان، كذا سمَّاه ابن إسحاق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصَّحيح.

(حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) اختصر المصنِّف صدر هذا الحديث الطَّويل مع أنَّه لم يسُقْه بطوله إلَّا في هذا الموضع، وبقيَّته عنده في «المغازي» من وجهٍ آخر [خ¦4178] وسار النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال إنَّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت ومانعوك، فقال أشيروا أيُّها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزَّ وجلَّ قد قطع عنقًا من المشركين، وإلَّا تركناهم محروبين. قال أبو بكرٍ يا رسول الله خرجتَ عامدًا هذا البيت، لا تريد قتل أحدٍ ولا ضرب أحدٍ، فتوجَّه له، فمن صدَّنا عنه قاتلناه، قال (( امضوا على اسم الله ) )إلى هاهنا ساق البخاريُّ في «المغازي» من هذا الوجه.

وزاد أحمد عن عبد الرَّزَّاق قال معمر عن الزهريِّ وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقولُ ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.

وهذا القدرُ حذفه البخاريُّ لإرساله؛ لأنَّ الزهري لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية أحمد المذكورة (( حتَّى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبًا ) )انتهى.

وغَدير بفتح الغين المعجمة، والأَشْطَاط بشين معجمة وطائين مهملتين، جمع شط، وهو جانب الوادي، كذا جزم به

ج 12 ص 468

صاحب «المشارق» ، ووقع في بعض نسخ أبي ذرٍّ بالظاء المعجمة فيهما.

وفي رواية أحمد أيضًا أترون أنْ نميلَ إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتودين محروبين، وإن يجيئوا تكون عنقًا قطعها الله، ونحوه لابن إسحاق في روايته في «المغازي» عن الزهريِّ، والمراد أنَّه صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشًا إلى مواضعهم فيسبي أهلهم، فإن جاؤوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم وانفرد هو وأصحابه بقريش، وذلك المراد بقوله (( تكون عنقًا قطعها الله ) )فأشار عليه أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه بترك القتال، والاستمرار على ما خرج له من العمرة، حتَّى يكون بدء القتال منهم، فرجع إلى رأيه.

وزاد أحمد في روايته فقال أبو بكر الله ورسوله أعلم، يا نبيَّ الله إنَّما جئنا معتمرين ... إلى آخره، والأَحَابِيش بالحاء المهملة والموحدة وآخره معجمة واحدها أُحْبُوش _ بضمتين _، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة كانوا تحالفوا مع قريش، قيل تحت جبل، يقال له الحبشي أسفل مكة، وقيل سمُّوا بذلك لتحبيشهم؛ أي تجمُّعهم، والتَّحبيش التجمُّع، والحباشة الجماعة.

وروى الفاكهيُّ من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت أنَّ ابتداء حلفهم مع قريش كان على يد قصيِّ بن كلاب، ووقع عند أبي سعدٍ وبلغ المشركين خروجُه، فأجمع رأيهم على صدِّه عن مكَّة، وعسكروا ببَلْدَح _ بفتح الموحَّدة والمهملة بينهما لام ساكنة ثم حاء مهملة _، موضعٌ خارج مكة.

هذا وقال الهرويُّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى إذا كانوا بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا، وقد نزلوا بذي طوى، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا إلى كراعِ الغميم.

ومن هذا (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بفتح الواو، المخزوميَّ أسلم بعد الحديبية، وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف الله.

ج 12 ص 469

(بِالْغَمِيمِ) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم، وحكى القاضي عياض فيها التَّصغير، وبه قال ابن قرقول، وردَّ ذلك الحميري في كتابه «تثقيف اللسان» بقوله يقولون لموضعٍ بقرب مكة الغُميم على التصغير، والصَّواب الغَميم، يعني بالفتح، وهو وادٍ بينه وبين مكَّة مرحلتان.

وذكر الحازميُّ في كتاب «البلدان» أنَّ الذي بالضم وادٍ في ديار حنظلة من بني تميم، وقال المحبُّ الطَّبري الذي يظهر أنَّ المراد كراع الغميم، وهو موضعٌ بين مكَّة والمدينة، انتهى.

وسياق الحديث ظاهرٌ في أنَّه كان قريبًا من الحديبية، فهو غير كراع الغميم الَّذي وقع ذكره في «الصيام» ، وهو الَّذي بين مكَّة والمدينة، وأمَّا الغميم هذا، فقال ابن حبيب هو قريبٌ من مكانٍ بين رابغ والجحفة. وقال وقد وقع في شعر جرير والشمَّاخ بصيغة التَّصغير.

(فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً) نصب على الحال، والطَّليعة مقدِّمة الجيش، وفي رواية الإمامي فقال له عينه هذا خالد بن الوليد بالغميم، وبيَّن ابنُ سعدٍ أنَّ خالدًا كان في مائتي فارسٍ، فيهم عكرمة بن أبي جهل.

(فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ) أي غير الطَّريق التي فيها خالدٌ وأصحابه، ويروى فأخذوا ذات اليمين. قال ابن هشام فسلك الجيش ذلك الطَّريق، فلمَّا رأت خيل قريش قَتْرَة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش، وهو معنى قوله

(فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ) بفتح القاف والتاء المثناة الفوقية؛ أي الغبار الأسود (فَانْطَلَقَ) أي خالد (يَرْكُضُ) جملة حاليَّة من فاعل انطلق من الركض، وهو الضَّرب بالرَّجل على الدَّابَّة؛ لأجل استعجاله في السير.

(نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ) نصب على الحال من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة؛ أي منذرًا لقريش بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ) صلى الله عليه وسلم (بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ) على البناء للمفعول، ويروى على البناء للفاعل على أنَّ فاعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(عَلَيْهِمْ مِنْهَا) أي من تلك الثَّنيَّة،

ج 12 ص 470

والثَّنِيَّة _ بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد الياء المثناة التحتية _ وهي في الجبل كالعقبة فيه، وفي رواية ابن إسحاق (( فقال صلى الله عليه وسلم من يخرجنا على طريقٍ غير طريقهم التي هم بها ) )قال فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنَّ رجلًا من أسلم قال أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقًا وعرًا، فلمَّا خرجوا منه بعد أن شقَّ عليهم وأفضوا إلى أرضٍ سهلة قال لهم (( استغفروا الله ) )ففعلوا، فقال (( والذي نفسي بيده إنَّها لَلْحِطَّة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا ) ).

قال ابنُ إسحاق عن الزهريِّ في حديثه فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْض في طريق تخرجه على ثنية المرار ومهبط الحديبية، انتهى.

وثنية المِرَار _ بكسر الميم وتخفيف الراء _ هي طريقٌ في الجبل تشرف على الحديبية، وزعم الدَّاودي الشارح أنَّها الثنية التي أسفل مكَّة، وردَّ عليه ذلك بأنَّه وهم.

وقال ابنُ الأثير هو _ أي المرار _ موضعٌ بين مكَّة والمدينة، وبعضهم يقول بفتح الميم، وبعضهم بضم الميم، وقال ابنُ سعد الَّذي سلك بهم حمزة بن عمرو الأسلمي. وفي رواية أبي الأسود عن عروة فقال من رجل يأخذ بنا عن يمين المحجَّة نحو سِيْفِ البحر لعلَّنا نطوي مسلحة القوم، وذلك من الليل، فنزل رجلٌ عن دابَّته. فذكر القصة.

(بَرَكَتْ) بفتح الراء يقال برك البعير يبرك، من باب نصر ينصر، بروكًا استناخ، وأبركتُه أنا فبرك، كما يقال أنختُه فاستناخ.

(بِهِ رَاحِلَتُهُ) والراحلة من الإبل البعير القويُّ على الأسفار والأجمال، والذَّكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله، على النجابة، وتمام الخلق، وحسن النَّظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت.

(فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ) بفتح واحدة المهملة وسكون اللام فيهما، وهو زجرٌ للنَّاقة، تقال لها إذا تركت السير، وقال الخطابيُّ إن قلتَ حلْ، واحدة فبالسكون، وإن أعدتَها نوَّنت في الأولى، وسكَّنت في الثانية، وحكى غيره السكون فيهما، والتنوين كقولهم بخ بخ، وصه صه.

وقال ابن سيده هو زجر

ج 12 ص 471

لإناث الإبلِ خاصَّةً، ويقال حَلا وحِلا، وقد اشتقَّ منه اسم، فقيل الحلحال، وقد يقال حلحلحت فلانًا، إذا أزعجته من مكانه.

(فَأَلَحَّتْ) بحاء مهملة مشددة؛ أي لزمت مكانها وتمادَّت على عدم القيام ولم تنبعث، وهو من الإلحاح.

(فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ) يقال خَلأت النَّاقة تخلأ خِلاء، بالمدِّ، وخَلأ الإنسانُ خُلُوءًا، إذا لم يَبْرَح، وقال أبو ذرٍّ خلأت النَّاقة حَرَنت، من الحِران، فالخلاء بالمعجمة والمدِّ، كالحِرَان للخيل، وقال ابن قتيبة لا يكون الخلاء إلَّا للنوق خاصَّةً، وقال ابن فارس لا يقال للجمل خَلَأ، لكنْ أَلحَّ.

والقَصْواء _ بفتح القاف وسكون الصاد المهملة وبالمد _ اسم ناقةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل سمِّيت بذلك؛ لأنَّه كان طرف أذنها مقطوعًا، والقصو قطع طرفِ الأذن، يقال بعيرٌ أَقْصى، وناقةٌ قَصْواء.

وقال الأصمعيُّ ولا يقال بعيرٌ أقصى، وكان القياس أن يكون بالقصر، وقد وقع ذلك في بعض نسخ أبي ذرٍّ، وفي «أدب الكاتب» القُصوى _ بالضم والقصر _ شذَّ من بين نظائره، وحقُّه أن يكون بالياء مثل الدُّنيا والعليا، من دنوتُ وعلوت، وقال الجوهريُّ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقةٌ تسمَّى القصواء، ولم تكن مقطوعةَ الأذن، وقال الداوديُّ سمِّيت بذلك؛ لأنَّها كانت لا تكاد تسبَق، فقيل لها القصواء؛ لأنَّها بلغت من السَّبق أقصاه، وهي التي ابتاعها أبو بكرٍ رضي الله عنه وأخرى معها من بني قشير بثمانمائة درهم، وهي التي هاجر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إذ ذاك رباعية، وكان لا يحمله غيرها إذا نزل عليه الوحي.

قال العينيُّ وقد سُبقت يومًا فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من قدر الله أن لا يرفع شيئًا في هذه الدُّنيا إلَّا وضعه ) ).

وقيل المسبوقة هي العضباء، وهي غير القصواءِ، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) أي ليس الخلاءُ لها بعادةٍ، وكانوا ظنُّوا أن

ج 12 ص 472

ذلك من خلقها، فقال (( وما ذاك لها بخُلُقٍ ) )بضم الخاء.

قال ابن بطَّال وغيره في هذا الفصل جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبًا لغرَّتهم، وجواز السَّفر وحده للحاجةِ، وجواز التنكُّب عن الطَّريق السَّهل إلى الوعر للمصلحة، وجواز الحكم على الشَّيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأَ عليه غيره، وإذا وقع من شخصٍ هفوةٌ لا يعهد عنه مثلها لا ينسب إليها، ويردُّ على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه إليها ممَّن لا يعرف صورة حاله؛ لأنَّ خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنَّه الصَّحابة رضي الله عنهم صحيحًا، ولم يعاتبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ لعذرهم في ظنِّهم.

قال وفيه جواز التصرُّف في ملك الغير للمصلحة بغير إذنه الصَّريح، إذا كان سبق منه ما يدلُّ على الرِّضى بذلك؛ لأنَّهم قالوا حَلْ حَلْ، فزجروها بغير إذنٍ ولم يعاتبهم عليه.

(وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) وزاد ابن إسحاق في روايته (( عن مكَّة ) )أي حبسها الله عزَّ وجلَّ عن دخول مكَّة كما حبس الفيل عن دخولها حين جيء به لهدم الكعبة، وقصَّة الفيل مشهورةٌ ستأتي الإشارةُ إليها في مكانها، وقصَّته إجمالًا أنَّ أبرهة الحبشي جاء على الفيل بعسكرهِ يقصد هدم مكَّة واستباحة الحرم، فلمَّا وصل إلى ذي المجاز امتنعَ الفيل من التوجُّه نحو الكعبة، ولم يمتنع من غيرها.

وقال الخطابيُّ المعنى في ذلك يعني أنَّ مناسبة ذكر قصَّة الفيل هنا أنَّهم لو دخلوها مكة على تلك الصُّورة وصدَّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدِّماء، ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكَّة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين أنَّه سيدخل في الإسلام خلقٌ منهم، وسيخرج من أصلابهم ناسٌ مسلمون وذريَّةٌ مؤمنون يجاهدون في سبيل الله، وكان بمكة في الحقيقة جمعٌ كثيرٌ مؤمنون من المستضعفين من الرِّجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكَّة لما أمن أن يصاب منهم ناسٌ بغير عمدٍ، كما أشار إليه تعالى في قوله {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} [الفتح 25] الآية.

وقال الداوديُّ لما رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم بروك القصواء علم

ج 12 ص 473

أنَّ الله عزَّ وجلَّ أراد صرفهم عن القتال؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وأراد بحابس الفيل الله تعالى، ووقع للمهلَّب استبعاد جواز إطلاق هذه الكلمة _ وهي حابس الفيل _ على اللهَ تعالى، فقال المراد حبسها أمر الله تعالى.

وتعقِّب بأنَّه يجوز إطلاق ذلك في حقِّ الله تعالى فيقال حبسها الله حابس الفيل، ونحوه، كذا أجاب ابن المنير، وهو مبنيٌّ على الصَّحيح من أنَّ الأسماء توقيفيَّة.

وقد توسَّط الغزالي وطائفة فقالوا محلُّ المنع ما لم يرد نصٌّ بما يشتقُّ منه، بشرط أن لا يكون ذلك الاسم المشتقُّ مشعرًا بنقصٍ، فيجوز تسمية الواقي؛ لقوله تعالى {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر 9] ، ولا يجوز تسمية البناء، وإن ورد قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات 47] والله أعلم.

وفي هذه القصَّة جواز التَّشبيه من الجهة العامَّة وإن اختلفت الجهة الخاصَّة؛ لأنَّ أصحاب الفيل كانوا على باطلٍ محضٍّ، وأصحاب هذه النَّاقة كانوا على حقٍّ محضٍّ، ولهذا جاء التَّشبيه من جهة إرادة الله تعالى منع الحرم مطلقًا، أمَّا من أهل الباطل فواضحٌ، وأمَّا من أهل الحقِّ فللمعنى الذي تقدَّم ذكره، وفيه ضرب المثل، واعتبار من بقيَ بمن مضى.

قال الخطابيُّ معنى تعظيم حُرمات الله في هذه القصَّة ترك القتال في الحرم، والجنوح إلى المسالمة، والكف عن إراقة الدِّماء، واستدلَّ بعضهم بهذه القصَّة لمن قال من الصوفيَّة علامة الإذن التيسير، وعكسه عكسه، وفيه نظر.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه تأكيد القول باليمين؛ ليكون أدعى إلى القبول، وقد حفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا، قاله ابن القيِّم في «الهدي» .

(لاَ يَسْأَلُونِي) ويروى على الأصل (خُطَّةً) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة؛

ج 12 ص 474

أي خصلة، قاله الداوديُّ، وقيل حالته، وقال ابن قرقول قضيَّته وأمرًا، والحاصل أنَّه بمعنى أمرٍ عظيمٍ يستحقُّ أن يخطَّ في الدفاتر.

(يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ) ووقع في رواية ابن إسحاق (( يسألونني فيها حرمات الله ) )، وقال ابن التين أي يكفُّون عن القتال تعظيمًا للحرم، وقال ابن بطَّال يريد بذلك موافقة الله عزَّ وجل في تعظيم الحرمات؛ لأنَّه فهم عن الله عزَّ وجلَّ إبلاغ الأعذار إلى أهل مكَّة، فأبقى عليهم؛ لما سبق في علمه من دخلوهم في دين الله أفواجًا، والحاصل أنَّ فيه إشارة إلى الجنوح إلى المصالحة، وترك القتال في الحرم.

(إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي أجبتهم إليها، قال السهيليُّ لم يقع في شيءٍ من طرق الحديث أنَّه قال «إن شاء الله» مع أنَّه مأمورٌ بها في كلِّ حالةٍ.

والجواب أنَّه كان أمرًا واجبًا حتمًا فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء، كذا قال، وتعقِّب بأنَّ الله تعالى قال في هذه القصَّة {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [الفتح 27] فقال إن شاء الله، مع تحقُّق وقوع ذلك تعليمًا وإرشادًا، فالأولى أن يحمل على أنَّ الاستثناء سقط من الراوي.

وقيل يحتمل أن تكون تلك القصَّة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يعارضه كون سورة الكهف مكيَّةً، إذ لا مانع أن يتأخَّر نزول بعض السورة.

(ثُمَّ زَجَرَهَا) أي ثمَّ زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّاقة، وحملها على السَّير (فَوَثَبَتْ) أي قامت وانتهضت قائمةً (قَالَ) أي الراوي (فَعَدَلَ عَنْهُمْ) أي مال وأعرض عنهم، وفي رواية ابن سعدٍ (( فولَّى راجعًا ) )، وفي رواية ابن إسحاق (( فقال للنَّاس انزلوا، قالوا يا رسول الله ما بالوادي من ماءٍ ننزل عليه ) ).

(حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ) أي من مكَّة (عَلَى ثَمَدٍ) بفتح المثلثة والميم؛ أي حفيرةٌ فيها ماءٌ قليلٌ، يقال ماء ثمود؛ أي قليل، ويقال الثَّمد الماء القليل الذي لا مادَّة له، وقيل الثَّمد ما يظهر من الماء زمن الشِّتاء ويذهب في الصيف.

ج 12 ص 475

وقوله (قَلِيلِ الْمَاءِ) تأكيدٌ له على وجه التَّفسير، وقال الحافظ العسقلانيُّ تأكيدٌ لرفع توهم أن يراد لغة من يقول إنَّ الثَّمد الماء الكثير، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنما يتَّجه هذا الكلام أن لو ثبت في اللغة أن الثَّمد الماء الكثير أيضًا، فحينئذٍ يكون من الأضداد.

(يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا) بالموحدة وتشديد الراء وبالضاد المعجمة، من البَرْض _ بالفتح والسكون _ وهو اليسير من العطاء، والمعنى يأخذونه قليلًا قليلًا. وقال صاحب «العين» هو جمع الماء بالكفَّين.

وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة وسبقت قريش إلى الماء فنزلوا عليه، ونزل النَّبي صلى الله عليه وسلم الحديبية في حرٍّ شديدٍ، وليس بها إلَّا بئرٌ واحدٌ. فذكر القصَّة، وقوله تبرُّضًا مصدر من باب التفعُّل الذي يجيء للتكلُّف، وانتصابه على أنَّه مفعولٌ مطلق.

(فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ) بضم أوله وسكون اللام وكسر الموحدة، من الإلباث، وقال ابنُ التين بفتح اللام وكسر الموحدة المثقلة، من التَّلبيث؛ أي لم يتركوه يلبث؛ أي يقيم.

(حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ) على البناء للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) أي أخرج نشابةً من جعبته (ثُمَّ أَمَرَهُمْ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَجْعَلُوهُ) أي السهم (فِيهِ) أي في الثَّمد المذكور، وفي رواية الزهريِّ (( فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاهُ رجلًا من أصحابه، فنزل قَلِيْبًا من تلك القُلُبِ، فغرزه في جوفه فجاش بالرواء ) ). وفي رواية ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن رجالٍ من أسلم أنَّ ناجية بن جندب الذي ساق البدن هو الذي نزل بالسَّهم. وأخرجه ابن سعدٍ من طريق سلمة بن الأكوع.

وفي رواية ناجية بن الأعجم قال ابن إسحاق وقد زعم بعضُ أهل العلم أنَّه البراء بن عازب فإنَّه كان يقول أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الواقدي من طريق خالد بن عبادة

ج 12 ص 476

الغفاري قال أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويمكن الجمع بين هذه الرِّوايات بأنَّهم تعاونوا على ذلك بالحفر والنُّزول في القليب، وسيأتي في «المغازي» من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة الحديبية أنَّه صلى الله عليه وسلم جلس على البئر، ثمَّ دعا بإناءٍ فمضمض ودعا، ثمَّ صبَّه فيها، ثم قال دعوها ساعةً ثمَّ إنَّهم ارتووا بعد ذلك. ويمكن الجمع بأن يكون الأمران وقعا معًا.

وقد روى الواقديُّ من طريق أوس بن خولي أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ في الدَّلو، ثمَّ أفرغه فيها وانتزع السَّهم فوضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الأسود في روايته عن عروة أنَّه صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلوٍ وصبَّه في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه فيها، ودعا، ففارت. وهذه القصَّة غير القصَّة الآتية في «المغازي» أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه قال [خ¦4152] عطش النَّاس بالحديبية وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة، فتوضَّأ منها فوضع يده فيها، فجعل الماء يفورُ من بين أصابعه الحديث، وكان ذلك قبل قصَّة البئر. والله أعلم.

وفي هذا الفصل معجزاتٌ ظاهرةٌ، وفيه بركة سلاحه وما ينسب إليه، وقد وقع نبعُ الماء منه بين أصابعه صلى الله عليه وسلم في عدَّة مواطن غير هذه، وسيأتي في أول غزوة الحديبية حديث زيد بن خالد رضي الله عنه (( أنَّهم أصابهم مطرٌ بالحديبية ) )الحديث، وكان ذلك وقع بعد القصَّتين المذكورتين، والله أعلم.

(فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ) بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة؛ أي يفورُ لهم، قال ابن سيده جَاشَت تَجِيْش جَيْشًا وجُيُوشًا وجَيَشانًا، وكان الأصمعيُّ يقول جَاشت _ بغير همزٍ _ فارت، وبهمزٍ ارتفعت.

(بِالرِّيِّ) بكسر الراء، ويجوز فتحها؛ أي بما يرويهم (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أي رجعوا بعد ورودهم، وزاد ابن سعد (( حتَّى اعترفوا بأيديهم جلوسًا على شفَّة البئر ) )، وكذا في رواية أبي الأسود عن عروة (( فبينما هم كذلك ) )، وفي رواية الكشميهنيِّ بدون الميم.

(إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ)

ج 12 ص 477

بالموحدة على التصغير (ابْنُ وَرْقَاءَ) بالقاف مؤنث الأورق (الْخُزَاعِيُّ) قال أبو عمر أسلم يوم الفتح بمرِّ الظَّهران، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، وكان من كبار مسلمة الفتح، وقيل أسلم قبل ذلك، وتوفِّي في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن حبَّان وكان سيِّد قومه، وكان من دُهاة العرب.

(فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ) سمَّى الواقديُّ منهم عَمرو بن سالم وخِرَاش بن أُميَّة، وفي رواية أبي الأسود عن عروة منهم خارجة بن كرز، ويزيد بن أميَّة.

(وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) العَيْبَة _ بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الموحدة _ وهي في الأصل ما يوضع فيه الثياب لحفظها، والمراد بها هنا موضع النُّصح له صلى الله عليه وسلم والأمانة على سرِّه، شبَّه الصدر الذي هو مستودع السرِّ بالعَيْبة التي هي مستودع الثياب؛ أي محل نصيحتهِ وموضع أسراره.

والنُّصح بضم النون، وحكى ابن التين فتحها على أنَّه مصدر من نَصَح يَنْصَح نَصْحًا، بالفتح، وهو بالضم اسم، وأصله في اللُّغة الخلوص، يقال نَصَحته ونَصَحتُ له، ونُصح رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارةٌ عن التَّصديق بنبوَّته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه.

(مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) لبيان الجنس؛ لأنَّ خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة، وتِهامة _ بكسر المثناة الفوقية _ هي مكَّة وما حولها، وحدَّها من جهة المدينة العرج ومنتهاها إلى أقصى اليمن، وقيل تهامة اسمٌ لكلِّ ما نزل من نجدٍ ومكَّة منها، واشتقاقها من التَّهم، وهو شدَّة الحرِّ وركود الريح، يقال أَتْهَم، إذا أتى تهامة، كما يقال أَنْجَد، إذا أتى نجدًا.

وزاد ابنُ إسحاق في روايته وكانت خزاعة عَيْبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها، لا يخفون عليه شيئًا كان بمكَّة، ووقع عند الواقديِّ أنَّ بديلًا قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم لقد غزوت ولا سلاح معك، فقال (( لم نجيء لقتالٍ، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه ) )

ج 12 ص 478

فقال له بديل أنا لا أتَّهم ولا قَومي، انتهى.

وكان الأصل في موالاة خزاعة للنَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمرُّوا، على ذلك في الإسلام.

وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذِّمَّة إذا دلَّت القرائن على نُصحهم، وشهدت التَّجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم.

ويُستفاد منه جواز استنصاح بعضِ ملوك العدوِّ استظهارًا على غيرهم، ولا يعدُّ ذلك مُوالاة الكفَّار، ولا من موادَّة أعداء الله، بل من قبيل استخدامِهم وتقليلِ شوكة جمعهم، وإنكارِ بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق.

(فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد الياء، إنما اقتصر على ذكر هذين؛ لكون قريش الَّذين كانوا بمكَّة أجمع ترجع أنسابهم إليها، وبقي من قريشٍ بنو أسامة بن لؤي وبنو عوف بن لؤي، ولم يكن بمكَّة منهم أحد، وكذلك قريش الظَّواهر الذين منهم بنو تميم بن غالب ومحارب بن فِهْر.

وقال هشامُ بن الكلبي بنو عامر بن لؤي وكعب بن لؤي هما الصَّريحان لا شكَّ فيهما، بخلاف أسامة وعوف؛ أي فيهم الخلف، قال وهم قريش البِطَاح؛ أي بخلاف قريش الظَّواهر.

(نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ) الأعداد بالفتح، جمع عِدَّ _ بالكسر والتشديد _ وهو الماء الذي لا انقطاع له، يقال ماء عِدَّ، ومياه أَعْداد. وقال ابن قَرقول مثل نِد وأَنْداد، وقيل هو بلغة بني تميم الماء الكثير، وبلغة بكر بن وائل الماء القليل، وقال الداوديُّ هو موضعٌ بمكَّة، وليس كذلك، وقول بديل هذا يشعر بأنَّه كان بالحديبية مياه كثيرة، وأنَّ قريشًا سبقوا إلى النُّزول عليها، فلهذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثَّمد المذكور.

(وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ) العُوْذُ _ بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة _ جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللَّبن، والمطافيل الأمَّهات اللاتي معها أطفالها.

قال السهيليُّ يريد أنَّهم خرجوا معهم بذوات

ج 12 ص 479

الألبان من الإبل؛ ليتزوَّدوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قيل للنَّاقة عائذٌ وإن كان الولد هو الَّذي يعوذ بها؛ لأنها تعطف عليه بالشَّفقة والحنوِّ، كما قالوا تجارةٌ رابحةٌ وإن كانت مربوحًا فيها؛ لأنَّها في معنى نامية زاكية، هذا وكنِّي بذلك عن النساء معهنَّ الأطفال، والمراد أنَّهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم.

هذا وقال ابنُ فارس كلُّ أنثى إذا وضعتْ فهي إلى سبعة أيَّام عائذ، والجمع عوذ، كأنَّها سمِّيت بذلك لأنَّها تعوذ ولدها وتلتزم الشُّغل به، وقال الخطابيُّ العُوذ الحديثات النَّتاج، وقال ابن التِّين يجمع أيضًا على عيذان مثل رَاع ورِعْيان. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا التَّمثيل غير صحيحٍ؛ لأنَّ عائذًا أجوف واوي، والرَّاعي ناقص يائي فافهم، وقال الداوديُّ العُوذ سَراة الرِّجال. قال ابن التِّين هو وهمٌ، وقيل هي النَّاقة التي لها سبع ليالٍ منذ ولدت، وقيل عشرة، وقيل خمسة عشر، ثم هي مُطْفِل بعد ذلك، وقيل المراد النُّوق مع فصلانها، وهذا هو أصلها، وقال ابن الأثير جاؤوا بالعوذ المطافيل؛ أي الإبل مع أولادها، المطفل النَّاقة القريبة العهد بالنَّتاج معها طفلها، يقال أَطْفَلت فهي مُطْفِل ومُطْفِلة، والجمع مَطَافل ومَطَافِيل، بالإشباع.

والحاصل أنَّه يريد أنَّهم جاؤوا بأجمعهم كبارهم وصغارهم، وقد وقع عند ابن سعد معهم العُوذ المطافيل والنِّساء والصبيان.

(وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ) أي مانعوك، وأصله صاددون فأدغمت وأضيفت إلى كاف الخطاب، فسقطت النون (عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ) بفتح النون وكسر الهاء وفتحها؛ أي بلغت فيهم

ج 12 ص 480

(وَأَضَرَّتْ بِهِمْ) حتَّى أضعفتهم قوَّتهم وأموالهم (فَإِنْ شَاؤوا مَادَدْتُهُمْ) أي ضربت بيني وبينهم (مُدَّةً) للصُّلح نترك بيننا وبينهم الحرب (وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ) أي من كفَّار العرب وغيرهم (فَإِنْ أَظْهَرْ) بالجزم؛ أي إن غلبتُ عليهم؛ أي على غيرهم من النَّاس (فَإِنْ شَاؤوا) شرط معطوفٌ على الشرط الأول، كذا قال العيني، والظاهر أنَّه مع جوابه جواب الشَّرط الأول؛ أي فإن شاء قريش.

(أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا) فقوله فعلوا جواب الشرط الثَّاني (وَإِلاَّ) أي وإن لم أظهر؛ أي لم أغلب عليهم (فَقَدْ جَمُّوا) بالجيم المفتوحة وضم الميم المهملة؛ أي استراحوا من جهدِ الحرب، وإنما ردَّد الأمر مع أنَّه جازمٌ بأنَّ الله تعالى سينصره ويظهره عليهم؛ لوعد الله تعالى له بذلك على طريق التَّنزُّل مع الخصم، وفرض الأمر على ما زعم الخصم، ولهذه النُّكتة لم يصرِّح بظهور غيره عليه، لكن وقع التَّصريح بذلك في رواية ابن إسحاق، ولفظه (( فإن أصابوني كان الَّذي أرادوا ) )، وفي رواية ابن عائذ من وجهٍ آخر عن الزهريِّ (( فإن ظهر الناس عليَّ فذاك الذي يبغون ) ).

فالظَّاهر أنَّ عدم التَّصريح وقع من بعض الرُّواة تأدُّبًا والله أعلم، وقال الحافظ العسقلانيُّ في تفسير هذا الكلام هو شرطٌ بعد الشرط، والتَّقدير فإن ظهر غيرهم عليَّ كفاهم المؤونة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاؤوا أطاعوني وإلَّا فلا تنقضي مدَّة الصلح إلَّا وقد جمُّوا؛ أي استراحوا أو قووا، انتهى فليتأمَّل.

(وَإِنْ هُمْ أَبَوْا) أي امتنعوا ذلك، ولم يخلُّوا بيني وبين الناس (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) بالسين المهملة وكسر اللام بعدها فاء؛ أي حتَّى ينفصل مقدم عنقي؛ أي حتَّى أقتل؛ لأنَّ القتيل تنفرد مقدِّمة عنقه.

وقال الخطابيُّ أي حتَّى يبين عنقي، والسَّالفة مقدم العُنق، وقيل صفحة العُنق، وفي «المحكم» السَّالفة أعلى العنق، وقال الداوديُّ المراد الموت؛ أي حتَّى أموت وأبقى

ج 12 ص 481

منفردًا في قبري، ويحتمل أنَّه أراد أن يُقاتل حتَّى ينفردَ وحده في مقاتلتهم.

وقال ابنُ المنير لعلَّه صلى الله عليه وسلم نبَّه بالأعلى على الأدنى؛ أي أنَّ لي من القوَّة بالله والحول به وما يقتضي أنِّي أقاتل عن دينه لو انفردتُ، فكيف لا أقاتل عن دينه مع وجود المسلمين وكثرتهم ونفاذ بصائرهم في نصرِ دين الله.

(وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ) بضم الياء وكسر الفاء؛ أي ليمضينَّ الله (أَمْرَهُ) في نصر دينه وإن كرهوا، وحسن الإتيان بهذا الجزم بعد ذلك؛ للتَّنبيه على أنَّه لم يورده إلَّا على سبيلِ الفرض، وفي هذا الفصل النَّدب إلى صلة الرَّحم والإبقاء على من كان من أهلها، وبذل النَّصيحة للقرابة، وما كان عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم من القوَّة والثبات وتنفيذ حكم الله تعالى وتبليغ أمره.

(فَقَالَ بُدَيْلٌ سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ) أي فائذن لي (فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ) سمَّى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل والحكم بن أبي العاص (لاَ حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد ابن إسحاق في روايته (( فقال لهم بديل إنكم تعجلون على محمَّد، إنَّه لم يأت لقتالٍ، إنَّما جاء معتمرًا، فاتَّهموه ) )أي اتَّهموا بديلًا؛ لأنهم كانوا يعرفون ميله إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا إن كان كما تقول، فلا يدخلها علينا عنوةً.

(فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) أي ابن مُعَتِّب _ بضم الميم وفتح العين وكسر المثناة الفوقية وفي آخره موحدة _ الثَّقفيُّ أسلم بعد ذلك ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم (( مَثَلُه كَمَثَلِ صاحب

ج 12 ص 482

(( يَس ) )في قومه )) ، وفي رواية ابنِ إسحاق عند أحمد عروة بن عمرو بن مسعود، والصَّواب هو الأوَّل، وهو الذي وقع في السِّيرة، ثمَّ في رواية أبي الأسود عن عروة عند الحاكم في «الإكليل» ، والبيهقيُّ في «الدلائل» وذكر ذلك ابن إسحاق أيضًا من وجهٍ آخر قالوا لما نزلَ صلى الله عليه وسلم بالحديبية أحبَّ أن يبعث رجلًا من أصحابه إلى قريش يعلمهم بأنَّه إنَّما قدم معتمرًا، فدعا عمر رضي الله عنه، فاعتذر بأنَّه لا عشيرة له بمكَّة، فدعا عثمان رضي الله عنه فأرسله بذلك، وأمره أن يعلم من بمكَّة من المؤمنين بأنَّ الفرج قريبٌ فأعلمهم عثمان رضي الله عنه بذلك، فحمله أبانُ بن سعد بن أبي العاص على فرسه، فذكر القصَّة فقال المسلمون هنيئًا لعثمان خلص إلى البيت فطافَ به دوننا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ ظنِّي به أن لا يطوف حتَّى نطوفَ معًا، وكان كذلك ) ). قال ثمَّ جاء عروة بن مسعود. فذكر القصَّة. وفي رواية ابن إسحاق أنَّ مجيء عروة كان قبل ذلك ذكرها موسى بن عقبة في «المغازي» عن الزهري، وكذا أبو الأسود عن عروة قبل قصَّة مجيء سُهيل بن عمرو، والله أعلم.

(فَقَالَ أَيْ قَوْمِ) ويروى (أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟) أي بمثل الوالد في الشَّفقة والمحبَّة (قَالُوا بَلَى. قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟) أي بمثل الولد في النُّصح لوالده، كذا في رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ بالعكس والصَّواب هو الأول. وكذا هو في رواية ابن إسحاق وأحمد وغيرهما، وزاد ابنُ إسحاق عن الزُّهريِّ أنَّ أمَّ عروة هي سُبَيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله (( ألستُم بالوالد ) )أنَّكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمِّي منكم.

وجرى بعض الشرَّاح على ما وقع في رواية أبي ذرٍّ، فقال أراد بقوله (( ألستم بالولد ) )؛ أي أنتم عندي في الشَّفقة والنصح بمنزلة الولد، ولعلَّه كان يخاطب بذلك

ج 12 ص 483

قومًا هو أسنَّ منهم.

(قَالُوا بَلَى. قَالَ فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟) أي قال عروة هل تنسبوني إلى التُّهمة (قَالُوا لاَ) لأنَّه كان سيِّدًا مطاعًا في قومه، غير متَّهمٍ (قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ) أي دعوتهم إلى نصركم.

وعُكَاظْ _ بضم المهملة وتخفيف الكاف وبالظاء المعجمة _ اسم سوقٍ بناحية مكَّة، كانت العرب تجتمعُ بها في كلِّ سنةٍ مرَّةً.

(فَلَمَّا بَلَّحُوا) بفتح الموحدة وتشديد اللام وبالحاء المهملة؛ أي عجزوا وامتنعوا، والتبلُّح التمنُّع من الإجابة، يقال بلَّح الفرس، إذا أعيا ووقف، وقال ابن قَرْقول وتخفيف اللام لغة، قال الأعشى

واشْتَكَى الأَوْصَالَ مِنْهُ وَبَلَح

وقال الخطابيُّ بلَّحوا امتنعوا، يقال بلَّح الغريم، إذا امتنع من أداء ما عليه، وبلَّحت البركة، إذا انقطع ماؤها، وزاد ابن إسحاق فقالوا صدقت ما أنت عندنا بمتَّهم.

(عَلَيَّ) بتشديد الياء (جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي، قَالُوا بَلَى. قَالَ فَإِنَّ هَذَا) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ) وفي رواية الكشميهنيِّ (خُطَّةَ رُشْدٍ) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة، والرُّشْد بضم الراء وسكون الشين المعجمة وبفتحهما؛ أي خصلة خيرٍ وصلاحٍ وإنصاف، ويقال خذ خطَّة الإنصاف؛ أي انتصف.

وبيَّن ابن إسحاق في روايته أنَّ سبب تقديم عروة لهذا الكلام عند قريش ما رآه من ردِّهم العنيف على من يجيء من عند المسلمين.

(اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي) أي خلُّوني واتركوني (آتِهِ) بالمد، وهو مجزومٌ على جواب الأمر، وأصله آتيه؛ أي أجيءُ إليه، ويروى بالياء على الاستئناف (قَالُوا ائْتِهِ) بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة مكسورة ثم هاء ساكنة أو مكسورة، أمر من أتى يأتي، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يقال ألف الوصل

ج 12 ص 484

وإنما يقال همزة الوصل؛ لأنَّ الألف لا تقبل الحركة، ولا يجوز تسكين الهاء إلَّا عند الوقف؛ لأنَّها هاء الضَّمير وليست بهاء السكت حتَّى تكون ساكنة، بل كسرها متعين في الأصل انتهى، ولا يذهب عليك أنَّ باب المسامحة مفتوح، فافهم.

(فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ) زاد ابن إسحاق وأخبرهم أنَّه لم يأت يريد حربًا (فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند قوله لأقاتلنَّهم (أَيْ مُحَمَّدُ) أي يا محمد (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ) من الاستئصال، وهو الاستهلاك بالكلية.

(هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ) بجيم وفي آخره حاء مهملة، معناه استأصل (أَهْلَهُ قَبْلَكَ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى) حذف الجزاء تأدبًا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يصرِّح إلَّا بشقِّ غالبيَّته، والمعنى وإن تكن الدَّولة والغلبة لقريش فلا يخفى ما يفعلون بكم، أو لا آمنهم عليك.

وقوله (فَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا) أي أعيان الناس كالتَّعليل للمحذوف من الجزاء أُقيم مقامه (وَإِنِّي لأَرَى أَشْوَابًا) بتقديم الشين المعجمة على الواو، وعليه اقتصر صاحب «المشارق» .

قال الخطابيُّ يريد الأخلاط من النَّاس من قبائل شتَّى، قال والشَّوب الخلط، ويروى بتقديم الواو على الشين، وهو مثله يقال هم أوشاب، إذا كانوا من قبائل شتَّى، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ وهم الأخلاط من السَّفلة.

وقال الداوديُّ الأوشاب أراذل الناس، وعن القزاز مثل الأوباش، فالأوباش أخصُّ من الأشواب، فافهم.

(خَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقاف؛ أي حقيقًا؛ وزنًا ومعنى، يقال خليق للواحد والجمع، فلذلك وقع صفة للأشواب، ويروى بالجمع.

(أَنْ يَفِرُّوا) أي بأن يفروا (وَيَدَعُوكَ) بفتح الدال؛ أي يتركوك، وهو من الأفعال التي أمات العرب ماضيها، والحاصل أنَّ عروة ردَّد الأمر

ج 12 ص 485

بين شيئين غير مستحسنين عادةً، وهو هلاكُ قومه إن غلَبْ، وذهابُ أصحابه إن غُلِبَ، لكن كلٌّ من الأمرين مستحسنٌ شرعًا؛ كما قال تعالى {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة 52] ، وإنما قال ذلك؛ لأنَّ العادة جرت أنَّ الجيوش المجتمعة من أخلاط النَّاس لا يؤمن عليهم الفرار، بخلاف من كان قبيلةً واحدةً، فإنَّهم يأنفون الفرار في العادة. وما درى عروة أنَّ مودَّة الإسلام أعظمُ من مودَّة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيم النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي.

(فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وفي رواية ابن إسحاق (( وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ فقال له ) )؛ أي لعروة (امْصَصْ) بهمزة وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين عن رواية القابسي ضم الصاد الأولى وخطَّأها. وقال ابن قَرْقول الصَّواب فتح الصاد من مصَّ يمصُّ من باب عَلِم يَعْلَم، وهو أصل مطَّرد في المضاعف مفتوح الثاني.

(بَظْرَ اللاَّتِ) وزاد ابن عائذ من وجهٍ آخر عن الزهريِّ (( وهي طاغيته ) )؛ أي اللات طاغية عروة التي تعبَد، والبَظْر بفتح الموحدة وسكون المعجمة، قطعةٌ تبقى بعد الختان في فرجِ المرأة.

وقال الكرمانيُّ هي هنة عند شفري الفرج، لم تخفض. وقال ابنُ الأثير هي الهنةُ التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. وقال العينيُّ قول الكرماني عند شفري الفرج، ليس بذاك بل البظر بين شفريها. وفي «المغرب» بظرُ المرأة هنةٌ بين شفري رحمها.

وقال أبو عبيد البُظارة ما بين الإِسْكَتَيْنِ؛ وهما جانبا الحياء. وقال أبو زيد هو البظرُ، وقال ابن مالك هو البيظرُ، وقال ابنُ دريد البيظرة ما تقطعه الخاتنةُ من الجارية، ذكره في «المخصص» .

وفي «المحكم» البظر ما بين الإسكتين، والجمع بُظور، وهي البيظر والبظارة وامرأة بظراء طويلة البظر، والاسم البظر، ولا فعل له، ورجلٌ

ج 12 ص 486

أبظرُ لم يختتن.

واللَّات اسم أحدِ الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشَّتم بذلك لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكرٍ رضي الله عنه المبالغة في سبِّ عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمِّه، وحمله على ذلك ما أغضبَه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.

وقال ابن التِّين هي كلمةٌ تقولها العرب عند الذَّمِّ والمشاتمة، لكن تقول بظرَ أمِّه، واستعارَ أبو بكر رضي الله عنه ذلك في اللَّات لتعظيمهم إيَّاها.

وفيه جواز النُّطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحقُّ به ذلك، وأنَّ التَّصريح بالعورة عند الحاجة ليس خروجًا عن حدِّ المروءة.

وقال ابنُ المُنِّير قولُ أبي بكر رضي الله عنه هذا تخسيسٌ للعدوِّ وتكذيبهم، وتعريضٌ بإلزامهم من قولهم أنَّ اللَّات بنت الله، تعالى الله عن ذلك بأنَّها لو كانت بنتًا كان لها ما يكون للإناث.

(أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ) استفهامُ إنكار (وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ) عروة (مَنْ ذَا؟ قَالُوا أَبُو بَكْرٍ) وفي رواية ابن إسحاق (( فقال من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أبي قحافة ) ) (فَقَالَ) أي عروة (أَمَا) حرف استفتاح (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) هذا يدل على أنَّ القسم بذلك كان عادة العرب (لَوْلاَ يَدٌ) أي نعمةٌ (كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا) أي لم أكافئك بها، وهي صفة يد، وقوله (لأَجَبْتُكَ) جواب لولا، وزاد ابن إسحاق (( ولكن هذه بها ) )أي جازاه بعدم إجابته عن شتمه بيده التي كان أحسن إليه بها. وبيَّن عبد العزيز الإمامي عن الزهريِّ في هذا الحديث أنَّ اليد المذكورة أنَّ عروة كان تحمَّل بدية، فأعانه فيها أبو بكرٍ رضي الله عنه بعون حسن، وفي رواية الواقدي (( عشر قلائص ) ).

(وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ) وفي رواية السرخسيِّ والكشميهنيِّ (أَخَذَ بِلِحْيَ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت