(فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ) أي تناشد الرسول صلى الله عليه وسلم بالله والرحم؛ أي يسألونه بالله وبحقِّ القرابة.
(لَمَّا أَرْسَلَ) بتشديد الميم، بمعنى إلَّا أرسل؛ كما في قوله تعالى {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 4] أي إلَّا عليها حافظ، والمعنى هنا لم تسأل قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا إرساله إلى أبي بصير وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريش.
(فَمَنْ أَتَاهُ) أي من أتى من الكفَّار مسلمًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَهْوَ آمِنٌ) من الردِّ إلى قريش، والفاء في (( فمن أتى ) )جواب شرط مقدَّر تقديره إذا أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامتناع فمن أتاه ... إلى آخره.
وفي رواية أبي الأسود عن عروة (( فأرسلوا أبا سفيان بن حربٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرَّعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، قالوا ومن خرج منَّا إليك فهو لك ) ).
(فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ) وفي رواية أبي الأسود (( فبعث إليهم فقدموا عليه ) )، وفي رواية
ج 12 ص 512
موسى بن عقبة عن الزهريِّ (( فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير أن يقدم عليه، فقدم كتابه وأبو بصير في النزع، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه رضي الله عنه، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدًا. قال وقدم أبو جندل ومن معه إلى المدينة فلم يزل بها حتَّى خرج إلى الشَّام من هذا فاستشهد في خلافة عمر رضي الله عنه ) ).
وفي رواية أبي الأسود، عن عروة (( فأرسلوا أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرَّعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، وقالوا من خرج منا إليك فهو لك حلالٌ غير حرجٍ، قال فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أنَّ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ ممَّا كرهوا ) ).
وفي قصَّة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعدُّ ما وقع من أبي بصير غدرًا؛ لأنَّه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش؛ لأنَّه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة، لكنَّه لما خشي أنَّ المشرك يعيده إلى المشركين درأ عن نفسه بقتله، ودافعَ عن دينه بذلك، فلم ينكر النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وفيه أنَّ من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قودٌ ولا دية، وقد وقع عند ابن إسحاق أنَّ سهيل بن عَمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته؛ لأنَّه كان من رهطه، فقال له أبو سفيان ليس على محمَّد مطالبةٌ بذلك؛ لأنَّه وفى بما عليه وأسلمه لرسولكم ولم يقتله بأمره، ولا على أبي بصير؛ لأنَّه ليس على دينهم.
وفيه أنَّه كان لا يردُّ على المشركين من جاء منهم إلَّا بطلب منهم؛ لأنَّهم لمَّا طلبوا أبا بصير أوَّل مرَّةٍ أسلمه إليهم، ولمَّا حضر إليه ثانيًا لم يرسله إليهم، بل لو أرسلوا في طلبه وهو عنده لأرسله، فلمَّا خشي أبو بصير من ذلك نجا بنفسه.
وفيه أنَّ شرط الردِّ أن يكون الذي حضر من دار الشِّرك باقيًا في بلد الإمام، ولا يتناول من لم يكن تحت يدِ الإمام ولا متحيِّزًا إليه، واستنبط بعض المتأخِّرين أنَّ
ج 12 ص 513
بعض ملوك المسلمين مثلًا لو هادن بعض ملوك الشرك، فغزاهم ملكٌ آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك؛ لأنَّ عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك ما إذا لم يكن هناك قرينة تعميم، والله أعلم.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} حَتَّى بَلَغَ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} ) وظاهره أنَّها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظرٌ، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلمٌ من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس بن مالك أيضًا، وأخرجه أحمد والنسائيُّ من حديث عبد الله بن معقل بإسنادٍ صحيحٍ أنَّها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرَّةً فظفروا بهم فعفا عنهم النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، كما سيأتي في ضمن تفسير الآية، وقيل في نزولها غير ذلك.
والآية المذكورة في سورة الفتح قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} أي أيدي كفار مكَّة {عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} أي قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة عن القتال بالصُّلح من الجانبين {بِبَطْنِ مَكَّةَ} أي بالحديبية؛ لأنَّ بعضها من الحرم {مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح 24] بأن تدخلوا بلادهم بغير إذنهم، فإنَّ الحديبية بمنزلة بلادهم، وقيل معناه قضى بينهم وبينكم المكافَّة عن القتال في داخل مكة من بعد ما خوَّلكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة على أنَّ مكَّة فتحت عنوةً لا صلحًا.
قال البيضاويُّ وهو ضعيفٌ إذ السُّورة نزلت قبله، وفيه أنَّه إن أراد بتمامها فليس بثابتٍ، وإلَّا فلا يفيده مع أنَّه يجوز أن يكون من الإخبار عن الغيب؛ كقوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} [الفتح 1] .
نعم يرد عليه منع دَلالته على العنوة، فقد يكون الظَّفر بالصُّلح وبالدُّخول في بلادهم بغير إذنهم، ولذا قال الزمخشريُّ في أوَّل سورة الفتح إنَّ الفتح الظَّفر بالبلد عنوةً، أو صلحًا؛ بحرب، أو بغير حربٍ.
وأما ما قاله البيضاويُّ أخذًا من الزمخشريِّ إنَّ ذلك كان في غزوة الحديبية،
ج 12 ص 514
وذلك أنَّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، فبعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جندٍ فهزمهم حتَّى أدخلهم حيطان مكة ثمَّ عاد، ففيه أنَّ خالد بن الوليد كان يوم الحديبية طليعةً للمشركين أرسلوه في مائتي فارسٍ فدنا في خيله حتَّى نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما مرَّ، وقد صحَّ أنَّ إسلام خالد بن الوليد كان بعد الحديبية في السَّنة الثامنة.
نعم عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ ثمانين رجلًا من أهل مكَّة هبطوا على النَّبي صلى الله عليه وسلم من جبل التَّنعيم متسلِّحين يريدون غرَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم واستحباهم، فأنزل الله هذه الآية.
وعن عبد الله بن معقل المزني كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السِّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هل كنتم في عهد أحدٍ، أو جعل لكم أحد أمانًا ) )فقالوا اللَّهم لا، فخلَّى سبيلهم، فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتَّى أدخلوهم البيوت، وقال بعض المفسِّرين في معنى الآية {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} بإلقاء الرُّعب في قلوبهم وكف {أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} بأنْ أمركم أن لا تحاربوا، وقيل أظفركُم عليهم بقضاء العمرة، وأمَّا على ما ذهب إليه البخاري من أنَّها نزلت في شأن أبي بصير، فمعنى الآية والله أعلم {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} بترك المحاربة من بعد أن أظفركُم عليهم؛ أي من بعد أن أظفر من اجتمع من المسلمين مع أبي بصير على أهل مكَّة بأن اعترضوا على غيرهم، إلَّا أنَّه يأبى عنه قوله تعالى {بِبَطْنِ مَكَّةَ} كما لا يخفى، فليتأمَّل.
{وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ} من مقاتلتكم أوَّلًا طاعةً لرسوله وكفُّكم ثانيًا تعظيمًا لبيته {بَصِيْرًا} فيجازيكم عليه {هُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا} يعني قريشًا {وَصَدَّوُكُمْ} عام الحديبية {عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ} أن تطوَّفوا به معتمرين {وَالهَدْي} أي وصدُّوا الهدي، والهدي
ج 12 ص 515
ما يُهْدى إلى مكة، وقرئ (( الهديَّ ) )وهو فعيل بمعنى مفعول، وقرئ بالجر أيضًا عطفًا على المسجد الحرام بمعنى وصدُّوكم عن نحر الهدي.
{مَعْكُوْفًا} أي محبوسًا وممنوعًا عن {أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه} أي مكانه الذي يحلُّ فيه نحره، والمراد منه مكانه المعهود وهو منى، لا مكانه الذي لا يجوز أن ينحر في غيره، وإلَّا لما نحره رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر.
فإن قيل كيف حلَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه نحر هديهم بالحديبية ومحلُّ هدي المحصر عند أصحابنا الحنفيَّة هو الحرم، فالجواب أنَّ بعض الحديبية من الحرم كما تقدَّم، وقد روي أنَّ مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحلِّ ومصلَّاه في الحرم، فالمرادُ من المحلِّ كما تقدَّم محله المعهود الذي هو منى.
{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوْهُمْ} أي لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين، فقوله {لم تعلموهم} صفةٌ للرجال والنساء جميعًا على طريق التَّغليب {أَنْ تَطَؤوهُمْ} أي أن توقعوا بهم وتبيدوهم؛ أي تهلكوهم وأصل الوطء الدَّوس، وهو بدلُ اشتمال من الرِّجال والنساء، وقيل من الضَّمير المنصوب في تعلموهم، والمعنى على الأول، ولولا أن تطؤوهم وعلى الثَّاني {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوْا} وطأتهم وإهلاكهم {فَتُصِيْبُكُمْ مِنْهُمْ} أي من جهتهم {معرَّةٌ} مكروهٌ وعيبٌ، مفعلة من عرَّه بمعنى عراه؛ إذا دهاه ما يُكرهه ويشقُّ عليه، عن ابن إسحاق كوجوب الدية، وقيل الكفَّارة بقتلهم، ومذهبنا في ذلك أنَّه لا يلزم بقتل مثله شيءٌ من الدية والكفَّارة. وعن ابن زيد إثمٌ بالتَّقصير في البحث عنهم، وقيل التأسُّف عليهم، وقيل تعيير الكفر بذلك، والله أعلم.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلِّقٌ بأن تطؤوهم، والمعنى _ والله أعلم _ أنَّه كان بمكَّة قومٌ من المسلمين مختلطين بالمشركين غير متميِّزين منهم ولا معروفي الأماكن، فقيل ولولا كراهة أن تهلكوا ناسًا مؤمنين بين ظهراني المشركين غير عالمين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروهٌ ومشقَّةٌ لما كفَّ أيديكم عنهم، فجواب لولا محذوف لدَلالة الكلام عليه.
ويجوز أن يكون
ج 12 ص 516
{لَوْ تَزَيَّلُوا} كالتَّكرير لـ {لَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} لمرجعهما إلى معنى واحدٍ ويكون (لعذَّبنا) هو الجواب.
ثمَّ في حذف جواب (لولا) دليلٌ عل شدَّةِ غضب الله تعالى وأنَّه لولا حرمة المؤمنين لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف والقياس، ثمَّ إنَّه قد اعترض الإمام الرازي على تعلُّق قوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بقوله {أَنْ تطؤوهم} بأنَّه يلزم التكرار.
وأجاب عنه صاحب «الكشف» بأنَّه لا تكرار سواء جعل {أَنْ تَطَؤوهُمْ} بدل اشتمال من رجالٍ ونساء، أو من المنصوب في {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ} ، أمَّا على الثاني فلأنَّ حاصل المعنى ولولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم وإهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم، فمتعلِّق العلم في الأول الوطأة، وفي الثاني أنفسهم باعتبار الإيمان.
وتعقَّبه المولى السعديُّ بأنَّ التعلُّق الثاني علم من لا تعلموهم؛ لأنَّ المبدل منه منسوبٌ إليه أيضًا وليس في حكم المنحَّى مطلقًا كما قرَّر في موضعه ولو سلم فضمير {تَطَؤوهُمْ} بالحقيقة لرجال مؤمنين ونساء مؤمنات، والمعنى لم تعلموا وطء المؤمنين، فيتضمَّن التعلُّق الثاني، ويفيده؛ لظهور أنَّ عدم العلم بوطئهم لعدم العلم بإيمانهم، مع أنَّه يتبادر من الكلام حينئذٍ معنى غير صحيحٍ، وهو وطئهم عالمين بهم؛ لأنَّ الأصل في الكلام المقيَّد إذا دخله النفي توجَّه النفي إلى القيد.
ثم قال صاحب «الكشف» وأمَّا على الأوَّل فلأن قوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} لما كان حالًا عن فاعل {تَطَؤوهُمْ} كان العلم به راجعًا إلى العلم باعتبار الإهلاك، فلا الإهلاك عن شعور، ولا العلم بإيمانهم حاصلٌ، والمعرفتان مقصودتان.
وتعقَّبه المولى السعديُّ أيضًا بأنَّ ضمير المفعول في البدل عائدٌ إلى رجال ونساء موصوفين بانتفاء العلم عنهم وعن إيمانهم، فعلم منه كون الوطء بلا شعور، وهذا ما قال الإمام يلزم التكرار ولا نسلِّم كونهما مقصودتينِ بحيثُ يقتضي التَّنصيص على كلٍّ منهما إلَّا أن يقال مقام بيان تصوُّن الصحابة رضي الله عنهم يقتضي ذلك، وفيه نظرٌ. ثمَّ جعل {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ} كنايةٌ عن الاختلاط خلاف الظَّاهر فالأقرب الأصوب تعليقه بـ {تُصِيبَكُمْ} أو بـ {مَعَرَّةٌ} والله تعالى أعلم.
ج 12 ص 517
{لِيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ} تعليلٌ لما دلَّت عليه الآية وسيقت له؛ من كفِّ الأيدي عن أهل مكَّة، والمنع من قتالهم؛ صونًا لما بين أظهرهم من المؤمنين، كأنَّه قال كان الكفُّ ومنع التعذيب {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم، فقوله تعالى {مَنْ يَشَاءُ} أي من مؤمنيهم أو مشركيهم، والتَّحقيق أنَّ اللام هنا مستعارةٌ من معنى التعليل، فإنَّه لما ترتَّب على الكفِّ لصون المؤمنين توفيق الله تعالى المؤمنين لزيادة الخير، وبعض المشركين للإسلام شبَّه ذلك بالعلَّة الغائية واستعملت فيه اللام، فافهم.
{لَوْ تَزَيَّلُوا} أي لو تصرَّفوا وتميَّز بعضهم عن بعض من زاله يزيله، وقرئ (( لو تزايلوا ) ).
{لَعَذَّبْنَا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْهُم} أي من أهل مكَّة، فتكون من للتبعيض، وقيل هم الصَّادُّون فتكون من للبيان {عَذَابًا أَلِيْمًا} بالقتل والسَّبي {إِذْ جَعَلَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا} مقَّدر بأذكر أو ظرف {لَعَذَّبْنَا} أو صدُّوكم {فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} الأنفة {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} التي تمنع إذعان الحقِّ حين صدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، ولم يقرُّوا بسم الله الرحمن الرحيم، ولا برسالة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تحقيق لفظ الحميَّة إن شاء الله تعالى.
{فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِيْنَتَهُ عَلَى رَسُوْلِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ} أي وقاره على رسوله وعلى المؤمنين، فتوقَّروا وحلموا وصبروا {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} كلمة الشَّهادة، وقيل بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله، اختارهما الله لنبيِّه وللذين معه من أهل الخير ومستحقِّيه، ومن هو أولى بالهداية من غيرهم.
وعن الحسن كلمة التَّقوى هي الثَّبات والوفاء بالعهد، وقيل الإخلاص وإضافة الكلمة إلى التَّقوى للملابسة؛ لأنَّها سببها وأساسها، وقيل المعنى كلمة أهل التَّقوى على إضمار المضاف.
{وَكَانُوْا أَحَقَّ بِهَا} من غيرهم {وَأَهْلِهَا} والمستاهل لها. وفي «مصحف الحارث بن سويد» صاحب عبد الله (( وكانوا أهلها ) )
ج 12 ص 518
{وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمًا} [الفتح 24 - 26] فيعلم أهل كلِّ شيءٍ وييسره له.
(وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ) ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه المصاحبة مع أهل الحرب وكتابة الشُّروط، وذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكَّة في هذه السَّفرة وهم أهل الحرب حينئذٍ، وكتب بينه وبينهم شروطًا.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه، وهذا في رواية المستملي وحده، وقد فسَّر هنا ثلاثة ألفاظ وقعت في الآيات المذكورة، على ما هو عادته
أحدها قوله ( {مَعَرَّة} العَرُّ الجَرَبُ) أشار بهذا إلى أنَّ لفظ المعرَّة التي في الآية الكريمة مشتقَّة من العَرِّ _ بفتح العين المهملة وتشديد الراء _ ثم فسَّر العَرَّ بالجرب؛ بالجيم.
وقال ابن الأثير المعرَّة الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلة من العرِّ، وقال الجوهريُّ العَر _ بالفتح _ الجربُ، نقول منه عَرَّت الإبل تَعِرُّ فهي عارَّةٌ. والعُرُّ _ بالضم _ قروحٌ مثل القُوَباء تخرج بالإبل متفرِّقة في مشافرها وقوائمها، يسيلُ منه مثل الماء الأصفر، فتكوى الصِّحاح لئلا تُعديها المراض، تقول منه عُرَّت الإبل فهي معرورة.
الثاني هو قوله ( {تَزَيَّلُوا} انْمَازُوا) وهو من الميز، يقال مِزْت الشَّيء من الشَّيء، إذا فرَّقت بينهما فانماز وامتاز، وميَّزته فتميَّز، وقد قرئ بهما في قوله تعالى {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران 179] .
الثالث هو قوله الحميَّة، وقد ذكر فيه ستَّة معاني
الأوَّل هو قوله (حَمَيْتُ أَنْفِي حَمِيَّةً) وهذا يستعملٌ في شيء تأنفُ منه، وداخلك عار، ومصدره حميَّة ومحميَّة، والأوَّل بتشديد المثناة التحتيَّة، يقال حمى من ذلك أنفًا؛ أي أخذته الحميَّة، وهي الأنفة والغيرة.
الثَّاني هو قوله (وحَمَيْتُ المَرِيضَ حِمْيَةً) بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء؛ أي منعته الطعام.
الثالث هو قوله (وحَمَيْتُ القَوْم مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةً) على وزن فِعالة، بالكسر، والمراد منعتهم من حصول الشرِّ والأذى إليهم.
الرابع هو قوله (وَأَحْمَيْتُ الحِمَى) بكسر الحاء وفتح الميم، مقصورًا (جَعَلَتْهُ حِمَى) على وزن فِعَل بكسر الفاء وفتح العين؛ أي ممنوعًا ومحظورًا (لَا يُدْخَلُ) فيه ولا يقرب منه.
الخامس هو قوله
ج 12 ص 519
(وَأَحْمَيْتُ الحَدِيْدَ) في النَّار، فهو محميٌّ، ولا يقال حَمَّيته.
السادس هو قوله (وأحْمَيْتُ الرَّجُلَ إذَا أغْضَبْتَهُ إِحْمَاء) بكسر الهمزة، وحميت عليه غضبت.
وله معنى سابع حمِي النَّهار _ بالكسر _ وحمِي التَّنُّور حَمْيًا فيهما؛ أي اشتدَّ حرُّه، وحكى الكسائيُّ اشتدَّ حَمْىُ الشَّمس وحَمْوُها بمعنى.
ومعنى ثامن حاميت على ضيفي إذا احتفلت له.
ومعنى تاسع احتميت من الطَّعام احتماءً.
2733 - (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهاب (قَالَ عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير بن العوَّام، وقد تقدَّم موصولًا بتمامه في أوَّل «الشُّروط» [خ¦2711] ، وإنَّما أورده هنا لبيان ما وقع في رواية معمر بن راشد من الإدراج.
(فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ) أي يختبرهنَّ بالحلف والنَّظر في الإمارات (وَبَلَغَنَا) هو مقولُ الزُّهري، وقد وصله ابنُ مردويه في «تفسيره» من طريق عقيل.
(أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ) ويروى وتأويله أنَّ الإضافة بيانية؛ أي أزواج هي هنَّ، وهو تعسف (وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ لاَ يُمَسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قُرِيبَةَ) بضم القاف وفتحها، ضدُّ البعيدة (بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وتخفيف الميم وتشديد التحتية (وَابْنَةَ جَرْوَلٍ) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الواو وباللام (الْخُزَاعِيِّ) واسمها كلثوم، وهي أمُّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(فَتَزَوَّجَ قُرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، عامر بن حذيفة الأمويِّ، وقد تقدَّم أنَّ ابنة جرول تزوَّجها صفوان بن أميَّة، وهنا يقول تزوَّجها أبو جهم، ووجهه أنَّ هذا رواية عقيل عن الزُّهري، وذاك رواية معمر عنه.
(فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
ج 12 ص 520
{وَإِنْ فَاتَكُمْ} ) أي سبقكم ( {شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} ) أحد من أزواجكم، وقد قرئ به، وإيقاع شيء موقعه للتَّحقير والمبالغة في التَّعميم، أو شيء من مهورهنَّ.
( {فَعَاقَبْتُمْ} ) أي فجاءت عقبتكم؛ أي نوبتكم من أداء المهر، شبَّه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارةً، وأداء أولئك مهورَ نساء هؤلاء أُخرى بأمر يتعاقبون فيه، كما يتعاقب في الرُّكوب وغيره {فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} من مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وقيل معناه إن فاتكم شيء من أزواجكم فأصبتم من الكفَّار عقبى هي الغنيمة، فآتوا بدل الفائت من الغنيمة {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الممتحنة 11] فإنَّ الإيمان به ممَّا يقتضي التقوى منه.
وقال البخاري (وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى) على البناء للمفعول (مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ) كلمة من تتعلَّق بقوله يعطى؛ أي يعطى من صداق نساء الكفَّار (اللاَّئِي هَاجَرْنَ) وقوله من ذهب مفعول ما لم يسمَّ فاعله، وما أنفق مفعوله الثَّاني.
(وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة (الثَّقَفِي) قال الكرماني فإن قلت تقدَّم آنفًا أنَّه قرشي، قلت ذلك من رواية أخرى، انتهى فافهم.
(قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا) حال، وفي رواية السَّرخسي والمستملي . قال الحافظ العسقلاني والعيني وهو تصحيف.
(مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ) أي في مدَّة الصُّلح، وقوله مهاجرًا حال مترادفة أو متداخلة (فَكَتَبَ الأَخْنَسُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح النون والمهملة (ابْنُ شَرِيقٍ) بفتح المعجمة وكسر الراء وبالقاف، الثَّقفي (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ) جملة يسأله وقعت حالًا.
(فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) ثمَّ إنَّ قوله وبلغنا أنَّ أبا بصير ... إلى آخره هو من قول الزُّهري أيضًا، والمراد به أنَّ قصَّة أبي بصير في رواية عقيل من مرسل الزُّهري، وفي رواية معمر موصولة إلى المسور، لكن قد تابع معمرًا على وصلها
ج 12 ص 521
ابنُ إسحاق، كما تقدَّم، وتابع عقيلًا الأوزاعيُّ على إرسالها، فلعلَّ الزُّهري كان يرسلها تارةً ويُوصلها أُخرى.
ووقع في هذه الرِّواية الأخيرة من الزِّيادة وما نعلم أنَّ أحدًا من المهاجرات ارتدَّت بعد إيمانها. وفيها قوله أنَّ أبا بصير بن أسيد قدمَ مؤمنًا، ثمَّ إنَّه لم يقعْ في هذا الصَّحيح أطول من هذا الحديث سوى حديث الإفك فإنَّه يُقاربه.
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز المصالحة مع أهل الحرب على مدَّة معيَّنة، واختلفوا في المدَّة فقيل لا يجاوز عشر سنين على ما في الحديث، وبه قال الشَّافعي وغيره. وقيل تجوز الزِّيادة. وقيل لا يجاوز أربع سنين، وقيل ثلاث سنين، وقيل سنتين.
وقال أصحابنا الحنفيَّة يجوز الصُّلح مع الكفَّار بمال يؤخذ منهم، أو يدفع إليهم إذا كان الصُّلح خيرًا في حقِّ المسلمين، والذي يؤخذ منهم بالصُّلح يصرف مصارف الجزية.
وفيه كتابة الشُّروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها؛ ليكون ذلك شاهدًا على من رام نقض ذلك والرُّجوع منه.
وفيه جواز التنكُّب عن الطَّريق بالجيوش، وإن كان في ذلك مشقَّة.
وفيه بركة التيامن في الأمور كلِّها.
وفيه أنَّ ما عرض للسُّلطان وقوَّاد الجيوش وجميع النَّاس ممَّا هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأمَّلوه وينظروا السنَّة في قضاء الله تعالى في الأمم الخالية، ويمتثلوا ويعلموا أنَّ ذلك مَثَلٌ ضرب لهم، ونُبِّهوا عليه؛ كما امتثل الشَّارع في أمر ناقته وبروكها بقصَّة الفيل؛ لأنَّها كانت إذا وجِّهت إلى مكَّة بركت، وإذا صُرفت عنها مشت، وهذا خارج عن العادة، فعلم أنَّ الله تعالى صرفها عن مكَّة كالفيل.
وفيه علامات النبوَّة وبركته صلى الله عليه وسلم.
وفيه بركة السِّلاح المحمولة في سبيل الله.
وفيه التَّفاؤل من الاسم.
وفيه أنَّ أصحاب السُّلطان يجب عليهم مراعاة أمره وعونه.
وفيه أنَّ من صالح أو عاقد على شيء بالكلام، ثمَّ لم يوف له به أنَّه بالخيار في النَّقض.
وفيه جواز المعارضة في العلم حتَّى يتبيَّن المعاني.
وفيه أنَّ الكلام محمول على العموم حتَّى يقوم عليه دليل الخصوص،
ج 12 ص 522
ألا ترى أنَّ عمر رضي الله عنه حمل كلامه على الخصوص؛ لأنَّه طالبه بدخول البيت في ذلك العام، فأخبره أنَّه لم يَعِده بذلك في ذلك العامِّ، بل وعده وعدًا مطلقًا في الدَّهر حتَّى وقع ذلك، فدلَّ أنَّ الكلام محمول على العموم حتَّى يأتي دليل الخصوص.
وفيه أنَّ من حلف على فعل ولم يوقِّت وقتًا فهو يوقَّت بأيَّام حياته، وقال ابن المنذر فإن حلف بالطَّلاق على فعل، ولم يوقِّت وقتًا أنَّ وقته أيَّام حياته.
وفي المسألة اختلاف فإن حلف بالطَّلاق ليفعلنَّ كذا إلى وقت غير معلوم
فقالت طائفة لا يطأها حتَّى يفعل الذي حلف عليه، فأيُّهما مات لم يرثه صاحبه، هذا قول سعيد بن المسيَّب والحسن والشَّعبي والنَّخعي وأبي عبيد. وقالت طائفة إن مات ترثه وله وطؤُها، روي هذا عن عطاء. وقال يحيى بن سعيد ترثه إن مات. وقال مالك إن ماتت امرأته يرثها.
وقال الثَّوري إنَّما يقع الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور. وقال أبو ثور أيضًا إذا حلف ولم يوقِّت فهو على يمينه حتَّى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن عليه شيءٌ. وقالت طائفة يضرب لهما أجل المولي أربعة أشهر روي هذا عن القاسم وسالم، وهو قولُ ربيعة والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة إن قال أنت طالق إن لم آت البصرة، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة فله الميراث، ولا يضرُّه أن لا يأتي البصرة بعد؛ لأنَّ امرأته ماتت قبل أن يحنثَ، ولو مات قبلها حنث، وكان لها الميراث لأنه فارٌّ، ولو قال لها أنت طالق إن لم تأتي البصرة فماتت فليس له ميراث، وإن مات قبلها حنث، وكان لها الميراث؛ لأنَّه فار.
وفيه قول سادس حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النَّظر قال إن أخذ الحالف في التأهُّب لما حلف عليه، والسَّعي فيه حين تكلَّم باليمين حتَّى يكون متَّصلًا بالبر، وإلَّا فهو حانث عند ترك ذلك.
وفيه جواز مشاورة النِّساء ذوات الفضل والرَّأي.
وفيه جواز قيام النَّاس على رأس الإمام بالسَّيف مخافة العدو، وأنَّ الإمام إذا جُفي عليه لزم ذلك القائم تغييره بما أمكنه.
ج 12 ص 523
وفيه فضل أبي بكر الصِّدِّيق على عمر رضي الله عنهما؛ لكونه أجاب له بما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء.
وفيه جواز الحكم على الشَّيء بما عرف من عادته.
وفيه تأكيد القول باليمين ليكون أدعى إلى القبول. وقال ابن القيم وقد حفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا.
وفيه أنَّ الحربي إذا أتلف مال الحربي لم يكن عليه ضمانه، وهو وجه للشَّافعية.
وفيه طهارة النُّخامة والشَّعر المنفصل، والشَّافعية يحكمون بنجاسة الشَّعر المنفصل، ومنهم من بالغ حتَّى كاد أن يخرج من الإسلام؛ فقال وفي شعر النَّبي صلى الله عليه وسلم وجهان، نعوذ بالله من هذا الضَّلال.
وفيه التبرُّك بآثار الصَّالحين من الأشياء الطَّاهرة.
وفيه أنَّ للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في زمن الهدنة أن يقتل من جاء في طلب ردِّه إذا شرط لهم ذلك؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بصير قتله العامري، ولا أمر فيه بقود ولا دية.
ثمَّ إنَّ في الحديث أنَّ ذا الحليفة ميقات أهل المدينة للحاجِّ أو المعتمر، وأنَّ تقليد الهدي وسوقه سنَّة للحاج والمعتمر فرضًا كان أو سنَّة، وأنَّ الإشعار سنَّة لا مثلة، وأنَّ الحلق أفضل من التَّقصير، وأنَّه نسك في حقِّ المعتمر محصورًا كان أو غير محصور، وأنَّ المحصر ينحر هديه حيث أحصر، ولو لم يصل إلى الحرم، قاله العسقلاني.
وفيه أنَّ بعض الحديبية كان من الحرم، وأنَّ نحره صلى الله عليه وسلم كان فيه كما سبق، وأنَّ المحصر يقاتل من صدَّه عن البيت، وأنَّ الأولى في حقِّه ترك المقاتلة إذا وجد إلى المسالمة طريقًا، وفيه أيضًا جواز سبي ذراري المشركين إذا انفردوا عن المقاتِلة، ولو كان قبل القتال.
وفيه أيضًا الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش لطلب غرَّتهم، وجواز التنكُّب عن الطَّريق السَّهل إلى الطَّريق الوعر لدفع المفسدة، وتحصيل المصلحة، كما تقدَّم.
وفيه أيضًا استحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيش،
ج 12 ص 524
والأخذ بالجزم في أمر العدو؛ لئلا ينالوا غرَّة المسلمين، وجواز الخداع في الحرب، والتَّعريض بذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان من خصائصه أنَّه منهي عن خائنة الأعين.
وفي الحديث أيضًا فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرَّأي واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدِّين، واحتمال الضَّيم فيه ما لم يكن قادحًا في أصله إذا تعيَّن ذلك طريقًا للسَّلامة والصَّلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوَّتهم، وأنَّ التَّابع لا يليق به الإعراض عن المتبوع بمجرَّد ما يظهر في الحال، بل عليه التَّسليم؛ لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالبًا بكثرة التَّجربة، لا سيَّما مع من هو مؤيَّد بالوحي.
وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه، قاله الخطَّابي مستدلًا بأنَّ الخزاعي الذي بعثه النَّبي صلى الله عليه وسلم عينًا له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذٍ كافرًا، قال وإنَّما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدُّخول فيهم، والاختلاط بهم، والاطِّلاع على أسرارهم. قال ويُستفاد من ذلك جواز قبول الطَّبيب الكافر. وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم ولم يشتهر إسلامه حينئذٍ. وليس فيما قاله دليل على ما ادَّعاه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل وكانوا زهاء ألف وأربعمائة، وقيل ألف وخمسمائة، وقيل ثلاثمائة، وجمع بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال خمسمائة جبر الكسر، ومن قال أربعمائة ألغاه، وثلثمائة لم يطلع راويها على الزيادة، وزيادة الثقة مقبولة. منه.
[2] في هامش الأصل (( قوله إليك أي تنحَّ ) ). منه.
[3] في الأصل بياض، وما بين معكوفين من «الفتح» .