2858 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيُّ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه(قَالَ
ج 13 ص 339
أَخْبَرَنِي)بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) كذا صرَّح شعيب عن الزهريِّ بإخبار سالم له. وشذَّ ابن أبي ذئب فأدخل بين الزهريِّ وسالم محمد بن زيد بن قنفذ، واقتصر شعيبٌ على سالم، وتابعه ابن جُريج، عن الزهريِّ، عند أبي عوانة. وكذا روى البخاريُّ في كتاب الطب عن عبد الله بن محمد نا عثمان بن عمر نا يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦5753] .
ونقل الترمذيُّ عن ابن المديني والحُمَيديِّ أنَّ سفيان كان يقول لم يرو الزهري هذا الحديث إلَّا عن سالم. انتهى. وكذا قال أحمد عن سفيان إنَّما يحفظه عن سالم، لكنَّ هذا الحصرَ مردودٌ، فقد حدَّث به مالك عن الزهريِّ، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، ومالك من كبار الحفاظ، ولا سيَّما في حديث الزهريِّ.
وكذا رواه ابن أبي عمر عن سفيان نفسه، أخرجه مسلم والترمذيُّ عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عمَّا سبق من الحصر.
وأمَّا الترمذيُّ فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحة. وقد تابع مالكًا أيضًا يونس من رواية ابن وهب عنه، كما سيأتي في الطب [خ¦5772] ، وصالح بن كيسان عند مسلم، وأبو أويس عند أحمد، ويحيى بن سعيد وابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عند النسائيِّ كلُّهم عن الزهريِّ عنهما.
ورواه إسحاق بن راشد عن الزهريِّ، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيُّ، وكذا أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة من طريق عقيل وأبو عوانة من طريق شعيب بن سعيد. ورواه القاسم بن مبرور عن يونس، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيُّ من طريق عبد الواحد، عن معمر، فاقتصر على سالم، فالظاهر أنَّ الزهري كان يجمعهما تارةً ويُفرد أحدهما أخرى، وقد رواه إسحاق في «مسنده» عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ فقال عن سالم أو حمزة أو كلاهما، وله أصلٌ عن حمزة من غير رواية الزهريِّ، أخرجه مسلمٌ من طريق عتبة بن مسلم عنه، والله تعالى أعلم.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الشُّؤْمُ) قال العسقلانيُّ بضم المعجمة وسكون الهمزة، وقد تُسَهَّل فتصير واوًا، هذا، وقد عرفت سابقًا أن التخفيف غلب حتَّى لم يُنْطَقْ بها مهموزةً (فِي ثَلاَثَةٍ) يتعلق بمحذوف تقديره كائن، قاله ابن العربي.
ج 13 ص 340
وقال ابن العربي الحصر فيها بالنِّسبة إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة، وقيل إنَّما خصَّت هذه الأشياء الثلاثة المذكورة، وهي مذكورةٌ في قوله صلى الله عليه وسلم (فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ) لطول ملازمتها؛ لأنَّ غالب أحوال الإنسان لا يستغني عن دار يسكنها وزوجةٍ يعاشرها وفرس مرتبطة.
وقال الخطابيُّ اليُمن والشُّؤم علامتان لما يصيب الإنسان من الخير والشرِّ، ولا يكون في شيءٍ من ذلك إلَّا بقضاء الله تعالى.
وإنَّما هذه الأشياء ظروف جعلت مواقع لما يصيبه، ليس لها بأنفسها وطبائعها فعل ولا تأثير، إلَّا أنَّها لما كانت أعمَّ الأشياء التي يصيبها الإنسان، وكان غالب أحواله لا يستغني عن هذه الثَّلاثة، ولا يخلو عن عارضٍ مكروهٍ في زمانه أُضِيفَ اليُمن والشُّؤم إليها إضافة مكان، وهما صادران عن مشيئة الله عز وجل.
وقد رواه مالك وسفيان وسائر الرواة بحذف أداة الحصر، لكن في رواية عثمان بن عمر (( لا عدوى ولا طيرة، وإنَّما الشُّؤم في الثَّلاثة ) ). قال مسلم لم يذكر أحدٌ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( لا عدوى ) )إلَّا عثمان بن عمر.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ومثله في حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه أبو داود، ولكن قال فيه (( وإنْ تكن الطِّيرة في شيء ) )الحديث، والطيرة والشُّؤم بمعنى واحد.
وقد اتَّفقت الطُّرق كلُّها على الاقتصار على الثَّلاثة المذكورة، ووقع عند إسحاق في رواية عبد الرزاق قال معمر قالت أمُّ سلمة (( والسيف ) ).
قال أبو عمر رواه جويرية عن مالك، عن الزهريِّ، عن بعض أهل أم سلمة، عن أمِّ سلمة.
وأخرجه الدارقطنيُّ في «غرائب مالك» بإسنادٍ صحيحٍ إلى الزهري، ولم ينفردْ به جويرية، بل تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيُّ أيضًا، قال والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة سمَّاه عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهري في روايته، أخرجه ابنُ ماجه من هذا الوجه موصولًا فقال عن الزهريِّ،
ج 13 ص 341
عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّها حدثت بهذه الثلاثة وزادت فيهنَّ السيف، وأبو عُبيدة المذكور هو ابنُ بنت أمِّ سلمة أمُّه زينب بنت أم سلمة.
وقد روى النسائيُّ حديث الباب من طريق ابنِ أبي ذئب، عن الزهريِّ، فأدرج فيه السَّيف، وخالف فيه في الإسناد أيضًا.
والتَّحقيق في هذا الموضع أنَّ هذا الحديث ليس على ظاهره، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول (( إنَّ كان الشُّؤم في شيءٍ فهو فيما بين اللِّحيين مع اللِّسان، وما شيء أحوجُ إلى سجنٍ طويل من لسان ) ).
وقال ابن قتيبة ظاهر الحديث أنَّ الشؤم والطَّيرة في هذه الثلاثة، قال ووجهه أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يتطيَّرون فنهاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أنَّ لا طيرة فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطِّيرة في هذه الأشياء الثَّلاثة.
قال الحافظ العسقلانيُّ فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أنَّ من تشاءم بشيءٍ منها نزل به ما يكره. وقال القرطبيُّ ولا يظنُّ به أنَّه كان يحمله على ما كانت الجاهليَّة تعتقده، وأن ذلك يضرُّ وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنَّما عنى أنَّ هذه الأشياء هي أكثر ما يتطيَّر به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيءٌ أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره.
وقد وقع في رواية عمر العسقلانيُّ، وهو ابنُ محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، كما سيأتي في النكاح [خ¦5094] بلفظ ذكروا الشؤم فقال صلى الله عليه وسلم (( إن كان في شيءٍ ففي ... إلى آخره ) )، ولمسلم (( إن يك من الشُّؤم شيءٌ حق ) )، وفي رواية عتبة بن مسلم (( إن كان الشُّؤم في شيءٍ ) ). وكذا في حديث جابر، عند مسلم، وهو موافقٌ لحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما ثاني حديثي الباب [خ¦2859] ، وهو يقتضي عدم الجزم بذلك؛ بخلاف رواية الزهريِّ، فقال ابن العربي معناه إن كان خلق الله الشُّؤم في شيءٍ فيما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء.
وقال المازريُّ مجمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثَّلاثة أحقُّ به؛ بمعنى
ج 13 ص 342
أنَّ النفوس يقع فيها التَّشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسيُّ في «مسنده» عن محمد بن راشد، عن مكحول قال قيل لعائشة رضي الله عنها أنَّ أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الشؤم في ثلاثة ) )، فقالت لم يحفظْ، إنَّه دخل وهو يقول (( قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة ) )فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله.
قال الحافظ العسقلانيُّ ومكحول لم يسمع من عائشة رضي الله عنها فهو منقطعٌ، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة، عن أبي حسان أنَّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة رضي الله عنها فقالا إنَّ أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الطيرة في الفَرس والمَرْأة والدَّار ) )، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت ما قاله، وإنَّما قال إنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يتطيرون بذلك. انتهى.
والحاصل أنَّ الحديث متروك الظاهر لما ذكره، ولأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( لا طيرة ) )نكرةٌ في سياق النفي فتعمُّ جميع الأشياء التي يتطيَّر بها، ولو حمل على ظاهره لكانت هذه الأحاديثُ ينفي بعضُها بعضًا.
ومحال أن يظن بالنَّبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا الاختلاف من النَّفي والإثبات في شيءٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ. والمعنى الصَّحيح في هذا الباب نفيُ الطيرة بأسرها بقوله (( لا طيرة ) )فيكون قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّما الشُّؤم في ثلاثة ) )بطريق الحكاية عن أهل الجاهليَّة أو اليهود فإنَّهم كانوا يعتقدون الشُّؤم في هذه الثلاثة لا أنَّ معناه أنَّ الشؤم حاصلٌ في هذه الثلاثة في اعتقاد المسلمين، كيف وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها هذا الحديث كما عرفت آنفًا، وكانت رضي الله عنها تنفي الطِّيرة ولا تعتقد الشؤم في شيءٍ من الأشياء، حتَّى قالت لنسوة كنَّ يكرهن الابتناء بأزواجهنَّ في شوال ما تزوَّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا في شوَّال،
ج 13 ص 343
ولا بنى بي إلَّا في شوال، فمن كان أحظى منِّي عنده وكان يستحب أن يدخل على نسائه في شوال.
وروى الطحاويُّ عن عليِّ بن معبد قال ثنا يزيد بن هارون قال أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي حسَّان قال دخل رجلان من بني عامر على عائشة رضي الله عنها فأخبراها أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه يحدِّث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( الطيرة في المرأة والدار والفرس ) )، فغضبت وطارت شقة منها في السَّماء وشقة في الأرض، فقالت (( والذي نزَّل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قطُّ إنما قال إنَّ أهل الجاهلية كانوا يتطيَّرون من ذلك ) )فأَخْبَرَتْ عائشةُ رضي الله عنها أنَّ ذلك القولَ كان من النَّبي صلى الله عليه وسلم حكايةً عن أهل الجاهليَّة لا أنَّه عنده كذلك.
وأخرجهُ أيضًا ابن عبد البرِّ، عن أبي حسَّان المذكور وفي روايته (( كَذَبَ والذي أنزل القرآن ) )، وفي آخره (( ثمَّ قرأت عائشة رضي الله عنها {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [الحديد 22] الآية ) ). وقد رواهُ أحمد وابن خزيمة والحاكم أيضًا لكن بلفظٍ أخصر من هذا، وأبو حسَّان هذا هو الأعرج ويقال الأجرد، واسمه مسلم بن عبد الله البصري، وثَّقه يحيى وابن حبَّان، وروى له الجماعة والبخاريُّ مستشهدًا.
وقوله طارت شقة؛ أي قطعة، ورواه بعض المتأخِّرين بالسين المهملة وأراد به المبالغة في الغضب والغيظ.
وقال أبو عمر قول عائشة في أبي هريرة كَذَبَ، بناء على أنَّ العرب تقول كذبتَ إذا أرادوا به التَّغليط، ومعناه أوهم وظنَّ حقًا ونحو هذا.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة رضي الله عنه مع موافقة غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم له في ذلك.
وقد تأوَّله غير عائشة رضي الله عنها بأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( الشُّؤم في ثلاثة ) )، كان في أوَّل
ج 13 ص 344
الإسلام إخبارًا عمَّا كان يعتقدُ أهل الجاهلية على ما قالت عائشة رضي الله عنها، ثمَّ نسخ ذلك وأبطله القرآن والسُّنن، قال تعالى {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة 51] ، وقال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [الحديد 22] وما خُطَّ في اللَّوح المحفوظ لم يكن منه بدٌّ، وليست البقاع ولا الأنفس بصانعةٍ من ذلك شيئًا، حكاه ابن عبد البرِّ، والنَّسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيَّما مع إمكان الجمع، وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التَّطيُّر ثم إثباته في الأشياء المذكورة.
وقيل إنَّ ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنَّه إخبارٌ من النَّبي صلى الله عليه وسلم بثبوت ذلك.
وسياق الأحاديث الصَّحيحة في ذلك يُبَعِّد هذا التأويل، قال ابنُ العربي هذا جوابٌ ساقطٌ جدًّا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُبعث ليخبر النَّاس عن اعتقادهم الماضي أو الحاصل، وإنَّما بُعِثَ ليعلِّمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه. انتهى.
وأمَّا ما أخرجه الترمذيُّ من حديث حكيم بن معاوية قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والدَّار والفرس ) )، ففي إسناده ضعفٌ، مع مخالفته الأحاديث الصَّحيحة في المتن.
وقال عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن معمر سمعتُ من فَسَّرَ هذا الحديثَ يقول شؤمُ المرأة إذا كانت غيرَ وَلُودٍ، وشؤمُ الفَرَس إذا لم يُغْزَ عليها، وشؤم الدار جَارُ السُّوء.
وقد يقال إنَّ شؤم المرأة أن تكون سيئة الخلق أو غير قانعةٍ أو تكون سليطةً أو تكون غير ولودٍ، وشؤم الفرس أن تكون شموسًا أو أن لا يكون يغزى عليها، وشؤم الدَّار أن تكون ضيِّقة أو أن يكون جارها سوءًا.
وروى الدمياطيُّ، بإسنادٍ ضعيفٍ، في الخيل إذا كان الفرس ضروبًا فهو مشؤومٌ، وإذا حنَّت المرأة إلى بعلها الأول فهي مشؤومةٌ، وإذا كانت الدَّار بعيدة من المسجد لا يُسْمع فيها الأذان فهي مشؤومةٌ، وروى أبو داود في الطب عن أبي القاسم، عن مالك أنَّه سئل عنه فقال كم من دارٍ سكنها ناس فهلكوا.
قال المازريُّ فحمله مالك على ظاهره، والمعنى قَدَرُ الله ربَّما اتفق ما يكره عند سكنى الدار فيصير ذلك كالسبب فيتسامح في إضافة الشَّيء إليه اتِّساعًا.
وقال ابن العربي لم يرد
ج 13 ص 345
مالك إضافة الشُّؤم إلى الدَّار، وإنَّما هو عبارةٌ عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنَّه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانةً لاعتقاده عن التَّعليق بالباطل.
وقيل معنى الحديث أنَّ هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسُّكنى والصُّحبة ولو لم يعتقد الإنسان الشُّؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التَّعذيب.
قال الحافظ العسقلانيُّ وما أشار إليه ابنُ العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظيرُ الأمر بالفرار من المجذوم مع صحَّة نفي العدوى.
والمراد بذلك حسم المادَّة وسدُّ الذريعة؛ لئلَّا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أنَّ ذلك من العَدْوى، أو من الطِّيَرة فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك، والطَّريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلًا أن يبادر إلى التحوُّل منها؛ لأنَّه إذا استمرَّ فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحَّة الطِّيرة والتشأم.
وأمَّا ما رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنسٍ رضي الله عنه قال رجل يا رسول الله، إنَّا كنا في دارٍ كثير فيها عددنا وأموالنا، فتحوَّلنا إلى أخرى فقلَّ فيها ذلك فقال (( ذروها ذميمةً ) ).
وأخرج من حديث فروة بن مُسَيك بالمهملة مصغرًا، ما يدلُّ على أنَّه هو السائل. وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، أحدِ كبار التَّابعين، وله رؤيةٌ بإسنادٍ صحيح إليه عند عبد الرَّزاق.
قال ابنُ العربي وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنَّه قال جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، دارٌ سَكَنَّاها والعددُ كثير والمال وافر فقلَّ العددُ وذَهَبَ المالُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعوها ذميمة ) )، وهذا كما ترى منقطع.
قال والدار المذكورة في حديثه كانت دار مُكْمِل، بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم بعدها لام، وهو ابنُ عوف أخو عبد الرحمن بن عوف هذا.
ج 13 ص 346
فالظَّاهر أنَّه إنَّما قال ذلك كذلك لما رأى منهم أنَّه رسخ في قلوبهم ما كانوا عليه في جاهليتهم، ثم بيَّن لهم ولغيرهم ولسائر أمَّته الصَّحيح بقوله (( لا طيرة ولا عدوى ) ).
قال ابن العربي وإنَّما أمرهم بالخروج منها؛ لاعتقادهم أنَّ ذلك منها، وليس كما ظنُّوا، لكنَّ الخالق تعالى جعل ذلك وقتًا لظهور قضائه، وأَمَرَهم بالخروج منها؛ لئلَّا يقع لهم بعد ذلك شيءٌ منها فيستمرُّ اعتقادهم.
قال وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأنَّ ذكرها بقبيح ما فيها سائغٌ، من غير أن يعتقدَ أنَّ ذلك كان منها، ولا يمتنعُ ذم محلِّ المكروه، وإن كان ليس منه شرعًا، كما يُذَمُّ العاصي على معصيته، وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى.
وقال الخطابيُّ هو استثناءٌ من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهليَّة في التطيُّر فكأنَّه قال إن كانت لأحدكم دارٌ يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سَيْرَه فليفارقه.
قال ويحتمل أن يكون أمرهم بتركها والتحوُّل عنها إبطالًا لما وَقَعَ في قلوبهم منها من أن يكون المكروه، وإنَّما أصابهم بسبب الدار وسكناها فإذا تحوَّلوا منها انقطعت مادة ذلك الوهم.
فإن قيل ما الفرق بين الدَّار وبين موضع الوباء الَّذي منع الخروج منه؟
فالجواب أنَّه ما لم يقع التأذِّي به ولا اطردت عادته به خاصَّةً ولا عامَّةً ولا نادرة ولا مُتكرِّرة لا يصغى إليه، وقد أنكر الشَّارع الالتفات إليه كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صراخ بومةٍ في دار، ففي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم (( لا طيرة ولا تطيُّر ) ). وأيضًا لا يفرُّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفارِّ فيكون سفره زيادةً في محنته وتعجيلًا لهلكته، والله أعلم.
وقيل يحمل الشُّؤم على معنى قلَّة الموافقة وسوء الطِّباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رفعه (( من سعادة المرء المرأة الصَّالحة، والمسكنُ الصَّالح،
ج 13 ص 347
والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرءِ المرأة السُّوء، والمسكنُ السُّوء، والمركب السُّوء )) . أخرجه أحمد.
وهذا تخصيصٌ ببعض أنواع الأجناس المذكورة دون بعض، وبه صرَّح ابن عبد البر فقال يكون لقومٍ دون قوم، وذلك بقدر الله تعالى.
وقال المهلَّب ما حاصله إنَّ المخاطب بقوله الشؤم في ثلاثة من التزم التطيُّر ولم يستطع صَرْفَه عن نفسه، فقال لهم إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها ولا تعذِّبوا أنفسكم بها، ويدلُّ على ذلك تصديره الحديث بنفي الطِّيرة.
واستدلَّ لذلك بما أخرجه ابن حبَّان عن أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( لا طيرة، والطِّيرة على من تطيَّر وإن يكنْ في شيءٍ ففي المرأة ) )الحديث. وفي صحَّته نظرٌ؛ لأنَّه من رواية عتبة بن حميد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنسٍ رضي الله عنه، وعتبة مختلفٌ فيه، وسيأتي ما يتعلَّق بالتطيُّر والفأل في آخر كتاب الطبِّ إن شاء الله تعالى [خ¦5753 وما بعده] .
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
خاتمة روى أبو نُعيم في «الحلية» من حديث حبيب بن عبيد، عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الشُّؤم سوء الخلق ) ).