فهرس الكتاب

الصفحة 4381 من 11127

2801 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضي، والحوضي نسبة إلى حوض داود، وهي محلة ببغداد، وهو من أفراد البخاري، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بالتشديد، هو ابنُ يحيى البصري (عَنْ إِسْحَاقَ) هو ابنُ عبد الله بن أبي طلحة (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) قال الدِّمياطي هو وهمٌ، فإنَّ بني سليم مبعوثٌ إليهم، والمبعوثُ هم الفقراء وهم من الأنصار.

وقال الكِرمانيُّ بنو سُلَيْم، بضم المهملة وفتح اللام وسكون التحتانية، قيل إنَّه وهم من المؤلِّف؛ إذ المبعوث إليهم هم من بني سليم؛ لأنَّ رعلًا هو ابنُ مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهْثة، بضم الموحدة وسكون الهاء وبالمثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة، بالمعجمة ثم المهملة والفاء المفتوحات، وذكوان هو ابنُ ثعلبة بن بُهْثة.

وعصيَّة هو ابن خُفَاف، بضم المعجمة وتخفيف الفاء الأولى، ابن امرئ القيس بن بُهْثة.

وقال الجوهريُّ رعل وذكوان قبيلتان من بني سُلَيم، وعصيَّة بطنٌ من سليم.

وقال الحافظُ العسقلاني والوهم في هذا السِّياق من حفص بن عمر شيخ البُخاري، فقد أخرجه هو في «المغازي» عن موسى بن إسماعيل، عن همَّام فقال بعث أخًا لأمِّ سُليم في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطُّفيل، الحديث. فلعلَّ الأصل بعث أقوامًا معهم أخو أمِّ سليم إلى بني عامر فصحَّف بقوله من بني سُليم.

وقال الكرمانيُّ لا وهْمَ في كلامِ البخاري إذ يجوزُ أن يقال إنَّ أقوامًا منصوبٌ بنزعِ الخافض؛ أي إلى أقوامٍ من بني سُلَيم منضمِّين إلى بني عامر، وحذف مفعول بعثَ اكتفاء بصفة المفعول عن المفعول؛

ج 13 ص 204

أي بعث بعثًا، أو طائفةً في جملةِ سبعين، أو كلمة في تكون زائدة، وسبعين هو المفعول.

ومثله قوله

~وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافٍ

أي الرَّحمن كاف. وقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ} [الأحزاب 21] ، وأهل المعاني يسمُّونها بفي التَّجريدية.

وقد يُجاب أيضًا بأنَّ كلمة من ليست بيانيَّة بل ابتدائيَّة؛ أي بعثٌ من جهتهم أو بَعَثَ بعثًا يُساويهم بنو سليم. انتهى.

ولا يخفى أنَّ هذا كله تعسُّف، أمَّا النَّصب بنزعِ الخافضِ فهو خلاف الأصل، وإن كان موجودًا في الكلام، وأمَّا حذف المفعول فشائعٌ لكن لا بدَّ من نُكتة فيه، وأمَّا القول بزيادةِ كلمةِ (في) فغيرُ ثابتٍ، والذي أجازهُ خصَّه بالضَّرورة ولا ضرورة هاهنا.

وأمَّا تمثيله بقول الشَّاعر

~وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافٍ

فلا يتمُّ لأنَّه من باب الضَّرورة على أنَّه يمكن أن يقال إنَّ كاف هنا بمعنى كفاية؛ لأنَّ وزن كاف في الأصل فاعل، وفاعل يأتي بمعنى المصدر، كما في قوله تعالى {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة 2] ؛ أي تكذيب، فإنَّ كاذبة على وزن فاعلة، وهو بمعنى المصدر، ولا يبعد أن تكون من ابتدائية وإن كان الظَّاهر أن تكون بيانية، والله تعالى أعلم.

(إِلَى بَنِي عَامِرٍ) أي منضمِّين إلى بني عامر، كما تقدَّم (فِي سَبْعِينَ رَجُلًا) وهؤلاء السَّبعون هم المشهورون بالقراء؛ لأنَّهم كانوا أكثر قراءةً من غيرهم.

قال التُّوربشتي كانوا من أوزاع النَّاس ينزلون الصفة يتعلَّمون القرآن، وكانوا رِدْءًا للمسلمين إذا نزلتْ بهم نازلة، بعثَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهلِ نجدٍ ليدعوهُم إلى الإسلام، فلمَّا نزلوا بئر مَعونة، بفتح الميم وبالنون، قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحياءٍ من بني سُليم وهم رِعْل وذَكوان وعُصيَّة، فقتلوهم.

وكان سببُ بعثهم أنَّه قدم أبو براء عامر بن مالك الكلابي، المعروف بملاعبِ الأسنَّة على المصطفى صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، وقال لو بعثت معي رجالًا إلى أهل نجدٍ رجوتُ أن يجيبوا قال (( أخشى عليهم ) )قال أنا لهم جارٍ فبعثهُم فقتلوهم، فلمَّا بلغ المصطفى صلى الله عليه وسلم قال (( هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا متخوِّفًا ) )، فبلغ ذلك أبا براء فمات أسفًا على ما صنع ابن الطُّفيل، وكان ذلك في صفر سنة أربعٍ من الهجرة.

وأغرب مكحولٌ حيث قال إنَّها كانت بعد الخندق، وقال ابنُ إسحاق فأقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد أحدٍ بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ثمَّ بعث أصحاب بئر معونة

ج 13 ص 205

في صفر على رأس أربعة أشهرٍ من أحد.

وقال موسى بن عقبة وكان أميرَ القوم المنذر بن عمرو، ويقال مرثد بن أبي مرثد، والصَّحيح هو الأوَّل، وإنَّما بعث مرثد إلى الرَّجيع ماء لهذيل بين مكَّة، وعسفان بناحية الحجاز مع ستَّة نفرٍ ليعلِّموا بني لحيان دينهم بطلبٍ منهم فغَدَروهم.

وسيأتي في أواخر الجهاد، في باب دعاء الإمام [خ¦3170] أنَّه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من بني سُليم حين قتلوا القراء السَّبعين، وهو أصرحُ في المقصود.

فائدة الطُّفيل هو ابنُ مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، فهوازن هو أخو سليم، وأمَّا بنو عامر فهم أولاد عامر بن صعصعة، بالمهملات.

(فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي) هو حرام بن مِلحان، بكسر الميم، الأنصاري (أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي، حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلاَّ) أي وإن لم يؤمِّنوني (كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ) أي يحدِّث بني سليم (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ) للمفاجأة (أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ) بالفاء والذال المعجمة، من نفذَ السَّهم؛ أي مضى.

(فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلاَّ رَجُلًا) بالنَّصب، قيل هو كعبُ بن زيد، وكان رجلًا شجاعًا، وفيه نظرٌ، وقال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّوايات كتب بدون الألف على اللغة الرِّبعيَّة (أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ، قَالَ هَمَّامٌ) وهو من رواة الحديث المذكور في السَّند (وَأُرَاهُ) أي أظنُّه، ويروى بالفاء (آخَرَ مَعَهُ) وروي أنَّهم نزلوا بئر معونة وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى عدوِّ الله عامر بن الطُّفيل العامري، ومات كافرًا، وليس هو عامر بن الطُّفيل الأسلمي الصَّحابي، فلم ينظر في كتابه وقتل الرَّجل ثمَّ استصرخ على بني عامر فلم يُجيبوه، وقالوا لن نَخْفِرَ جوار ملاعب الأسنَّة، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصيَّة وذكوان وغيرهما فنفروا معه حتَّى أحاطوا بالقوم في رحالهم، فلمَّا رأوهم أخذوا سُيوفهم وقاتلوهم فاستشهد السَّبعون كلُّهم.

(فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ) أي في جملة القرآن (أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا، أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا) يعني أنَّه أنزل الله تعالى هذه الجملة في حقِّهم (ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ فَدَعَا) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ) بدل من عليهم، بإعادة العامل كقوله تعالى {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف 75] ، ورِعْل بكسر الراء وسكون العين المهملة وباللام.

(وَذَكْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف (وَبَنِي لِحْيَانَ) بكسر اللام وسكون الحاء المهملة

ج 13 ص 206

وبالتحتانية والنون، هو ابنُ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر (وَبَنِي عُصَيَّةَ) بضم العين المهملة وفتح الصاد وتشديد المثناة التحتية (الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) واختلفَ في بني لحيان هل هم شاركوا السلميِّين في قتل القرَّاء، أو دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لجهةٍ أُخرى؟

قال المُناويُّ في «الفتوحات السبحانية» وأمَّا بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرَّجيع، وأتى الخبر إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم في وقتٍ واحدٍ فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا، والله تعالى أعلم.

وممَّا يستفاد من الحديث جواز الدُّعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم والإعلان بأسمائهم والتَّصريح بذكرهم. وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه في باب قوله تعالى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران 169] أنَّه دعا عليهم ثلاثين صباحًا، وهنا أربعين صباحًا.

وفي «المستدرك» قنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في كون هذا البعث المذكور قد نكبوا في سبيل الله بالقتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت