فهرس الكتاب

الصفحة 4424 من 11127

2826 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان، كذا هو في «الموطأ» ولمالك فيه إسنادٌ آخر رواه أيضًا عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه، أخرجه الدَّارقطني (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَضْحَكُ اللَّهُ)

ج 13 ص 275

الضَّحك وأمثاله إذا أطلقت على الله تعالى يراد بها لوازمها مجازًا ولازم الضَّحك الرِّضا، وفي رواية النَّسائي من طريق ابن عيينة، عن أبي الزِّناد (( إنَّ الله يعجب من رجلين ... ) )إلى آخره.

قال الخطَّابي الضَّحك الذي يعتري البشر عندما يستخفُّهم الفرح أو يستنفرهم الطَّرب غيرُ جائزٍ على الله تعالى، وإنَّما هو مثل ضرب لهذا الصَّنيع الذي هو مكان التَّعجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه في صفة الله تعالى الإخبار عن الرِّضا بفعل أحدهما والقبول للآخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنَّة مع اختلاف أحوالهما، وتباين مقاصدهما.

قال وقد تأول البخاري الضَّحك في موضعٍ آخر على معنى الرَّحمة وهو قريب، وتأويله على معنى الرِّضا أقرب، إذ معلومٌ أنَّ الضَّحك يدلُّ على الرِّضا وقبول الوسيلة وإنجاح الطَّلِبَة، والكرام يُوصَفُون عند ما يَسألهم السَّائلُ بالبِشْر وطلاقةِ الوَجه وحُسْن اللِّقاء، فيكون المعنى في قوله (( يضحك الله ) )أنَّ الله يجزل العطاء لهما؛ لأنَّه هو مقتضى الضَّحك وموجبه.

قال الشَّاعر

~غَمْرُ الرِّداءِ إِذَا تَبَسَّم ضَاحِكًا غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ

قال وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما، وهذا مخرجٌ على المجاز، ومثله في الكلام كثيرٌ.

وقال ابن حبَّان في «صحيحه» يريد أضحكَ الله ملائكته من وجود ما قضى. وقال ابنُ فورك أي يبدِي الله من فضله توفيقًا لهذين الرَّجلين، كما تقول العرب ضحكتِ الأرض من النَّبات، إذا ظهر فيها، وكذلك قالوا للطَّلع إذا تفتَّق عنه كفري الضحك؛ لأجل أنَّ ذلك يبدو منه، ومنه البياض الظَّاهر كبياض الثَّغر.

وقال الدَّاودي أراد قبولَ أعمالهما ورحمتهما والرِّضا عنهما. وقال ابن الجوزي كان أكثر السَّلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويُمرُّونه كما جاء، وينبغي أن يراعى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنَّه لا تُشْبِهُ صفاتُ الله تعالى صفاتَ الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التَّنزيه.

وقال الحافظ العسقلاني ويدلُّ على أنَّ المراد بالضَّحك الإقبال بالرِّضا تعديتُه بإلى حيث قال صلى الله عليه وسلم (( يضحك الله ) ) (إِلَى رَجُلَيْنِ) يقال ضحك فلان

ج 13 ص 276

إلى فلان، إذا توجَّه إليه وأقبل عليه طلق الوجه مظهرًا للرِّضا عنه (يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَدْخُلاَنِ الْجَنَّةَ) في محلِّ الجر على أنَّها صفة رجلين، وفي رواية مسلم من طريق همَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه قالوا كيف يا رسول الله؟ قال (يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ) على البناء للمفعول، وزاد في رواية همام (( فيلج الجنَّة ) ) (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ) فيسلم (فَيُسْتَشْهَدُ) وفي رواية همام (( فيهديه إلى الإسلام ثمَّ يجاهد في سبيل الله فيستشهد ) )، ويستفاد من هذا الحديث أنَّ كلَّ من قتل في سبيل الله فهو في الجنَّة.

وقال ابن عبد البر معنى هذا الحديث عند أهل العلم أنَّ القاتل الأول كان كافرًا.

وقال الحافظ العسقلاني وهو الذي استنبطه البخاريُّ في ترجمته، ولكن لا مانع أن يكون مسلمًا لعموم قوله (( ثمَّ يتوب الله على القاتل ) )، كما لو قتل مسلم مسلمًا عمدًا بلا شبهةٍ ثمَّ تاب القاتل واستشهد في سبيل الله، وإنَّما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أنَّ قاتل المسلم عَمْدًا لا تُقْبَلُ له توبةٌ.

وسيأتي البحث فيه في (( تفسير سورة النِّساء ) )إن شاء الله تعالى [خ¦4590 وما بعده] .

ويؤيِّد الأول ما وقع في رواية همام (( ثمَّ يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ) )، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق الزُّهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ قيل كيف يا رسول الله؟ قال (( يكون أحدهما كافرًا فيقتل الآخر، ثمَّ يسلم فيغزو فيقتل ) )والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة قد مرَّ تقريرها في أوَّل الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت