2827 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة، هو عبد الله بن الزبير، أبو بكرٍ، منسوب إلى أحد أجداده، حميدُ بن زهير، وهو بطنٌ من قريش، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) هو ابنُ شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْبَسَةُ) بفتح المهملة وسكون النون وفتح الموحدة وبالسين المهملة (ابْنُ سَعِيدٍ) أي ابن أبي العاص بن أُميَّة الأُموي.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية التِّرمذي عن الزُّهري التَّصريح بسماع عنبسةَ له من أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه(قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
ج 13 ص 277
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ بِخَيْبَرَ)جملة حالية (بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا) وكان افتتاحها سنة سبعٍ على المشهور، وقيل سنة ست (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) هو أبان بن سعيد بن العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأُموي. قال الزُّبير تأخَّر إسلامه بعد إسلام أخويه خالد وعمرو، ثمَّ أسلم أبان وحَسُن إسلامُه، قال أبو عمر كان إسلام أبان بن سعيد بين الحديبية وخيبر، وقال ابنُ إسحاق قتل أبان وعمرو ابنا سعيد بن العاص يوم اليرموك، ولم يُتَابَعْ عليه ابن إسحاق، وكانت اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه.
وقال موسى بن عقبة قتل أبان يوم أجنادين، وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وقيل إنَّه قتل يوم مَرْج الصُّفَّر، وكان في صدر خلافة عمر رضي الله عنه سنة أربع عشرة، وكان الأمير يوم مَرْج الصُّفَّر خالد بن الوليد رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.
(لاَ تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا قَاتِلُ بْنِ قَوْقَلٍ) هو النُّعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم، بالصاد المهملة، بن فهر بن ثعلبة بن غَنْم، بفتح الغين المعجمة وسكون النون بعدها ميم، بن عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي.
وقَوْقَل على وزن جَعْفَر لقب ثعلبة، وقيل لقب أصرم، وقد يُنْسَبُ النُّعمان إلى جدِّه فيقال له النُّعمان بن قَوْقَل، شهد بدرًا، وقُتِلَ يوم أُحد شهيدًا، وهو الذي قال يوم أحد وكان أعرج أقسمتُ عليك يا ربِّ أن لا تغيب الشَّمس حتَّى أطأَ بعرجتي هذه خضر الجنَّة، فاستشهد ذلك اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ النُّعمان ظنَّ بالله ظنًّا فوجده عند ظنِّه، فلقد رأيتُه في الجنَّة يطأُ خضرها ما به عرجٌ ) ).
وذكر بعض أهل «المغازي» أنَّ صفوان بن أميَّة هو الذي قتله، وهو مرجوحٌ بهذا الحديث الذي في البخاري، ولعلَّهما جميعًا اشتركا في قتله.
ثمَّ إنَّ في رواية
ج 13 ص 278
أبي داود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد بن العاص على سريَّة من المدينة قِبَل نجدٍ فقدم أبان وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحهَا، فقال أبان أقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة رضي الله عنه لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان أنت بها يا وَبْرُ تحدَّر علينا من رأس ضالٍ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اجلس يا أبان ) )ولم يقسم لهم.
وفي لفظ فقال سعيد بن العاص يا عجبًا لوَبْر، قال أبو بكر الخطيب، كذا عند أبي داود فقال سعيد وإنَّما هو ابنُ سعيد، واسمه أبان، قال والصَّحيح أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه هو السَّائل، كما في البخاري. انتهى.
وقال العينيُّ على تقدير صحَّة حديث أبي داود ومقاومته لحديث البخاري يُحْمَلُ أنَّهما سألا جميعًا وأنَّ أحدهما جازى الآخر لما أسلفه من قوله لا تقسم له.
(فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَاعَجَبًا) بالتنوين، ويروى بدونه، وكلمة وا، هنا اسمٌ لأعجب، وانتصاب عجبًا به (لِوَبْرٍ) بفتح الواو وسكون الموحدة بعدها راء. قال ابن قرقول كذا لأكثر الرواة بسكون الموحدة، وهي دويبة غبراء، ويقال بيضاء على قدر السنور حسنة العينين من دوابِّ الجبال، وإنَّما قال له ذلك احتقارًا، وضبطها بعضهم بفتح الباء، وتأوَّله بأنَّه جمع وبَرة، وهي شعر الإبل؛ أي إن شأنه كشأن الوبرة؛ لأنَّه لم يكن لأبي هريرة رضي الله عنه عشيرةٌ.
وقال الخطَّابي أحسب أنَّها تؤكل؛ لأنِّي وجدت بعض السَّلف يوجب فيها الفدية. وقال القزَّاز هي ساكنة الباء، دويبة أصغر من السِّنَّور طحلاءُ اللَّون؛ يعني تشبه الطِّحال لا ذنبَ لها، وهي من دوابِّ الغور، والجمع وبار.
وفي «المحكم» على قدر السِّنور، والأنثى وَبْرة، والجمع وُبُور ووِبَار ووِبَارة وإِبَارة. وفي «الصحاح» تَدْجُنُ في البيوت؛ أي تقيم بها وتألفها.
وقال أبو موسى المديني في كتاب «المغيث» يجب على المحرم في قتلها شاة؛ لأنَّها تجار كالشَّاة، وقيل لأنَّ لها كرشًا مثل الشَّاة. وفي «مجمع الغرائب» عن مجاهد
ج 13 ص 279
في الوبْر شاة، فذكر مثله.
وفي «البارع» لأبي عليٍّ عن أبي حاتم الطَّائفيون يقولون لما يكون في الجبال من الحشرات الوبر وجمعًا الوِبَارة، ولغة أخرى الوَبارة، ولغة أخرى الإِبارة، بالكسر والهمزة.
وقال ابن بطَّال وإنَّما سكت أبو هريرة رضي الله عنه عن أبان في قوله هذا ولم يقابله؛ لأنَّه لم يَرْمه بشيءٍ ينقص دينه، إنَّما ينقصه بقلَّة العشيرة والعدد أو لضعف البنية.
(تَدَلَّى عَلَيْنَا) أي انحدر ونزلَ، ولا يخبر بهذا إلَّا عمَّن جاء من مكانٍ عالٍ، قال الطَّبري هذا هو المشهورُ عند العرب.
(مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ) قال ابن قُرْقول القَدوم بفتح القاف وتخفيف الدال، والضَّأن بفتح المعجمة وبالنون اسم موضع، وقيل الضَّأن هو الغنم، والقدوم مقدَّم شعره.
وقال الخطَّابي قدوم الضَّأن اسم جبلٍ أو ثنيَّة، وقيل ضأن جبلٍ في بلاد دوس، وقدوم طرف، وضمَّ المروزي القاف.
وتأوَّل بعضهم ذلك وقال أي المتقدِّم من الضَّأن؛ أي رؤوسها، قيل وهو وهم، وقال ابن بطَّال يحتمل أن يكون جمع قادم مثل ركوع وراكع، وسجود وساجد، ويكون المعنى تدلَّى علينا من جملة القادمين، أقام الصِّفة مقام الموصوف، ويكون من في قوله من قدوم، تبيين الجنس كما لو قال تدلَّى علينا من ساكني ضأن، ولا تكون من مرتبطة بتدلَّى، كما هي مرتبطة بالفعل في قولك تدلَّيت من الجبل لاستحالة تدلِّيه من قومٍ؛ لأنَّه لا يقال تدلَّيت من بني فلان.
قال ويحتملُ أن يكون مصدرًا وصف به الفاعلون، ويكون في الكلام حذفٌ تقديره تدلَّى علينا من ذوي قدوم، كما قالوا رجل صوم؛ أي ذو صوم، ومن على هذا التَّقدير أيضًا لتبيين الجنس.
قال ويحتمل أن يكون معناه تدلَّى علينا من مكان قدوم ضأن، ثمَّ حذف المكان وأقيم القدوم مكانه، وعن ابن دريد قدوم ثنيَّة بسراة أرض دوس.
وقال أبو عبيد رواه النَّاس عن البخاري ضأن، بالنون، إلَّا الهمداني، فإنَّه رواه من قدوم ضال، باللام، وهو الصَّواب إن شاء الله.
والضَّال السِّدر البرِّي، وأمَّا إضافة
ج 13 ص 280
هذه الثَّنية إلى الضال، فقال العيني لا أعلم لها معنى والأمر في ذلك سهلٌ، وقد مرَّ عن أبي داود باللام.
وقال ابن الجوزي كذا هو في أكثر الرِّوايات، وزعم أبو ذرٍّ الهروي أنَّ ضأن، بالنون، جبلٌ بأرض دوس، بلد أبي هريرة رضي الله عنه.
(يَنْعَى عَلَيَّ) من نعيتُ على الرَّجل فعله، إذا عبتَه عليه، وقوله (قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) بالنصب مفعول يَنْعَى، والمعنى يعيب عليَّ أنِّي قتلت رجلًا مسلمًا.
(أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ) حيث صار شهيدًا بواسطتي (وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ) إذ لو صرت مقتولًا على يديه لصرت مهانًا من أهل النَّار، إذ لم أكن حينئذٍ مسلمًا (قَالَ) أي ابن عيينة، أو من دونه إلى شيخ البخاري، قاله ابن التِّين.
(فَلاَ أَدْرِي أَأَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ، قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) هو معطوفٌ على قوله حدَّثنا الزُّهري، وهو موصولٌ بالإسناد الذي قبله، ووقع في رواية الحميدي في «مسنده» عن سفيان وحدَّثنيه السَّعيدي أيضًا، وفي رواية ابن أبي عمر، عن سفيان سمعت السَّعيدي.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (السَّعِيدِيُّ، هُوَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) هكذا في رواية غير أبي ذرٍّ، وفي روايته سقط قوله ، والسَّعيدي هذا يُكَنَّى أبا أمية المكي، قال يحيى بن معين صالح، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» ، وجدُّه سعيد بن عمرو، هو أبو عثمان القرشي الأُموي، روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وعن جماعةٍ من الصَّحابة، روى عنه ابن ابنه عمرو بن يحيى المذكور.
وقال أبو زُرعة والنَّسائي ثقةٌ، وقال أبو حاتم صدوقٌ، وفي الحديث أنَّ الرَّجل قد يوبخ بما سلف، إلَّا أن يتوبَ فلا توبيخَ عليه ولا تثريبَ، ألا ترى أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لمَّا وبَّخ ابن سعيد بن العاص على قتل ابن قَوقل كيف ردَّ عليه أقبح الرَّد وصارت له عليه الحجَّة.
وفيه أيضًا أنَّ التَّوبة تمحو ما سلف قبلها من الذُّنوب؛ القتل وغيره، لقوله (( أكرمه الله على يديَّ ولم يُهنِّي على يديه ) )؛ لأنَّ ابن قَوقل وجبت له الجنَّة بقتل ابن سعيدٍ له ولم يجب لابن سعيد النَّار؛ لأنَّه أسلم ومات، ويصحِّح ذلك سكوته صلى الله عليه وسلم على قوله، ولو كان غير صحيحٍ لما سكت؛ لأنَّه بعث للبيان.
وقيل فيه حجَّة على الكوفيين في قولهم
ج 13 ص 281
في المددِ يلحق بالجيشِ في أرض الحرب بعد القسمة أنَّهم شركاؤهم في الغنيمة، وسائر العلماء قالوا إنَّما تجب الغنيمة لمن شهدَ الوقعة، واحتجُّوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسهمْ لهم، كما في رواية أبي داود، وأبو حنيفة إنَّما يسهم لمن غاب عن الوقعة بشغل أمر به الإمام من أمور المسلمين، كما فعل بعثمان رضي الله عنه حين قسم له من غنائم بدرٍ بسهمه ولم يحضرها؛ لأنَّه كان غائبًا في حاجة الله ورسوله، فمن حضرها أو بعثه الإمام لقتال قومٍ آخرين أو بعثه ممَّن معه في دار الحرب إلى دار الإسلام ليمدَّه بسلاحٍ أو رجال فأصاب الإمام غنيمةً ولم يعد مِنْ بَعْثِه حين قسم الغنيمة، فهم شركاء فيها.
وقال الطَّحاوي وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فإنَّما ذلك، والله أعلم، لأنَّه وجَّه أبان بن سعيد إلى نجدٍ قبل أن يتهيَّأ خروجه إلى خيبر، فتوجَّه أبانُ ثمَّ حدث خروجه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى خيبر، فكان ما غاب فيه أبان ليس هو شغل شغلَ به عن حضورها بعد إرادته إيَّاها حتَّى يكون كمن حضرها، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قول ابن سعيدٍ أكرمه الله على يديَّ؛ لأنَّه أراد بذلك أنَّ النُّعمان استشهد بيد أبان فأكرمه الله بالشَّهادة، ولم يُقتل أبان على كُفْره، فيدخل النَّار، بل عاشَ حتَّى تاب وأسلم، وكان إسلامه قبل خيبر وبعد الحديبية، وقال ذلك الكلام بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأقرَّه عليه، وهذا هو عين التَّرجمة.