فهرس الكتاب

الصفحة 4365 من 11127

2788 - 2789 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ) أي أنَّ إسحاق سمع أنسًا رضي الله عنه (يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) ضدُّ حلال (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وآخره نون، هو ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن تميم بن عدي بن النَّجار.

(فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) وكانت أمَّ حرام أخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك رضي الله عنهم. وقال أبو عمر لا أقف على اسم لها صحيح، وأظنُّها أرضعت النَّبي صلى الله عليه وسلم وأمُّ سليم أرضعته أيضًا،

ج 13 ص 176

إذ لا يشكُّ مسلم أنَّها كانت منه بمحرم.

وقد أنبأنا غيرُ واحد من شيوخنا عن أبي محمَّد بن فطيس، عن يحيى بن إبراهيم بن مزين قال إنَّما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفلِّي أمَّ حرام رأسه؛ لأنَّها كانت منه ذات محرمٍ من قبل خالاته؛ لأنَّ أم عبد المطَّلب كانت من بني النَّجار.

وقال يونس بن عبد الأعلى قال لنا وهب أمُّ حرام إحدى خالات النَّبي صلى الله عليه وسلم من الرَّضاع. قال أبو عمر فأي ذلك كان، فأمُّ حرام محرمٌ منه. وقال ابن بطَّال قال غيره إنَّما كانت خالة لأبيه أو لجدِّه.

وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أنَّ هذا مخصوص بسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحمل دخوله عليها أنَّه كان قبل الحجاب، إلَّا أن قوله تفلِّي رأسه يضعِّف هذا.

وزعم ابن الجوزي أنَّه سَمِعَ بعضَ الحفَّاظ يقول كانت أمُّ سليم أخت آمنة من الرَّضاع. وقال الحافظ الدِّمياطي ليس في الحديث ما يدلُّ على الخلوة بها، فلعلَّ ذلك كان مع ولدٍ أو زوجٍ أو تابعٍ سيَّما إذا كانت مسنَّة مع ما ثبت عصمتُه صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عمر حرامُ بن ملحان، قتل يوم بئر معونة قتله عامر بن الطُّفيل، وعبادة بن الصَّامت أنصاري خزرجي سالمي يُكنى أبا الوليد.

قال الأوزاعي أوَّل من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصَّامت، مات سنة أربع وثلاثين بالرَّملة، وقيل ببيت المقدس، وهو ابن اثنتين وسبعين.

(فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام؛ أي تُفَتِّش القمل من رأسه وتقتله من فَلَى يَفْلِي، من باب ضَرَب يضرب، والفلي أخذُ القمل من الرَّأس (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ) جملة وقعت حالًا.

(قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ) على البناء للمفعول (غُزَاةً) جمع غازٍ حال من الواو في عرضوا(فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ

ج 13 ص 177

ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ)بفتح المثلثة والموحدة والجيم، قال الخطَّابي ثبجُ البحر متنهُ وظهرُه ومعظمه، وثبجُ كلِّ شيءٍ وسطُه، وفي بعض الرِّوايات ، وقيل ثَبَج البحر هوله، والثَّبج أيضًا ما بين الكتفين.

(مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ) نصب بنزعِ الخافض؛ أي مثل ملوك على الأسرَّة، وهو جمعُ سرير (أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ إِسْحَاقُ) وهو إسحاقُ بن عبد الله الرَّاوي عن أنس رضي الله عنه. قال ابن عمر أراد أنَّه رأى الغزاة في البحر على الأسرَّة في الجنَّة، ورؤيا الأنبياء عليهم السَّلام وحي، ويشهد له قوله تعالى {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس 56] ، وبه جزم ابن بطَّال حيث قال إنَّما رآهم ملوكًا على الأسرَّة في الجنَّة في رؤياه.

وقال القرطبي يحتمل أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم؛ أي يركبونَ مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم وكثرة عددهِم. وقيل يحتمل أن تكون حالتهم في الدُّنيا كالملوكِ على الأسرَّة، ولا يبالون بأحدٍ.

(قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ) أي فنام (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الأُولَى) قيل رؤياه الثَّانية كانت في شهداء البرِّ، فوصف حال البر والبحر بأنَّهم ملوك على الأسرَّة، حكاه ابن التِّين وغيره.

(قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) خطاب لأمِّ حرام، وأراد بالأوَّلين هم الذين عرضوا أولًا، وهم الذين يركبون ثبج البحر (فَرَكِبَتِ) أي أم حرام (الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ) وكانت غزت مع زوجها في أوَّل غزوة كانت إلى الرِّوم في البحر مع معاوية زمن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين. وقال ابن زيد سنة سبع وعشرين، وقيل بل كان ذلك في خلافة

ج 13 ص 178

معاوية رضي الله عنه على ظاهره، والأوَّل أشهرُ، وهو ما ذكره أهل السِّير، وفيه هلكت.

وقال الكِرماني واختلفوا في أنَّه متى جرت الغزوة التي توفِّيت فيها أمُّ حرام رضي الله عنها؛ فقال البخاري ومسلم في زمن معاوية. وقال القاضي أكثر أهل السِّير أنَّ ذلك كان في خلافة عثمان رضي الله عنه، فعلى هذا يكون معنى قولها في زمن معاوية؛ زمان غزوة معاوية في البحر، لا زمان خلافته. وقال ابنُ عبد البرِّ إنَّ معاوية غزا تلك الغزوة بنفسه. انتهى.

قال العيني كان عمر رضي الله عنه قد منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم، واستأذنه معاوية في ذلك فلم يأذن له، فلمَّا ولي عثمان رضي الله عنه استأذنه فأذن له، وقال (( لا نُكْرِه أحدًا، مَنْ أراد طائعًا فاحمله ) )، فسار في جماعة من الصَّحابة منهم أبو ذرٍّ وعبادة بن الصَّامت، ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان وشدَّاد بن أوس وأبو الدَّرداء في آخرين.

وهو أوَّل من غزا الجزائر في البحر، وصالحه أهل قُبْرُس على مال، والأصحُّ أنَّها فتحت عنوة، ولما أرادوا الخروج منها قدمت لأمِّ حرام بغلة لتركبها فسقطتْ عنها فماتت هنالك، فقبرها هنالك يعظِّمونه ويستسقون به ويستشفون به، ويقولون قبر المرأة الصَّالحة. فقوله حين خرجت من البحر، أراد به حين خروجها من البحر إلى ناحية الجزيرة، والله أعلم.

وفي الحديث جواز دخول الرَّجل على محرمه وملامسته إيَّاها والخلوة بها والنَّوم عندها. وفيه إباحة ما قدَّمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأنَّ الأغلب أنَّ ما في البيت من الطَّعام هو للرَّجل.

قال ابن بطَّال ومن المعلوم أنَّ عبادة وكل المسلمين يسرُّهم دخول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته.

وقال ابن التِّين يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها؛ لعلمه أنَّه كان يسرُّ بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها. واعترض عليه القرطبي فقال حين دخوله صلى الله عليه وسلم على أمِّ حرام لم تكن زوجًا لعبادة كما يقتضيه ظاهر اللَّفظ، إنَّما تزوَّجته

ج 13 ص 179

بعد ذلك بمدَّة، كما جاء في رواية عند مسلم فتزوَّجها عبادة بعد. وفيه جواز فلي الرَّأس وقتل القمل وغيره من المؤذيات، قيل وهو مستحبٌّ، وفيه نوم القائلة؛ لأنه يعين البدن لقيام اللَّيل.

وفيه جواز الضَّحك عند الفرح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ضحك فرحًا وسرورًا بكون أمَّته تبقى بعده متظاهرين على أمور الإسلام، قائمين بالجهاد، وأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتَّى في البحر. وفيه جواز ركوب البحر للغزو. وقال سعيد بن المسيَّب كان أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر، منهم طلحة وسعيد بن زيد، وهو قول جمهور العلماء إلَّا عمر بن الخطَّاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، فإنَّهما منعا من ركوبه مطلقًا. ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدُّنيا لا للآخرة. وكره مالك ركوبه للنِّساء مطلقًا، لما يخاف عليهنَّ من أن يطلعن على عورة، وخصَّه بعضهم بالسُّفن الصغار دون الكبار، والحديث يخدش فيه.

فإن قيل روى أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تركب البحر إلَّا حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا، فإنَّ تحت البحر نارًا، وتحت النَّار بحرًا ) ).

فالجواب أنَّ هذا حديث ضعيفٌ، ولما رواه الخلَّال في «علله» من حديث ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرفعه قال قال ابن معين هذا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم منكر.

وفيه إباحة الجهاد للنِّساء في البحر، وقد ترجم البخاري لذلك كما سيأتي [خ¦2875] . وفيه أنَّ الوكيل أو المؤتمن إذا علم أنَّه يسرُّ صاحب المنزل فيما فعله في ماله جاز له فعل ذلك. واختلف العلماء في عطيَّة المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وقد مرَّ هذا في (( الزَّكاة ) ) [خ¦1439، وما بعده] . وفيه أنَّ الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماض إلى يوم القيامة، وفيه تمنِّي الغزو والشَّهادة حيث قالت أم حرام (( ادعُ الله أن يجعلني منهم ) ). وفيه علم من أعلام النبوَّة.

وذلك أنَّه أخبر فيه بضروب الغيب قبل وقوعها منها جهاد أمَّته في البحر، وضحكه دالٌّ على أنَّ الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم. ومنها الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم وهو قوله (( يركبون ثبج هذا البحر ) ). ومنها قوله لأمِّ حرام (( أنت من الأوَّلين ) )، فكان كذلك.

ج 13 ص 180

ومنها الإخبار ببقاء أمَّته من بعده، وأن يكون لهم شوكة، وأنَّ أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وأنَّها تكون معهم، وقد وُجِدَ من فضل الله كلُّ ذلك، وكلُّ ذلك لا يُعْلَم إلَّا بوحي.

وفيه أنَّ رؤيا الأنبياء عليهم السَّلام حقٌّ، وفيه ضحك المبشر إذا بشِّر بما يسرُّه، كما فعل الشَّارع صلى الله عليه وسلم. وفيه فضل لمعاوية رضي الله عنه بأنَّ الله قد بشَّر به نبيه صلى الله عليه وسلم في النَّوم؛ لأنَّه أوَّل من غزا في البحر، وجعل من غزا تحت رايته من الأوَّلين. وفيه أنَّ الموت في سبيل الله شهادة.

وقال ابن أبي شيبة ثنا يزيد بن هارون ثنا أنس بن عوف، عن ابن سيرين، عن ابن العجفاء السلمي قال قال عمر رضي الله عنه قال محمَّد صلى الله عليه وسلم (( من قُتِلَ في سبيل الله أو مات فهو في الجنَّة ) ).

وفيه دَلالة على أنَّ من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدةٍ له من الأجر مثل ما للمباشر، وكانت النِّساء إذا غزون يسقينَ الماء، ويداوين الكَلْمَى، ويصنعنَ لهم طعامهم وما يصلحهم فهذه مباشرة. وفيه أنَّ الموت في سبيل الله والقتل سواء أو قريب من السَّواء في الفضل، قاله أبو عمر قال وإنَّما قلتُ أو قريب من السَّواء؛ لاختلاف النَّاس في ذلك، فمن أهل العلم من جَعَل الميِّت في سبيل الله والمقتول سواء.

واحتجَّ بقوله تعالى {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج 58] ، وبقوله تعالى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء 100] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عتيك (( من خرج مجاهدًا في سبيل الله فخرَّ عن دابته أو لدغته حيَّة، فمات حتفَ أنفه فقد وقعَ أجره على الله ) ).

وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( من قتلَ في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ) ).

وروى أبو داود من حديث بقيَّة، عن عبد الرَّحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن ابن غنم، عن أبي مالك الأشعري، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من وقصه فرسه أو بعيره

ج 13 ص 181

أو لدغتْه هامّةٌ، أو مات على فراشه على أيِّ حتفٍ شاء الله تعالى فهو شهيد )) . وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

وذكر الحلواني في كتاب «المعرفة» فقال ثنا أبو عليٍّ الحنفي ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عُمير قال قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه من حبسه السُّلطان وهو ظالم له فمات في محبسهِ ذلك فهو شهيدٌ، ومن ضربه السُّلطان ظالمًا فمات من ضربه ذلك فهو شهيدٌ، وكلُّ موتةٍ يموت بها المسلم فهو شهيدٌ غير أنَّ الشَّهادة تتفاضل.

وروى الحاكم من حديث كعب بنِ عُجْرة قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمر يوم بدر ورأى قتيلًا (( يا عمرُ إنَّ للشُّهداء سادة وأشرافًا وملوكًا، وإنَّ هذا منهم ) ). واختلفوا في شهيد البحرِ؛ هل هو أفضلُ أم شهيد البر، فقال قوم شهيدُ البر، وقال قوم شهيدُ البحر.

قال أبو عمر ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ البحر إذا ارتجَّ لم يَجُزْ ركوبه لأحد بوجهٍ من الوجه حين ارتجاجهِ، والذين رجَّحوا شهيد البحر، احتجُّوا بما رواه ابنُ أبي عاصم في كتاب «الجهاد» ، عن الحسن بن الصبَّاح ثنا يحيى بن عبد العزيز، عن عبد العزيز بن يحيى حدَّثنا سعيد بن صفوان، عن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة سمعتُ عبد الله بن عَمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الشَّهادة تكفِّر كلَّ شيء إلَّا الدَّين، والغزو في البحر يكفِّر ذلك كلَّه ) ).

وفي حديث عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيُّوب، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عَمرو مرفوعًا (( غزوةٌ في البحر خيرٌ من عشر غزواتٍ في البرِّ ) ). وروى أبو داود من حديث يعلى بن شدَّاد، عن أمِّ حرام، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( المائِدُ في البحر الذي يُصِيْبُه القيءُ له أجر شهيدٍ، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين ) ).

وروى ابن ماجه من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( غزوةٌ في البحر مثل عشر غزوات في البرِّ، والذي يَسْدَر في البحر كالمتشحِّط في دمه في سبيل الله ) ).

وروى ابن ماجه أيضًا من حديث سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة رضي الله عنه

ج 13 ص 182

يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البحر، وما بين الموجتين كقاطع الدُّنيا في طاعة الله، فإنَّ الله وكَّل ملك الموت بقبض الأرواح إلَّا شهيد البحر، فإنَّه يتولَّى قبض أرواحهم، ويغفرُ لشهيد البر الذُّنوب كلَّها إلَّا الدَّين، ولشهيد البحر الذُّنوب والدَّين ) ).

قوله المائد هو الذي يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السَّفينة بالأمواج.

قوله الغرِق _ بكسر الراء _ الذي يموت بالغَرَقِ، وقيل هو الذي غلبه الماء ولم يغرق، فإذا غَرِقَ فهو غريق.

قوله والذي يَسْدَر، من السَّدَر _ بالتحريك _ وهو تحيُّر البصر، وكثيرًا ما يعرض لراكب البحر، يقال سَدِر يَسْدَر سَدَرًا.

قوله كالمتشحِّط في دمه هو الذي يتمرغَّ ويضطرب ويتخبَّط في دمه.

هذا، وقال ابن التِّين ليس في الحديث تمنِّي الشَّهادة، وإنَّما فيه تمنِّي الغزو، فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة. ويجاب عنه بأنَّ الثَّمرة العظمى من الغزو هي الشَّهادة، فتمنِّي الغزو هو تمني الشَّهادة والله أعلم.

والحديث أخرجه المؤلِّف في الرُّؤيا [خ¦7001] ، والاستئذان أيضًا [خ¦6282] ، وأخرجه مسلم في الجهاد، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي فيه، وقال التِّرمذي حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت