فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 11127

256 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين (قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرُ) بفتح الميمين وسكون العين في أكثر الروايات، وبه جزم المزي، وفي رواية القابسي بضم الميم الأولى، وتشديد الميم الثانية على وزن محمد، وبه جزم الحاكم، وجوَّز الغسَّاني الوجهين (بْنُ يَحْيَى) بن سام، وقد ينسب إلى جدِّه فيقال معمر بن سام، وهو بالسين المهملة والميم المخففة، وليس له في البخاري غير هذا الحديث.

(قال حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي روايةٍ (أَبُو جَعْفَرٍ) محمد بن علي الباقر (قَالَ قَالَ لِي جَابِرٌ) أي كما في رواية الأصيلي، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وكوفي ومدني (أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ) وزاد في روايةٍ أي ابن عمِّ أبيك ففيه مسامحة؛ لأنه ابن عمِّ والده علي بن الحسين رضي الله عنه (يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ) أي حال كون جابر يعرِّض بالحسن، وفي روايةٍ (بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) زوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تزوَّجها بعد فاطمة الزهراء رضي الله عنه، فولدت له محمدًا هذا، فاشتهر بالنسبة إليها، والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة، وأمَّا من حيث الاصطلاح؛ فهو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال الزمخشري (التعريض أن تذكر شيئًا تدل به على شيءٍ لم يذكره) .

(قَالَ) أي الحسن المذكور (كَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ) فيه إشعار بأن سؤال الحسن بن محمّد كان في غيبة أبي جعفر، فهو غير السؤال المذكور في الحديث المذكور قبل هذا الباب (فَقُلْتُ) أي قال جابرٌ فقلت له (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ ثَلاَثَ أَكُفٍّ) بغير التاء، وفي روايةٍ بالتاء، والكفُّ يذكَّر ويؤنَّث فيجوز دخول التاء وتركه على الاعتبارين، أو المراد من الكفِّ قدر الكف وما فيها،

ج 2 ص 399

فلذا دخلت التاء، أو باعتبار العضو، والمراد أن يأخذ في كل مرةٍ كفين؛ لأن الكفَّ اسم جنسٍ فيجوز حمله على الاثنين، ويدلُّ عليه رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال في آخر الحديث (( وبسط يديه ) )، ويؤيِّده حديث جبير بن مطعم (( وأشار بيديه كلتيهما ) ).

(وَيُفِيضُهَا) بالواو، وفي روايةٍ بالفاء؛ أي الثلاثة الأكف (عَلَى رَأْسِهِ) وفي روايةٍ بدون على (ثُمَّ) أي بعد الإفاضة على رأسه (يُفِيضُ) أي الماء (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فمفعول الإفاضة الثانية محذوف وهو الماء، ولا يكون مفعوله الثلاثة الأكف بقرينة عطفه على الإفاضة الأولى؛ لأن الظاهر أنَّ الثلاثة الأكف لا تكفي لسائر جسده عادة.

قال جابر (فَقَالَ لِي الْحَسَنُ) بن محمد بن الحنفية (إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ) أي لا يكفيني الثلاث، فأحتاجُ إلى أكثر.

قال جابر (فَقُلْتُ) له (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا) وقد كفاه ذلك القدر من الماء، فالزيادة على ما كفاه صلى الله عليه وسلم تنطُّع قد يكون مثاره الوسوسة، فلا تلتفت إليه.

قال الحافظ العسقلاني إنَّ السؤال الذي في الباب السَّابق كان عن الكمية كما أشعر بذلك قوله في الجواب (( يكفيك صاعٌ ) )وهذا عن الكيفية، حيث قال كيف الغسل، ولكن الحسن بن محمَّد في المسألتين جميعًا هو المنازع لجابر في ذلك فقال في جواب الكمية ما يكفيني؛ أي الصاع ولم يعلل، وقال في جواب الكيفية إني كثير الشعر؛ أي فأحتاج إلى أكثر من ثلاث غرفاتٍ فقال له جابرٌ في جواب الكيفية «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر شعرًا منك وأطيب» ، ومع هذا اكتفى بالثلاث فاقتضى ذلك أن الإنقاء يحصل بها.

وقال محمود العيني إن السؤال في الموضعين عن الكيفية، غير أنه لم يذكر لفظ كيف في الموضع الأول اختصارًا، والجواب في الموضعين بالكمية؛ لأن هناك قال «يكفيك صاع» ، وهنا قال «ثلاثة أكفٍّ» ، وكلٌّ منهما كَمٌّ، وإنما كان السُّؤال عن صفة الغسل، ووقع الجواب بالكمِّ في الموضعين؛ لأن كيف وكم من الأعراض المنحصرة في المقولات التسع، والنبي صلى الله عليه وسلم ما بعث لبيان الحقائق، وإنما بعث لبيان الأحكام، والأحكام من عوارض الحقائق) انتهى.

وهو محتاجٌ إلى التتميم بأن يقال وأمَّا التَّدقيق بين الكمِّ والكيف فمن وظائف الفلاسفة، والنبي صلى الله عليه وسلم بريء عن ذلك، فطابق الجواب السؤال، والله أعلم.

ج 2 ص 400

وممَّا يستنبط من الحديث جواز الاكتفاء بثلاث غرف على الرأس وإن كان كثير الشَّعر، ومنه تقديم ذلك على إفاضة الماء على سائر جسده، ومنه الحث على سؤال العلماء عن أمر الدين، ومنه وجوب الجواب عند العلم به، ومنه ملازمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على ثلاث أكف في الغسل؛ لأن مثل هذا التركيب في الحديث يدلُّ على الاستمرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت