2769 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ) وفي رواية الكُشْمِيْهني أي أكثر كل واحدٍ من الأنصار، وإضافة المفرد النَّكرة عند إرادة التَّفصيل سائغ (بِالْمَدِينَةِ مَالًا) نصب على التَّمييز. وكلمة (( من ) )في قوله (مِنْ نَخْلٍ) للبيان (وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ) تقدَّم ضبط بيرحاء في الزكاة، في باب الزَّكاة على الأقارب [خ¦1461] بوجوه.
وفيه عند مسلم (( بَرِيحا ) )بفتح الموحدة وكسر الراء وتقديمها على التحتانية الساكنة ثمَّ حاء مهملة. ورجَّح هذا صاحب الفائق وقال هي وزن فَعِيلا من البراح، وهي الأرض الظَّاهرة المنكشفة، وعند أبي داود (( بَارِيْحا ) )بإشباع الموحدة. ووهم من ضبطه بِأَريحا _ بكسر الموحدة وفتح الهمزة _ فإنَّ أريحا من الأرض المقدَّسة، ويحتمل إن كان محفوظًا أن تكون سمِّيت باسمها.
وقال القاضي عياض رواية المغاربة إعراب الرَّاء والقصر في حاء، وخطَّأ هذا أبو عبد الله الصوري،
ج 13 ص 112
وقال الباجي أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذرٍّ يفتحون الراء في كل حالٍ، زاد الصوري وكذلك الباء؛ أي أوله، وقد انتهى الخلاف فيها إلى عشرة أوجهٍ كما تقدَّم في الزكاة [خ¦1461] .
واختلف في (( حاء ) )هل هي اسم رجلٍ أو امرأة أو مكان أضيف إليه البئر، أو هي كلمة زجرٍ للإبل، فكأنَّ الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللَّفظة فأضيفت البئر إلى اللَّفظة المذكورة.
(وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) وزاد في رواية عبد العزيز بن الماجشون (( ويستظل فيها ) ) (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَلَمَّا نَزَلَتْ) آية ( {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بيرحَاء وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذخرَهَا عِنْدَ اللهِ فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (بَخْ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وقد تنون مع التَّثقيل والتَّخفيف بالكسر وبالرفع لغات، فإذا كرَّرت فالاختيار أن تنوَّن الأولى وتسكن الثَّانية، وقد تسكنان جميعًا كما قال الشاعر
~بَخْ بَخْ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَولُودِ
معناها تفخيم الأمر والإعجاب به.
(ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، أَوْ رَايحٌ، شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ) أي القعنبي، هل هو بالموحدة من الرِّبح، أو بالتحتانية من الرَّواح (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعت ما قلت (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ) بضم اللام على أنَّه قول أبي طلحة (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ) فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها أفعل، فَقَسَمها، فإنَّه احتمل الأول، واحتمل أن يكون أفعل صيغة أمرٍ وفاعل قسمها النَّبي صلى الله عليه وسلم، وانتفى هذا الاحتمال الثَّاني بهذه الرِّواية.
وذكر ابنُ عبد البرِّ أنَّ إسماعيل القاضي رواه عن القعنبيِّ، عن مالكٍ فقال في روايته (( فقسمها رسول الله
ج 13 ص 113
صلى الله عليه وسلم في أقاربهِ وبني عمِّه )) ، قال وقوله في أقاربه؛ أي أقارب أبي طلحة.
وقال الحافظُ العسقلاني ووقع في رواية ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه كما تقدَّم [خ¦2752 قبل] ، وكذا في رواية همام عن إسحاق بن أبي طلحة فقال صلى الله عليه وسلم (( ضعها في قرابتك ) )، فجعلها حدائق بين حسَّان بن ثابت وأبي بن كعبٍ، لفظ إسحاق أخرجه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عنه، وحديث ثابتٍ نحوه.
قال ابن عبد البرِّ إضافة القسم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سائغًا في لسان العرب على معنى أنَّه الآمر به، لكن أكثر الرُّواة لم يقولوا ذلك، والصَّواب رواية من قال فقسمها أبو طلحة.
(فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) وفي رواية ثابت (( فجعلها لحسَّان وأبي ) )، وكذا في رواية همَّام عن إسحاق، وقد تمسَّك به من قال أقل من يعطي من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه وقع في رواية الماجشون عن إسحاق المتقدِّمة [خ¦2758] ، (( فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه وكان منهم حسَّان وأبي بن كعب ) )، فدلَّ على أنَّه أعطى غيرهما معهما.
قال الحافظ العسقلاني رأيت في مرسل أبي بكر بن حزمٍ، فردَّه على أقاربه أبي بن كعب، وحسَّان بن ثابتٍ، وأخيه أو ابن أخيه شداد بن أوس، ونُبَيْط بن جابر، فتقاوَموه فباع حسَّان حصَّته من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهمٍ، وقد مرَّ فيما مضى أيضًا [خ¦2752] .
(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، وأصله من دمشق (وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر، أبو زكريا التَّميمي الحنظلي، روى عنه البخاري في عمرة الحديبية (عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ) يعني أنَّ هؤلاء الرُّواة روى هذا الحديث بالإسناد المذكور عن مالك بلفظ (( رايح ) )بالمثناة التحتية، جزمًا من الرَّواح [1] .
وقد وصل حديث إسماعيل في التفسير [خ¦4554] ، وحديث عبد الله بن يوسف في الزَّكاة [خ¦1461] ، وحديث يحيى بن يحيى في الوكالة [خ¦2318] ، وقد تقدَّم توجيه الرِّوايتين في كتاب الزَّكاة.
ج 13 ص 114
وفي قصة أبي طلحة من الفوائد أنَّ الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه، واستدلَّ به بعض المالكيَّة على صحَّة الصَّدقة المطلقة ثمَّ يعيِّنها المتصدق لمن يريد، واستدلَّ به للجمهور فيمن أوصى أن يفرق ثلث ماله حيث أرى اللهُ الوصيَّ أنَّه صحَّت وصيتهُ، ويفرِّقه الوصيُّ في سُبُل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يُعطي منه وارثًا للميت، وخالفَ في ذلك أبو ثور وفاقًا للحنفية في الأوَّل دون الثَّاني، وفيها جواز التَّصدق من الحيِّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدَّق به، وقال لسعد بن أبي وقاص (( الثُّلث كثير ) ).
وفيه تقديم الأقارب على غيرهم، وفيها جواز إضافة حبِّ المال إلى الرَّجل الفاضل العالم ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر الله تعالى عن الإنسان {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات 8] ، والخير هنا المال اتفاقًا.
وفيها اتِّخاذ الحوائط والبساتين ودخول أهل الفضل والعلم فيها والاستظلال بظلِّها، والأكل من ثمرها والرَّاحة والتَّنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبًّا يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النَّفس من تعب العبادة، وهو تنشيطها للطَّاعة.
وفيها إباحة الشرب من دار الصَّديق ولو لم يكن حاضرًا إذا علم طيب نفسه، وفيها إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعضٍ. وفيها التَّمسك بالعموم؛ لأنَّ أبا طلحة فَهِمَ من قوله تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران 92] ، تناول ذلك لجميع أفراده فلم يقف حتَّى يرد عليه البيان عن شيءٍ بعينه بل بادر إلى إنفاق ما يحبه، وأقرَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
واستدلَّ به لما ذهب إليه مالك من أنَّ الصَّدقة تصحُّ بالقول من قبل القبض، فإن كانت لمعين استحقَّ المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامة خرجت عن ملك القائل وكان للإمام صرفه في سبيل الصَّدقة، وكلُّ هذا إذا لم يظهر مراد المتصدِّق
ج 13 ص 115
فإن ظهر اتُّبِعَ، وفيه جواز تولِّي المتصدِّق قسم صدقته.
وفيها جواز أخذ الغني من صدقة التَّطوع إذا حصل له بغير مسألة، واستدلَّ بها على مشروعية الوقف والحبس؛ خلافًا لمن منع ذلك وأبطله، ولا حجَّة فيه لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة صدقة تمليكٍ، وهو ظاهر سياق ابن الماجشون عن إسحاق، كما تقدَّم [خ¦2758] .
وفيها زيادة الصَّدقة في التَّطوع على قدر نصاب الزَّكاة، خلافًا لمن قيَّدها به. وفيها فضيلة لأبي طلحة؛ لأنَّ الآية تضمَّنت الحثَّ على الإنفاق من المحبوب فترقَّى هو إلى إنفاق أحبِّ المحبوب، وصوَّب به رأيه، وشكر عن ربه فِعْله، ثمَّ أمره صلى الله عليه وسلم أن يخصَّ بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله له (( بخْ ) )، وفيها أنَّ الوقف يتمُّ بقول الواقف جعلت هذا وقفًا. وقد تقدَّم الكلام فيه مستوفى قبل أبواب [خ¦2755] .
وفيها أنَّ الصَّدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبول معيَّن بل للإمام قبولها منه ووضعها فيما يراه، كما في قصَّة أبي طلحة. وفيها أنَّه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقف أب معين لا رابع ولا غيره؛ لأنَّ أبيًّا رضي الله عنه كما تقدَّم إنَّما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السَّادس، وأنَّه لا يجب تقدُّم القريب على القريب الأبعد؛ لأنَّ حسانًا وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أبيٍّ ونُبَيْط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيًّا ونُبَيط بن جابر، وفيها أنَّه لا يجب الاستيعاب؛ لأنَّ بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسَّان كانوا بالمدينة كثيرًا فضلًا عن عَمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأبيًّا، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة إمَّا لقوله وكذلك الصَّدقة، فظاهرةٌ، وإمَّا لقوله إذا وقف أرضًا إلخ، فمن حيث إنَّ لفظ الوقف ولفظ الصَّدقة في المعنى متقاربان وحكمهما واحدٌ.
والحديث قد مضى في كتاب الزَّكاة، في باب الزَّكاة على الأقارب [خ¦1461] .
[1] في هامش الأصل ومعنى رابح، ذو ربح كلابن وتامر؛ أي يربح فيه صاحبه في الآخرة أو مال مربوح، ومعنى رائح، يروح عليه أجره، وقال ابن بطال أي مسافة قريبة يصل نفعه كل رواح لا يحتاج أن يتكلف فيه إلى مشقة سيره، وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع، ويقال معناه أنه رائح؛ أي من شأنه الرواح أي الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فهو أولى. منه.