فهرس الكتاب

الصفحة 4363 من 11127

2786 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو ابنُ شهاب، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (حَدَّثَهُ قَالَ قِيلَ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم القائل (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا، وفي رواية مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا، وقد وصله التِّرمذي والنَّسائي وابن حبَّان من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( خير النَّاس منزلًا ) )، وفي رواية للحاكم (( أيُّ النَّاس أكمل إيمانًا ) ).

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 13 ص 167

مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) وكأنَّ المراد بالمؤمن من قام بما تعيَّن عليه القيام به، ثمَّ حصَّل هذه الفضيلةَ، وليس المراد مَن اقتصر على الجهاد وأهملَ الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضلُ المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النَّفع المُتَعدِّي، ثمَّ قالوا هذا عامٌّ مَخصوص، أو التَّقدير إنَّ هذا من أفضل النَّاس وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصدِّيقون [1] كما جاءت به الأحاديث [2] ، ويدلُّ على هذا أنَّ في بعض طرق النَّسائي لحديث أبي سعيد رضي الله عنه (( إنَّ من خير النَّاس رجلًا عَمِلَ في سبيل الله على ظَهْر فَرَسِه ) )، وإنَّما كان المؤمن المعتزل تلوه في الفضيلة كما سيجيء؛ لأن الذي يخالط النَّاس لا يسلمُ من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيَّدٌ بوقوع الفتن.

(قَالُوا ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) والشِّعْب، بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة وآخره باء موحدة هو ما انفرج من الجبلين، وهو خارج على سبيل التَّمثيل لا للتقييد بنفس الشِّعب، وإنَّما المراد العزلة والانفراد عن النَّاس. قال ابنُ عبد البر إنَّما وردت الأحاديث بذكر الشِّعب والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكلُّ موضعٍ يبعدُ عن النَّاس فهو داخل في هذا المعنى.

(يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) وفي رواية مسلم من طريق الزُّبيدي، عن الزُّهري (( يعبد الله ربَّه ) )، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( معتزل في شعب يقيم الصَّلاة ويؤتي الزَّكاة ويعتزل شرور النَّاس ) ).

وللتِّرمذي وحسَّنه والحاكم وصحَّحه من طريق ابن أبي ذئاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا مرَّ بشعب فيه عين عذبة فأعجبه، فقال لو اعتزلت، ثمَّ استأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( لا تفعل، فإنَّ مقام أحدكم في سبيل الله أفضلُ من صلاته في بيته سبعين عامًا ) ).

وفي الحديث فضل العزلة والانفراد؛ لما فيه من السَّلامة من الغيبة واللَّهو واللَّغو ونحو ذلك،

ج 13 ص 168

وأمَّا اعتزال النَّاس أصلًا؛ فقال الجمهور محلُّ ذلك عند وقوع الفتن.

ويؤيِّد ذلك رواية بعجة بن عبد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( يأتي على النَّاس زمان يكون خير النَّاس فيه منزلة من أخذَ بعنان فرسه في سبيل الله يطلبُ الموت في مظانِّه، ورجل في شعب من هذه الشِّعاب يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويدع النَّاس إلَّا من خير ) )، أخرجه مسلم وابن حبَّان من طريق أسامة بن زيد اللَّيثي، عن بَعْجَة بفتح الموحدة والجيم بينهما مهملة ساكنة.

وأمَّا عند عدم الفتن فقال النَّووي مذهب الشَّافعي وأكثر العلماء أنَّ الاختلاط بشرط رجاء السَّلامة أفضل. ومذهب طائفة أنَّ الاعتزال أفضلُ، ويدلُّ لقول الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن الذي يخالط النَّاس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط النَّاس ولا يصبر على أذاهم ) )رواه التِّرمذي في أبواب الزُّهد، وكذا ابن ماجه، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه البخاري في الرِّقاق أيضًا [خ¦6494] ، وأخرجه مسلم في الجهاد، وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي، وأخرجه ابن ماجه في الفتن.

[1] في هامش الأصل الصديقون هم الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضيات إلى أوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء، وأخبروا عنها على ما هي عليه. منه.

[2] في هامش الأصل وفي الحديث (( يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت