فهرس الكتاب

الصفحة 4510 من 11127

2880 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المِنْقَري المُقعَد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد، قال(حَدَّثَنَا

ج 13 ص 385

عَبْدُ الْعَزِيزِ)هو ابن صهيب أبو حمزة.

(عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في نسبة الانهزام إلى النَّاس نكتة لطيفةٌ.

(وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ) هي أمُّ أنس بن مالكٍ رضي الله عنهم (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) من التَّشمير، يقال شمَّر إزاره، إذا رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمَّر في أمره؛ أي خفَّ، وشمَّر للأمر؛ أي تهيَّأ له.

وقد أخرجه البخاري في المغازي [خ¦4064] بأتمَّ من هذا السِّياق، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى.

(أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا) بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة الخلاخيل، الواحد خَدَمَة. وقال ابن قُرْقول قد يُسَمَّى موضعها من السَّاقين خَدَمة، وجمعها خِدام، بكسر الخاء أيضًا، ويقال سُمِّي الخلخال خَدَمةً؛ لأنَّه ربَّما كان من سيور مركَّب فيه الذَّهب والفضَّة.

والخَدَمة في الأصل السير والمُخَدَّم موضع الخلخال من السَّاق، ويقال أصله أنَّ الخَدَمة مخرج الرِّجل من السَّراويل. وفي «القاموس» والخَدَمَة، محركة السَّير الغليظ المحكم مثل الحَلْقة يُشَدُّ في رُسغ البعير فيُشَدُّ إليها سَرَائِحُ نَعْلِها. انتهى.

فسُمِّي الخلخال خَدَمةً تشبيهًا له به، والسُّوق بالضم جمع ساق، وهذه الرُّؤية كانت قبل الحجاب؛ لأنَّ يوم أحد كان قبل أمر النِّساء بالحِجَاب، قاله النَّووي. ويحتمل أنَّها كانت من غير قصدٍ للنظر، وقد تمسَّك بظاهره من يرى أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس بصحيحٍ.

(تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ) من النَّقز بالنون والقاف والزاي، وهو الوثبُ وهو لازمٌ، قال القاضي عياض والنَّقْز الوثب والقفز، كأنَّه من سرعة السَّير.

وقال الدَّاودي معناه يُسْرعان المشيَ كالهرولة، وقال الجوهري نقزَ الظَّبيُ في عَدْوِه ينقزُ، من باب نصرَ، نقزانًا؛ أي وثب، والتَّنقيز التَّوثيب.

وقال الخطَّابي وأحسب الرواية (( تزفران ) )بدل (( تنقزان ) )، والزَّفر حمل القرب الثِّقال، ومادته زاي وفاء وراء، قال الجوهري الزَّفر مصدر قولك زَفَر الحِمْلَ يَزْفِرُه؛ أي حَمَلَه، وأَزْفَره أيضًا، والزِّفر، بالكسر الحِمْل. والزِّفر أيضًا القِرْبة، منه قيل للإماء اللَّواتي يحملنَ القِرَب زوافر، وقيل الزَّفْر البحر الفيَّاض، فعلى هذا كان معناه تملأ لهم القِرَب حتَّى تفيض.

وقوله القِرَب، بكسر القاف وفتح الراء جمع

ج 13 ص 386

قِرْبة، وفي «التلويح» ضبط الشُّيوخ القرب بالنصب وهو مشكلٌ؛ لأنَّ تنقزان لازم، ووجهه أن يكون النَّصب بنزعِ الخافض؛ أي بالقِرَب، وأمَّا على رواية تَزْفِران وتنقلان، فلا إشكالَ.

قال القاضي عياض وكان بعض الشُّيوخ يَقْرَؤُه برفع القرب على أنَّ الجملة حال، يعني أنَّ القِرب مرفوعٌ على الابتداء، والخبر قوله (( على متونهما ) )فتكون الجملة الاسمية في موضع الحال.

وقال وضبطه بعضهم (( تنقزان ) )بضم أوله، فعلى هذا يستقيم نصب القرب؛ أي تحرِّكان القرب لشدَّة عَدْوهما، فكانت القِرَب ترتفع وتنخفض مثل الوَثْبِ على ظهورهما.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير أبي معمر، عن عبد الوارث (تَنْقُلاَنِ الْقِرَبَ) من النَّقل باللام دون الزاي، وهي رواية جعفر بن مهران، عن عبد الرَّزاق، أخرجها الإسماعيلي (عَلَى مُتُونِهِمَا) أي ظهورهما (ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ) من الإفراغ بالغين المعجمة، يقال فَرِغ الماء، بالكسر، يَفْرغ فَرَاغًا مثل سَمِعَ سماعًا انصبَّ، وأفرغتُه أنا؛ أي صببتُه (فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِه فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ) .

قال ابن التِّين بوَّب البخاري على غزوهنَّ وقتالهنَّ، وليس في الحديث أنهنَّ قاتلنَ، فإمَّا أن يريد أنَّ إعانتهنَّ للغزاة غزو، وإمَّا أن يريد أنهنَّ ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلَّا وهنَّ بصدد أن يدافعنَ عن أنفسهنَّ، وهو الغالب فأضاف إليهنَّ القتال لذلك، وكلا الوجهين جيد.

ويؤيِّد الوجه الأول ما رواه أبو داود في «سننه» من حديث حشرج بن زياد عن جدَّته أم أبيه (( أنهنَّ خرجنَ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين ) )الحديث، وفيه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سألهنَّ عن ذلك فقلن خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى ونناول السِّهام ونسقي السَّويق ) )، يعني للغزاة، والمناولُ للغازي مثلُ أَجْرِ الغازي، كما للمناول السَّهم للرَّامي في غير الغزاة.

ج 13 ص 387

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند مسلمٍ (( كان يغزو بهنَّ فيداوين الجَرْحَى ) )ووقع في حديثٍ آخر مرسل، أخرجه عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهري قال (( كان النِّساء يشهدن مع النَّبي صلى الله عليه وسلم المشاهد ويسقين المقاتلة ويُدَاوين الجَرْحى ) ).

ويؤيِّد الوجه الثَّاني ما رواه مسلمٌ من حديث أنس رضي الله عنه من وجهٍ آخر أنَّ أمَّ سليم اتَّخذت خنجرًا يوم حنين فقالت اتَّخذته إن دنا منِّي أحدٌ من المشركين بقرتُ بَطْنَه، فهذه أمُّ سليم اتخذت عدَّةً لقتال المشركين، وعزمت على ذلك فصار حكمها حكم الرِّجال المقاتلين.

وقال الحافظ العسقلاني بعد أن ذكر حديث أبي داود المذكور وغيره مثله ولم أر في شيءٍ من ذلك التَّصريح بأنهنَّ قاتلن.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّلويح يغني عن التَّصريح؛ ليحصل به المطابقة على الوجه الذي ذكرنا، ثمَّ قال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالتَّرجمة أن يبيِّن أنهنَّ لا يقاتلن وإن خرجن في الغزو، ويَقْتَصِرْنَ على ما ذَكَرْنَ من مُدَاواةِ الجَرْحَى ونحو ذلك.

وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّ هذا الاحتمال احتمالٌ بعيدٌ، لم يكن يتعلَّق به غرض البخاري أصلًا؛ لأنَّه خلاف ما يقتضيه التَّركيب فكيف يقول هذا، والحال أنَّه واجبٌ عليها الدَّفع إذا دنا منها العدوُّ، كما في حديث أمِّ سليم رضي الله عنها؟ فليُتَأمل.

والحديث قد أخرجه البخاريُّ أيضًا في فَضْلِ أبي طلحة [خ¦3811] ، وفي المغازي [خ¦4064] ، وأخرجه مسلمٌ في المغازي.

فوائد اختلف في المرأة هل يسهم لها أو لا؟

قال الأوزاعيُّ يسهم للنِّساء؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أسهم لهنَّ بخيبر وأخذ المسلمون بذلك، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وقال الثَّوري والكوفيون واللَّيث والشَّافعي لا يسهم لهنَّ، ولكن يُرْضَخُ لهنَّ؛ محتجِّين بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «صحيح مسلم» لنجدة (( كان النِّساء يُحْذَيْنَ من الغنيمة ولم يَضْرِب لهنَّ بسهمٍ ) ).

ج 13 ص 388

وذكر التِّرمذي أنَّ بعض أهل العلم قال يُسْهَم للذِّمي إذا شهد القتال مع المسلمين، وروي عن الزُّهري (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لقومٍ من اليهود قاتلوا معه ) ).

قال ابن المنذر وهو قول الزُّهري والأوزاعي وإسحاق، والمجنون المطبق لا يُسْهَم له كالصَّبي، وقيل يُسْهَم له، والظَّاهر أنَّه لا يُسْهَم له كالمفلوج.

واختلفوا في الأعمى والمُقْعَد وأَقْطَعِ اليدين؛ لاختلافهم هل يمكن لهم نوعٌ من أنواع القتال كإدارة الرَّأي إن كانوا من أهله، وكقتال المُقْعَد راكبًا، والأعمى يناول النبل ونحو ذلك، ويكثرون السَّواد، فمن رأى لمثل ذلك أثرًا في استحقاق الغنيمة أسهم لهم.

وأمَّا الذي يخرج وبه مرضٌ فعند المالكيَّة فيه خلاف هل يُسْهَم له أو لا؟ فإن مَرِضَ بعد الإِدْرَاب ففيه خلاف؛ الأكثرون أنَّه يُسْهَم له، ولم يختلفوا أنَّ من مرض بعد القتال يُسْهَم له [1] وإن كان مرضه قبل حوز الغنيمة.

واختلف في التَّاجر والأجير على ثلاثة أقوال قيل يسهم لهما إذا شهدا القتال مع النَّاس قاتلا أو لم يقاتلا، وقيل لا يسهم لهم مطلقًا، وقيل إن قاتلا يسهم لهما وإلَّا فلا، وعن مالكٍ لا يُسْهَم للأجير والتَّاجر إلَّا أن يقاتلا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وعن مالكٍ يُسْهَمُ لكلِّ حرٍّ قاتل، وهو قول أحمد، وقال الحسن بن حيٍّ يُسْهَم للأجير، وروي مثل ذلك عن ابن سيرين، وعن الحسن في التَّاجر والأجير يُسْهَم لهما إذا حضرا القتال؛ قاتلا أو لا.

وقال الأوزاعيُّ وإسحاق لا يُسهم للعبد ولا للأجير على خدمة القوم، والله تعالى أعلم.

[1] قوله (( ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يسهم له ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت