فهرس الكتاب

الصفحة 4318 من 11127

2760 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ) بصيغة المجهول من الافتلات؛ أي أخذت فلتة؛ أي ماتت بغتةً، وكلُّ شيءٍ عوجل مبادرة فهو فلتةٌ.

(نَفْسُهَا) بالرَّفع على أنَّه مفعول أُقِيم مقام الفاعل، والنَّفس مؤنَّثة، وهي هنا الرُّوح، وقد تكون بمعنى الذَّات. وقال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّ البخاريَّ رمز إلى أنَّ المبهم في حديث عائشة رضي الله عنها هو سعدُ بن عبادة الذي تقدَّم [خ¦2756] في حديث ابن عبَّاس

ج 13 ص 79

رضي الله عنهما في قصَّة سعد بن عبادة رضي الله عنه بلفظٍ آخر، ولا تنافي بين قوله (( إنَّ أمِّي ماتت وعليها نذر ) )، وبين قوله (( إنَّ أمِّي توفِّيت وأنا غائبٌ عنها فهل ينفعها شيءٌ إن تصدَّقت به عنها ) )، لاحتمال أن يكون سأل عن النَّذر وعن الصَّدقة عنها.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ المنافاة بين حديث عائشة وبين حديث ابن عبَّاس ظاهرة بلا شكٍّ إن قرأ قوله (وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ) بفتح الهمزة، من الرُّؤية العلميَّة، وكذا إن قرئ بضمِّها بمعنى وأظنها؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الرَّجل يخبر عن حال أمِّه على ما هي عليه، وأمَّا احتمال أن يكون السُّؤال عن النَّذر وعن الصَّدقة جميعًا، فمثل هذا الاحتمال لا ينفع في دفع المنافاة، هذا، وأنت خبير بما فيه، فافهم.

وقد تقدَّم في الجنائز من وجه آخر عن هشام [خ¦1388] ، بلفظ وأظنُّها، وهو يشعر بأنَّ رواية ابن قاسم عن مالكٍ عند النَّسائي بلفظ وأنَّها لو تكلَّمت، تصحيف، وظاهره أنَّها لم تتكلَّم ولم تتصدَّق.

ولكن في «الموطأ» عن سعيد بن عَمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدِّه قال خرج سعد بن عبادة مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وحضرت أمَّه الوفاة بالمدينة، فقيل لها أوصي، فقالت فبم أوصي المال مال سعد، فتوفِّيت قبل أن يقدم سعد، فذكر الحديث.

ويمكن تأويل رواية الباب بأنَّ المراد أنها لم تتكلَّم؛ أي بالصَّدقة، ولو تكلَّمت لتصدَّقت، ويمكن أيضًا أن يقال إنَّ سعدًا ما عرف ما وقع منها، فإنَّ الذي روى هذا الكلام في «الموطأ» ، هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده شرحبيل مرسلًا، فعلى التَّقديرين لم يتَّحد راوي الإثبات وراوي النَّفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك.

(أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟) وفي الرِّواية التي تقدَّمت في الجنائز [خ¦1388] (( فهل لها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها ) ).

(قَالَ نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا) وبيَّن النَّسائي من وجه آخر

ج 13 ص 80

جهة الصَّدقة المذكورة، فأخرج من طريق سعيد بن المسيِّب، عن سعد بن عبادة، قال قلت يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت أفأتصدَّق عنها؟، قال (( نعم ) ). قلت فأيُّ الصَّدقة؟ قال سقي الماء.

وأخرجه الدَّارقطني في «غرائب مالك» من طريق حمَّاد بن خالد عنه بإسناد الحديث الثَّاني في هذا الباب، لكن بلفظ أنَّ سعدًا قال يا رسول الله، أينفع أمِّي إن تصدَّقت عنها وقد ماتت؟، قال (( نعم ) )، قال فما تأمُرني؟ قال (( اسق الماء ) )، والمحفوظ عن مالك ما وقع في هذا الباب، والله أعلم بالصَّواب.

وفي قوله (( نعم ) )دلالة على جواز الصَّدقة عن الميِّت، وأنَّ ذلك ينفعه بوصول ثواب الصَّدقة إليه لا سيما إن كانت من الولد، لقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاثٍ ) )الحديث، وفيه (( أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ) ). وهو وأمثاله مخصِّص لعموم قوله تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم 39] ، ويلتحق بالصَّدقة العتق عنه عند الجمهور خلافًا للمشهور عند المالكيَّة.

وقال ابن المنذر أمَّا العتق عن الميِّت فلا أعلم فيه خبرًا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنَّها أعتقت عبدًا عن أخيها عبد الرَّحمن، وكان مات ولم يوص.

وقال بعض الشَّافعيَّة لمَّا جاز أن يتطوَّع بالنَّفقة وهي مال فكذا العتق، وفرَّق بعضُهم بينهما فقال إنَّما أجزناها للأخبار الثَّابتة، والعتق لا خير فيه، بل في قوله (( الولاء لمن أعتق ) )دَلالة على منعه؛ لأنَّ المعتق هو الحيُّ بغير أمر الميِّت فله الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليس للميِّت منه شيءٌ، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنَّه قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّ أمِّي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال (( نعم ) )، فدلَّ على أنَّ العتق ينفع الميِّت، ويشهد لذلك فعل عائشة رضي الله عنها الذي سبق ذلك آنفًا.

وقد اختلف في غير الصَّدقة من أعمال البرِّ هل تصل إلى الميِّت كالحجِّ والصَّوم؟ وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في (( الصِّيام ) ) [خ¦1953] .

وفي الحديث أنَّ ترك الوصيَّة

ج 13 ص 81

جائز؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يذمَّ أمَّ سعد على ترك الوصيَّة، قاله ابن المنذر، وتعقِّب بأنَّ الإنكار عليها قد تعذَّر لموتها وسقط عنها التَّكليف.

وأُجيب بأنَّ فائدة إنكار ذلك اتِّعاظ غيرها ممَّن يسمعه، فلمَّا لم ينكر على ذلك دلَّ على الجواز.

وفيه ما كان الصَّحابة رضي الله عنهم عليه من استشارة النَّبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدين. وفيه العمل بالظَّنِّ الغالب، وفيه جواز الجهاد في حياة الأمِّ، وهو محمولٌ على أنَّه استأذنها، وفيه السُّؤال عن التحمُّل والمسارعة إلى عمل البرِّ، والمبادرة إلى برِّ الوالدين. وفيه أنَّ إظهار الصَّدقة قد يكون خيرًا من إخفائها، وهو عند اغتنام صدق النيَّة فيه. وفيه أنَّ للحاكم تحمل الشَّهادة في غير مجلس الحكم، نبَّه على أكثر ذلك أبو محمد بن أبي جمرة، وفي بعضه نظرٌ لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت