فهرس الكتاب

الصفحة 4280 من 11127

2738 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) كذا في أكثر الرِّوايات،

ج 13 ص 5

وسقط لفظ مسلمٍ من رواية أحمدَ، عن إسحاق بنِ عيسى، عن مالكٍ، والوصف بالمسلم خرجَ مخرج الغالبِ فلا مفهومَ له، أو ذكر للتَّهييج لتقع المبادرة لامتثاله لِما يشعر به من نفي الإسلامِ عن تارك ذلك، ووصيَّة الكافر جائزةٌ في الجملةِ. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحثَ فيه السُّبكيُّ من جهة أنَّ الوصيَّة شرعت في زيادة العمل الصَّالح، والكافر لا عمل له بعدَ الموت؟ وأجاب بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصيَّة كالإعتاق، وهو يصحُّ من الذمِّي والحربيِّ، والله أعلم، وكلمة ما نافيةٌ بمعنى ليس.

(لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ) جملةٌ وقعت صفة لامرئٍ، كما أنَّ قوله يوصِي فيه، جملةٌ وقعت صفة لشيءٍ. قال ابن عبد البرِّ لم يختلف الرُّواة عن مالكٍ في هذا اللَّفظ، ورواه أيُّوب، عن نافعٍ بلفظ (( له شيء يريد أن يوصِي فيه ) )، ورواه عُبيد الله بن عمر، عن نافعٍ مثل أيُّوب، أخرجهُما مسلم، ورواه أحمد، عن سفيان، عن أيُّوب بلفظ (( حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن لا يبيت ليلتين وله ما يُوصي فيه ) )، الحديث. ورواه الشَّافعيُّ، عن سفيان بلفظ (( ما حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصيَّة ) )، الحديث. قال ابن عبد البرِّ فسَّره ابن عيينة؛ أي يؤمن بأنها حقٌّ. انتهى.

وأخرجه أبو عَوانة من طريق هشامِ بن الغَازِ، عن نافعٍ بلفظ (( لا ينبغي لمسلمٍ أن يَبيت ليلتين ) ). الحديث، وذكره ابن عبد البرِّ من طريق ابن عونٍ، بلفظ (( لا يحلُّ لامرئٍ مسلمٍ له مالٌ ) )، وأخرجه الطَّحاويُّ أيضًا. وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق روح بن عبادة، عن مالكٍ وابن عونٍ جميعًا، عن نافعٍ، بلفظ (( ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له مالٌ يريد أن يوصِي فيه ) )، قال أبو عمر لم يُتابع ابن عونٍ على لفظ له مال.

وتعقَّبه العسقلانيُّ بأنه إن عنى عن نافعٍ، بلفظها، فمُسَلَّمٌ، ولكن المعنى متَّحد، وإن أراد عن ابن عمر رضي الله عنهما، فمردودٌ، كما سيأتي قريبًا ذِكْرُ من رواه عن ابن عمر رضي الله عنهما بهذا اللَّفظ.

قال ابن عبد البرِّ قوله (( مال ) )، أَولى عندي من قول مَن روى (( له شيءٌ ) )؛ لأنَّ الشَّيء يطلقُ على القليل والكثير؛ بخلاف المال، كذا قال، وهي دَعوى بلا دليلٍ، وعلى تسليمها فرواية (( شيء ) )أشمل، والله أعلم.

(يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ) كذا في رواية الأكثر، ولأبي عوانة

ج 13 ص 6

والبيهقي من طريق حمَّاد بن زيدٍ، عن أيُّوب (( يبيت ليلةً أو ليلتينِ ) )، ولمسلم والنَّسائي من طريق الزُّهري، عن سالمٍ، عن أبيه (( يبيت ثلاثَ ليالٍ ) )، وكأنَّ ذكر اللَّيلتين والثَّلاث لدفعِ الحرج لتزاحُم أشغال المرء الَّتي يحتاج إلى ذكرها ففسحَ له هذا القدر ليتذكَّر ما يحتاج إليه، واختلاف الرِّوايات فيه دالٌّ على أنَّه للتَّقريب لا للتَّحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمانٌ وإن كان قليلًا إلَّا ووصيَّته مكتوبةٌ.

وفيه إشارةٌ إلى اغتفار الزَّمن اليسير، وكأنَّ الثَّلاث نهاية التَّأخير، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما في رواية سالمٍ (( ولم أبت ليلةً منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلَّا ووصيَّتي عندي ) ).

وقال الطِّيبي في تخصيص اللَّيلتين والثَّلاث بالذِّكر تسامحٌ في إرادة المبالغة؛ أي لا ينبغي أن يبيت زمنًا، وقد سامحنا في اللَّيلتين والثَّلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز عنه.

(إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) مستثنى وهو خبر ما، والواو فيه للحال، قاله العينيُّ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّ في قوله (( يبيت ) )حذفًا تقديره أن يبيت، وهو كقوله تعالى {وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم 24] ويجوز أن يكون صفةً لمَسْلمٍ، وبه جزم الطّيبي قال هي صفة ثانيةٌ. وقوله يوصِي فيه، صفة شيءٍ ومعمول يبيت محذوف تقديره آمنًا أو ذاكرًا. وقال ابن التِّين تقديره موعوكًا، والأوَّل أولى؛ لأنَّ استحباب الوصيَّة لا يختصُّ بالمريض، نعم، قال العلماءُ لا يُنْدَب أن يكتبَ جميع الأشياء المحقَّرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قربٍ، والله أعلم.

واستدلَّ بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصيَّة، وبه قال الزهريُّ وأبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرفٍ في آخرين. وحكاه البيهقيُّ عن الشَّافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود، واختارهُ أبو عوانة الإسفرائيني، وابن جريرٍ وآخرون. قال الزهريُّ جعل الله الوصيَّة حقًّا مما قلَّ أو كثر، وقيل لأبي مجلزٍ على كلِّ مُثْرٍ وصيَّة؟ قال على كلِّ من ترك خيرًا.

وقال ابن حزمٍ وروِّينا من طريق عبد الرَّزَّاق، عن الحسنِ بن عبد الله،

ج 13 ص 7

قال كان طلحةُ بن عبيد الله والزُّبير يشدِّدان في الوصيَّة، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. وقالت طائفةٌ ليست الوصيَّة بواجبةٍ؛ كان المُوصِي مُوثرًا أو فقيرًا، وهو قول النَّخعي والشَّعبي والثَّوري ومالك والشَّافعي.

وقال ابن العربيِّ أمَّا السَّلف الأوَّل فلا نعلم أحدًا قال بوجوبها، وقال النخعيُّ والشعبيُّ الوصيَّة للوالدين والأقربين على النَّدب. وقال الضَّحَّاك وطاوس الوصيَّة للوالدين والأقربين واجبةٌ بنصِّ القرآن إذا كانوا لا يرثون. وقال طاوس من أوصى لأجانب وله أقرباء انتزعت الوصيَّة وردت للأقرباءِ. وقال الضَّحَّاك من مات وله شيء ولم يوصِ لأقربائه، فقد ماتَ عن معصيةٍ لله عزَّ وجلَّ. وقال الحسنُ وجابر بن زيد وعبد الملك بن يَعلى، فيما ذكره الطَّبريُّ إذا أوصى رجلٌ لقومٍ غرباء بثُلث ماله وله أقرباء؛ أُعْطِيَ الغرباءُ ثلثَ المالِ وَرُدَّ الباقي على الأقرباء.

وقال أصحابنا الحنفيَّة الوصيَّة مستحبَّةٌ؛ لأنَّها إثبات حقٍّ في ماله فلم تكن واجبة، كالهبةِ والعاريةِ، ونسب ابن عبد البرِّ القول بعدم الوجوبِ إلى الإجماع سوى من شذَّ، كذا قال.

واستدلَّ لعدم الوجوبِ من حيث المعنى بأنَّه لو لم يوصِ لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماعِ، فلو كانت الوصيَّة واجبة لأخرج من مالِه سهمٌ ينوبُ عن الوصيَّة.

وأجابوا عن الآية بأنها منسوخةٌ كما قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما على ما سيأتي بعد أربعة أبوابٍ كان المال للولدِ وكانت الوصيَّة للوالدينِ، فنسخ الله من ذلكَ ما أحبَّ، فجعل لكلِّ واحدٍ من الأبوين السُّدس، الحديث.

وأجاب من قال بالوجوب بأنَّ الذين نسخ الوصيَّة لهم هم الذين يرثون، وأمَّا من لا يرث فليس في الآية، ولا في تفسير ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ما يقتضي النَّسخ في حقِّه، فليتأمل.

وأجاب مَن قال بعدم الوجوب عن الحديث بأنَّ قوله (( ما حقُّ امرئٍ ... إلى آخره ) )المرادُ منه الحزم والاحتياطُ؛ لأنَّه قد يفجأهُ الموت والاستعداد له، وهذا مرويٌّ عن الشَّافعي، وقال غيره الحقُّ لغة الشَّيء الثَّابت، ويُطلق شرعًا على الحكم الثَّابت، والحكم الثَّابت أعمُّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا.

وقد يطلق على المباح أيضًا

ج 13 ص 8

لكن بقلَّةٍ، قاله القرطبيُّ، قال فإن اقترن به علَّةٌ أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب، وإلَّا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التَّقدير فلا حجَّة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحق بما يدلُّ على النَّدب، وهو تفويضُ الوصيَّة إلى إرادة الموصِي، حيث قال (( له شيءٌ يريد أن يوصِي فيه ) )فلو كانت واجبةً لما علَّقها بإرادته.

وأمَّا الجواب عن الرِّواية التي بلفظ (( لا يحلُّ ) )، فهو أنَّه يحتمل أن يكون راويها رواها بالمعنى، وأراد بنفي الحلِّ ثبوت الجواز بالمعنى الأعمِّ الذي يدخل تحته الواجبُ والمندوبُ والمباح. ثم إنَّه اختلف القائلون بوجوب الوصيَّة؛ فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة. وعن طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيدٍ في آخرين يجب للقرابة الذين لا يرثون خاصَّةً. أخرجه ابن جريرٍ وغيره عنهم، قالوا فإن أوصى لغير قرابتهِ لم ينفذ، ويرد الثُّلث كله إلى قرابته. وهذا قول طاوس. وقال الحسنُ وجابر بن زيد ثلثا الثُّلث.

وقال قتادة ثلث الثُّلث، وأقوى ما يردُّ على هؤلاء ما احتجَّ به الشافعيُّ من حديث عمران بن حصينٍ رضي الله عنه في قصة الذي أعتق عند موته ستَّة أعبدٍ لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فجزأهم ثلاثة أجزاءٍ فأعتق اثنين وأرق أربعةً، فجعل عتقه في المرض وصيَّةً، ولا يقال لعلَّهم كانوا أقارب المعتق؛ لأنَّا نقول لم تكن عادةُ العرب أن تَمْلِكَ من بَيْنَها وبَيْنَه قرابة، وإنَّما تملك من لا قرابة له، أو كان من العجمِ، فلو كانت الوصيَّة لغير القرابة باطلة لبطلتْ في هؤلاء، وهو استدلالٌ قويٌّ، والله أعلم.

ونقل ابنُ المنذر عن أبي ثورٍ أنَّ المراد بوجوب الوصيَّة في الآية والحديث وجوبها على من عليه حقٌّ شرعيٌّ يخشى أن يضيع إن لم يوصِ به، كوديعةٍ ودينٍ لله أو لآدميٍّ.

قال ويدلُّ على ذلك تقييده بقوله (( له شيءٌ يريد أن يوصي فيه ) )؛ لأنَّ فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجَّلًا فإنَّه إذا أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يُوصي به ساغ لهُ، وحاصله يرجع إلى قول الجمهور إنَّ الوصيَّةَ غيرُ واجبةٍ لعينها، وإنَّما الواجب لعينهِ هو الخروج من الحقوق الواجبة للغير

ج 13 ص 9

سواء كانت بتنجيزٍ أو وصيَّةٍ، ومحلُّ وجوب الوصيَّة إنما هو إذا كان عاجزًا عن تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم بذلك غيره ممَّن يثبت الحقُّ بشهادته. فأمَّا إذا كان قادرًا أو علم بها غيره فلا وجوبَ.

وعرف من مجموع ما ذكر أنَّ الوصيَّة قد تكون واجبةً، وقد تكون مندوبةً فيمن رجا منها كثرة الأجرِ، ومكروهة في عكسهِ، ومباحة فيمَن استوى الأمرانِ فيه، ومحرَّمة فيما إذا كان فيها إضرارٌ، كما ثبت عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الإضرار في الوصيَّة من الكبائر، رواه سعيدُ بن منصورٍ موقوفًا بإسناد صحيحٍ، ورواه النسائيُّ مرفوعًا ورجاله ثقاتٌ.

واحتجَّ ابن بطَّالٍ تبعًا لغيره بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث لم يوصِ، فلو كانت الوصيَّةُ واجبةً لما تركها، وهو راوي الحديث. وتُعُقِّب بأن ذلك إنْ ثَبَتَ عن ابن عمر رضي الله عنهما فالعبرةُ بما روى لا بما رأى.

وأجيب عنه بأنَّ في ذلك نسبته إلى مخالفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاشاه من ذلك، فإذا رُوي عنه أنَّه لم يوص دلَّ ذلك على أنَّ الحديث لم يدلَّ على الوجوب لمانعٍ عن ذلك ظهر عندهُ؛ لأنَّ أمور المسلمين محمولةٌ على الصَّلاح والسَّداد ولا سيما مثل هذا الصَّحابيِّ الجليل المقدار على أنَّ الثَّابت عنه في «صحيح مسلم» أنَّه قال (( لم أبتْ ليلةً إلَّا ووصيَّتي مكتوبة عندي ) )والَّذي قال إنَّه لم يوصِ، اعتمد على ما رواه حمَّاد بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافعٍ قال قيل لابن عمر رضي الله عنهما في مرض موته ألا توصِي؟ قال أمَّا مالي فالله يعلمُ ما كنت أصنع فيه، وأمَّا رباعيّ فلا أحبُّ أن يشارك ولدي فيها أحدٌ. أخرجه ابن المنذر وغيره، وسندهُ صحيحٌ.

ويجمع بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنَّه كان يكتب وصيَّته ويتعاهدهَا ثمَّ صار ينجزُ ما كان يوصِي به معلَّقًا، وإليه الإشارة بقوله الله يعلمُ ما كنت أصنعُ في مالي. ولعلَّ الحامل له على ذلك حديثه الذي سيأتي في (( الرِّقاق ) ) (( إذا أمسيت فلا تنتظرُ الصَّباح ) ) [خ¦6416] ، الحديث.

فصار ينجز ما يريد التَّصدُّق به فلم يحتج إلى تعليقٍ، وسيأتي في آخر (( الوصايا ) ) [خ¦2778 قبل] أنَّه وقف بعض دوره، فبهذا يحصل التَّوفيق، والله أعلم.

ثم إنَّه استدلَّ

ج 13 ص 10

بقوله (( مكتوبةٌ عنده ) )على جواز الاعتماد على الكتابة والخطِّ، ولو لم يقترن ذلك بالشَّهادة. وخصَّ أحمد ومحمد بن نصرٍ من الشافعيَّة ذلك بالوصيَّة لثبوت الخبرِ فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب الجمهور بأنَّ الكتابة ذكرت لما فيها من ضبطِ المشهود به، قالوا ومعنَى قوله (( ووصيَّته مكتوبةٌ عنده ) )؛ أي بشرطها.

وقال الشَّافعيُّ معنى هذا الحديث ما الحزمُ والاحتياط للمسلم إلَّا أن تكون وصيَّتُه مكتوبةً عنده، فيستحبُّ تعجيلها وأن يكتبها في صحَّته ويشهدُ عليها فيها، ويكتب فيها ما يحتاجُ إليه، فإن تجدَّد أمرٌ يحتاج إلى الوصيَّة به ألحقهُ بها.

وقال النَّوويُّ لا يكلف أن يكتب كلَّ يومٍ محقَّرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكرِّرة، ولا يقتصر على الكتابة بل لا يُعْمَلُ بها إلَّا إذا كان أشهدَ عليه، هذا مذهبنا ومذهبُ الجمهور.

واستدلُّوا على اشتراط الإشهاد بأمرٍ خارجٍ بقوله تعالى {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} [المائدة 106] فإنه يدلُّ على اشتراط الإشهاد في الوصيَّة.

وقال القرطبيُّ ذكر الكتابة مبالغة في التَّوثُّق، وإلَّا فالوصيَّة المشهود بها متَّفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة. واستدلَّ بقوله (( ووصيَّته مكتوبةٌ عنده ) )على أنَّ الوصيَّة تنفَّذ وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلا عند غيره، وكذلك لو جعلها عند غيره وأن يخفِها.

وفي الحديث منقبةٌ لابن عمر رضي الله عنهما لمبادرتهِ إلى امتثال قول الشَّارع ومواظبتهِ، وفيه النَّدب إلى التَّأهُّب للموت والاحتراز قبل الفَوت؛ لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجأه الموتُ؛ لأنَّه ما من سنٍّ يفرض إلَّا وقد مات فيه جمعٌ جمٌّ؛ فكلُّ واحدٍ بعينه جائزٌ أن يموت في الحال، فينبغي لذلك أن يكتب وصيَّته ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر، ويحطُّ عنه الوزر من حقوق الله تعالى وحقوقِ عباده، والله المستعان.

واستدلَّ بقوله (( له شيءٌ ) )أو (( له مالٌ ) )على صحَّة الوصيَّة بالمنافع، وهو قولُ الجمهور، ومنعه ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود الظَّاهري وأتباعه، واختاره ابن عبد البرِّ، والله أعلم.

(تَابَعَهُ) أي تابع مالكًا في أصلِ الحديث

ج 13 ص 11

(مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) بلفظ الفاعل من الإسلام، هو الطَّائفيُّ يقال هو محمد بن مسلم بن سوسن، ويقال ابن سوس، ويقال ابن سنس، ويقال ابن شونير، يعدُّ في المكيِّين، وعن أحمد ما أضعف حديثهُ، وعن يحيى ثقة، وعنه لا بأس به، وذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» ، واستشهد به البخاريُّ في «الصحيح» ، وروى له في «الأدب» ، وروى له الباقون، مات سنة سبعٍ وسبعين ومائة بمكَّة.

(عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وروى هذه المتابعة الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من طريقه، وقال تفرَّد به عمران بن أبان الواسطيُّ، عن محمد بن مسلمٍ، وعمران أخرج له النسائيُّ وضعَّفه. وقال ابن عُديٍّ له غرائب عن محمد بن مسلمٍ، ولا أعلم به بأسًا، ولفظه عند الدَّارقطنيِّ (( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم من حديث عُبيد الله عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده ) ).

ورواه من حديث ابن شهابٍ عن سالمٍ، عن أبيه، أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيت ثلاث ليالٍ إلَّا ووصيَّته عنده مكتوبةٌ ) )، وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم (( ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه، إلا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده ) )، وأخرجه النسائيُّ، وابن ماجه أيضًا نحو رواية مسلمٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت