فهرس الكتاب

الصفحة 4382 من 11127

2802 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح اليشكُري (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابنُ قيس، أخو علي بن قيس البجلي الكوفي، وفي رواية عن الأسود هو ابن قيس (عَنْ جُنْدبِ بْنِ سُفْيَانَ) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة وضمها، هو ابن عبد الله بن سفيان البجلي، وقد تقدَّم ذكرهما في العيدين، في باب النَّحر [خ¦985] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ) أي المغازي وسمِّيت بها؛ لأنَّها مكان الشَّهادة (وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ) يقال دَمِي الشَّيءُ يَدْمَى ودُمِيًّا فهو دَمٍ، مثل فَرِقَ يَفْرَق فَرْقًا فهو فَرِق.

والإصبع فيها عشر لغاتٍ، والعاشر الأصبوع، والمعنى أنَّ إصبعه جُرِحَتْ فظَهَرَ منها الدَّم.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَلْ أَنْتِ) أي ما أنت (إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ) قال النَّووي الرِّواية المعروفة كسر التاء وسَكَّنَها بعضُهم، وهو صفةُ الإصبع، والمستثنى منه أعمُّ عام الصِّفة؛ أي ما أنت يا إصبع موصوفة بشيءٍ إلَّا بأن دميت كأنَّها لمَّا توجَّعت خاطبها على سبيل الاستعارة، أو الحقيقة معجزة تسلية لها؛ أي تثبَّتي فإنَّك ما ابتليت بشيءٍ من الهلاك،

ج 13 ص 207

والقطع سوى أنَّكِ دميت، ولم يكن ذلك أيضًا هدرًا بل كان ذلك في سبيلِ الله ورضاه، كما قال (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) قيل كان ذلك في غزوة أحدٍ.

وفي «صحيح مسلم» (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غارٍ فنكبت إصبعه ) )، وقال القاضي عياض قال أبو الوليد لعلَّه كان غازيًا، فتصحَّف كما في الرِّواية الأخرى في بعض المشاهد، وكما جاء في رواية البخاري (( يمشي إذ أصابه حجرٌ ) )، فقال القاضي عياض قد يراد بالغار الجمع والجيش لا الكهف، ومنه قول عليٍّ رضي الله عنه (( ما ظنُّك بامرئ جمع بين هذين الغارين ) )؛ أي العسكرين.

قال الكِرماني فإن قلت هذا شعر، وقد نفى الله تعالى عنه أن يكون شاعرًا بقوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس 69] .

قلت أجابوا عنه بوجوهٍ

بأنَّه رجز، والرَّجز ليس بشعرٍ، كما هو مذهب الأخفش، وإنَّما يقال لصانعه الرَّاجز، ولا يقال الشَّاعر، إذ الشعر لا يكون إلَّا بيتًا تامًّا مقفَّى على أحد أنواع العروض المشهورة، وبأن الشِّعر لا بدَّ فيه من قصد ذلك فما لم يكن مصدرُه عن نيةٍ له وَرَوِيَّة فيه، وإنَّما هو اتِّفاق كلامٍ يقع موزونًا بلا قصدٍ إليه، ليس منه كقوله {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ 13] .

وكما يُحكى عن بعض السُّؤَّال اختموا صلاتكم بالدُّعاء والصَّدقة، وعن بعض المرضى وهو يعالَج بالكيِّ ويتضوَّر اذهبوا بي إلى الطَّبيب وقولوا قد اكتوى، وبأنَّ البيت الواحد لا يُسمَّى شعرًا.

وقال بعضهم {مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} هو ردٌّ على المشركين في قولهم {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء 5] ، وما يقعُ على سبيل النُّدرة لا يلزم منه هذا الاسم، إنَّما الشَّاعر هو الذي ينشد الشِّعر ويشبب ويمدح ويذمُّ ويتصرَّف في الأفانين، وقد برَّأ الله رسوله عن ذلك وصانَ قدرَه عنه.

فالحاصل أنَّ المنفي هو صنعة الشَّاعرية لا غير. وقال القاضي عياض هو بغير مدٍّ يستغني عن الاعتذار، وهو غفلةٌ منه؛ لأنَّ الرِّواية بالمدِّ. وقال النَّووي القراءةُ المعروفة بكسر التاء وبعضُهم أسكنها.

وفي «التوضيح»

ج 13 ص 208

هل أنتِ إلَّا إصبعٌ إلى آخره رجز موزونٌ، وقد يقعُ على لسانه صلى الله عليه وسلم مقدار البيت من الشِّعر، أو البيتين من الرجز كقوله (( أنا النَّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) )فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس 69] والله يتعالى عن أن يقع شيءٌ ممَّا أخبر أنَّه لا يقع أو يوجد على خلاف ما أخبر به.

ووقوع الكلام الموزون في النَّادر من غير قصدٍ فليس بشعرٍ؛ لأنَّ ذلك غير ممتنعٍ على أحد من العامة والباعة بل يقع لواحدٍ منهم كلام موزون، ولا يكون بذلك شاعرًا مثل قوله

اسقني في الكوز ماءً يا فلان وأسرج البغلَ وجئني بالطَّعام

فهذا القدر ليس بشعرٍ، والرجز ليس بشعرٍ، قاله القاضي أبو بكر بن الطَّيب وغيره. وقال ابن التِّين هذا الشِّعر لابن رواحة، وفيه نظرٌ. وقيل لمَّا دعا النَّبي صلى الله عليه وسلم للوليد باع ماله بالطَّائف وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطَّعت رجلاه وأصابعه فقال

~هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيْتِ وَفِي سَبِيْلِ اللَّهِ مَا لَقِيْتِ

يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوْتِي

ومات في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال العينيُّ الوليد هذا هو أخو خالدِ بن الوليد سيف الله.

وقال أبو عُمر قال مصعب شهدَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمْرة القضية، وكتب إلى أخيه خالد، وكان خالد خرج من مكة فارًّا لئلَّا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكَّة كراهةً للإسلام وأهله، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد وقال لو أتانا لأكرمناهُ، فكتب بذلك الوليدُ إلى أخيه خالد فوقع الإسلام في قلبِ خالدٍ، وكان سبب هجرته رضي الله عنه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذُ من قوله وقد دميتْ إصبعه؛ لأنَّه نكبَ إصبعه صلى الله عليه وسلم، ووقع في كتاب الأدب بلفظ [خ¦6146] (( فَدَمِيَتْ إصبعه ) )، وهو أصرح في المطابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت