2803 -(حَدَّثَنَا
ج 13 ص 209
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ)التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ) على البناء للمفعول من الكَلْم، وهو الجرح، وفي رواية همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا يكلم مسلمٌ ) )فقيَّده بالمسلم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يريد به الجهاد، ويدخل فيه كلُّ من خرج لتحصيل رِضَى الله تعالى وكلُّ ما وقع فيه المرء بحقٍّ فأصيب فهو مجاهدٌ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) جملةٌ معترضةٌ، أشارَ بها إلى شرطيَّة الإخلاص في نيلِ هذا الثَّواب (إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) الواو للحال. وفي رواية همام (( والعُرَف عَرْف المسك ) )والعَرْف، بفتح المهملة وسكون الراء بعدها فاء، بمعنى الرَّائحة.
ولأصحاب السُّنن وصحَّح التِّرمذي وابن حبَّان والحاكم من حديث معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه (( من جُرِحَ جَرْحًا في سبيل الله أو نكب نكبةً فإنَّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت؛ لونها الزعفران وريحها المسك ) ).
وعرف بهذه الزِّيادة أنَّ الصِّفة المذكورة لا تختصُّ بالشَّهيد، بل هي حاصلة لكلِّ من جُرِحَ.
ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندملُ في الدُّنيا، وإنَّ أثر الجراحة وسيلان الدنيا يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة، لكن الظَّاهر أنَّ الذي يجيءُ يوم القيامة وجرحُه يثعبُ دمًا من فارق الدُّنيا وجرحه كذلك.
ويؤيِّده ما وقع عند ابن حبَّان في حديث معاذ رضي الله عنه (( عليه طابع الشُّهداء ) ).
وقوله (( كأغزر ما كانت ) )لا ينافي قوله (( كهيئتها ) )؛ لأنَّ المراد أنَّها لا تنقص شيئًا بطول العهد، وفي الحديث أنَّ الشَّهيد يبعثُ في حالته وهيئته التي قبض عليها.
قال العلماء والحكمة فيه أن يكون معه شاهدُ فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى، وفيه أنَّ الشَّهيد يدفنُ بدمائهِ وثيابه ولا يُزال عنه الدَّم
ج 13 ص 210
بغسل ولا غيره ليجيء يوم القيامة، كما وصف النَّبي صلى الله عليه وسلم. ونظر فيه الحافظ العسقلاني فقال لا يلزم من غسل الدَّم في الدُّنيا أن لا يبعث كذلك، ويغني عن الاستدلال لترك الغسل في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد (( زمِّلوهم بدمائهم ) ) [خ¦4079] ، كما سيأتي بسطه في محلِّه إن شاء الله تعالى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ أحدًا ما ادَّعى الملازمة، بل المراد أن لا يتغيَّر عن هيئته التي مات عليها.
وفيه دلالةٌ على أنَّ الشَّيء إذا حال عن حالةٍ إلى غيرها كان الحكم للذي حال إليه كاستحالة الخمر إلى الخل.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( لا يكْلم أحدٌ في سبيل الله ) )؛ لأنَّ الكَلْم هو الجرح كما عرفت، والحديث قد مضى في كتاب الطَّهارة، في باب ما يقع من النَّجاسات في السَّمن والماء [خ¦237] ، ولكن بغير هذا الوجه، والمعنى واحدٌ، والله تعالى أعلم.