فهرس الكتاب

الصفحة 4522 من 11127

2887 - (وَزَادَنَا عَمْرٌو) هو عَمرو بن مَرْزوق الباهلي بالموحدة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، أحد مشايخ البخاري، وقد صرَّح بسماعه منه في مواضع أخرى، ويروى ، والمراد بالزِّيادة قوله في آخره (( تعسَ وانتكسَ. .. إلى آخره ) ).

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ) بكسر الخاء (تَعِسَ وَانْتَكَسَ) بالمهملة؛ أي عاوده المرض كما بدأ به.

وقال الطِّيبي أي انقلب على رأسه، وقيل إذا سقطَ اشتغلَ بسقطته حتَّى يسقطَ أخرى، وهو دعاءٌ عليه بالخيبة والخسران؛ لأنَّ من انتكسَ فقد خابَ وخسرَ.

وحكى القاضي عياض أنَّ صاحب «المطالع» رواه (( انتكش ) )بالشين المعجمة، وفسَّره بالرُّجوع، وجعله دعاء له لا عليه، والأوَّلُ أولى.

(وَإِذَا شِيْكَ) بكسر الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها كاف؛ أي إذا أصابته شوكة (فَلاَ انْتَقَشَ) أي لا قدر على إخراجها ولا وجد من يخرجها منه بالمنقاش، يقال نَكَشْتُ الشوكة إذا أَخْرَجْتَها بالمِنْقَاش.

وذكر ابن قتيبة أنَّ بعضهم رواه بالعين المهملة

ج 13 ص 398

بدل القاف، ومعناه صحيحٌ، لكن مع ذكر الشَّوكة تَقْوَى رواية القاف. ووقع في رواية الأَصيلي عن أبي زيدٍ المروزي بتاء مثناة فوقية بدل الكاف، وهو تغييرٌ فاحش، واختصاص الانتقاش بالذكر؛ لأنَّ الانتقاش أسهل ما يتصوَّر في المعاونة لمن أصابه مكروهٌ، فإذا نفى ذلك الأهون، فيكون ما فوق ذلك منفيًّا بالطَّريق الأولى، ذكره العينيُّ.

ثمَّ في الدُّعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده؛ لأنَّ من عَثَرَ فدخلت في رجله شوكةٌ فلم يجد من يُخْرِجْها يصير عاجزًا عن الحركة والسَّعي في تحصيل الدُّنيا.

هذا، ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم حضَّ على العمل بما يحصل به خيرُ الدُّنيا والآخرة فقال

(طُوبَى لِعَبْدٍ) طوبى على وزن فُعْلَى، من الطِّيب، وأصله طيبي فلمَّا ضمت الطاء انقلبت الواو ياء؛ أي الحالة الطيبة والكيفيَّة الحسنى، وقيل طوبى اسم الجنَّة، وقيل هي شجرةٌ فيها، ومآله الدُّعاء بدخول الجنَّة والتَّلذذ بلذَّاتها، ويقال طوبى لك وطوباك بالإضافة.

(آخِذٍ) اسم فاعل، من الأخذ مجرور صفة عبد (بِعِنَانِ فَرَسِهِ) العِنان، بكسر العين لجام الفرس (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ) بفتح الثاء، صفة عبد، وهو مجرور بالفتحة؛ لعدم صَرفه، ورأسُه مرفوعٌ على أنَّه فاعله، ويجوز في أشعث الرَّفع، قاله الكِرمانيُّ، ولم يبيِّن وجهه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويجوز في أشعث الرفع على أنَّه صفة الرَّأس؛ أي رأسه أشعث. وهذا كما قال العينيُّ لا يصحُّ عند المعربين إذ الرَّأس فاعل أشعث، فكيف يكون صفته، والتَّقدير الذي قدَّره كما ترى يؤدِّي إلى إلغاء قوله (( رأسه ) )بعد قوله (( أشعث ) )، فليُتَأمَّل.

(مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ) هو في الإعراب مثل أشعث رأسه، وقال الطِّيبي قوله (( أشعث رأسه مغبرَّةٍ قدماه ) )حالان من قوله لعبد، موصوف، فعلى هذا يكونان منصوبين.

(إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ) أي حراسة العدو خوفًا من أن يهجمَ العدو عليهم، وذلك يكون في مقدِّمة الجيش (كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ) أي مؤخرة الجيش (كَانَ فِي السَّاقَةِ) هذا من المواضع التي اتَّحد فيها الشَّرط والجزاء لفظًا، لكن المعنى مختلفٌ، فقيل المعنى ائتماره لما أُمِرَ وإقامته حيث أُقِيْمَ لا يُفْقَدُ

ج 13 ص 399

من مكانه بحالٍ، وإنَّما ذكر الحراسة والسَّاقة؛ لأنَّهما أشدُّ مشقَّة وأكثر آفة؛ الأول عند دخولهم دار الحرب، والآخر عند خروجهم منها.

وقيل هو للتَّعظيم مثل قوله صلى الله عليه وسلم (( من كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله ) )أي إن كان في الحراسةِ فهو في أمرٍ عظيم، أو المراد منه لازمه؛ أي فعليه أن يأتيَ بلوازمهِ، ويكون مشتغلًا بخويصةِ عمله أو فله ثوابه.

وقال ابنُ الجوزي المعنى أنَّه خامل الذِّكر لا يقصد السُّمُو فأنَّى اتَّفق له السَّير سار، فكأنَّه قال إن كان في الحراسة استمرَّ فيها، وإن كان في السَّاقة استمرَّ فيها.

(إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ) بفتح الفاء المشددة؛ أي لم تقبل شفاعتُه إشارة إلى عدم التفاته إلى الدُّنيا وأربابها بحيث يفنى بكلِّيته في نفسه لا يبتغي مالًا ولا جاهًا عند النَّاس، بل يكون عند الله وجيهًا وشفيعًا مشفَّعًا.

وفيه الحثُّ على ترك حُبِّ الرِّياسة والشُّهرة، وفيه فضل الخمول والتَّواضع.

(فَتَعْسًا كَأَنَّهُ يَقُولُ أَتْعَسَهُمُ اللَّهُ) كذا وقع في رواية المُسْتَملي، وهو على عادة البخاريِّ في شرح اللَّفظة التي توافق ما في القرآن فيفسِّرها، وهكذا قال أهل التَّفسير في قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ} [محمد 8] ، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى. وقد وقع في بعض الرِّوايات قبل قوله (( فتعسًا. .. إلى آخره ) )ولا يذهب عليك أنَّه لا وجه له، بل محله فيما قبل، كما تقدَّم.

(طُوبَى فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ، وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ) هذا أيضًا وقع في رواية المُسْتملي، والكلام فيه كالذي قبله فسَّره بهذا، وقد مرَّ تفسير غيره بالجنَّة وشجرة فيها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إن كان في الحراسة كان في الحراسة ) )وقد أخرجه المؤلِّف في الرقاق [خ¦6435] والزهد أيضًا [1] .

فائدة ورد في فضل الحراسة عدَّة أحاديث ليست على شرط البخاري

منها حديث عثمان رضي الله عنه مرفوعًا (( حَرْس ليلة في سبيل الله خيرٌ من ألف ليلةٍ يقام ليلها ويصام نهارها ) )أخرجه ابنُ ماجه والحاكم.

ج 13 ص 400

ومنها حديث سهل بن معاذ، عن أبيه مرفوعًا (( من حرسَ وراء المسلمين متطوعًا لم ير النَّار بعينه إلَّا تحلَّة القسم ) )أخرجه أحمد.

ومنها حديث أبي ريحانة مرفوعًا (( حرمت النَّار على عينٍ سهرتْ في سبيل الله ) )أخرجه النَّسائي، ونحوه للتِّرمذي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وللطَّبراني من حديث معاوية بن حيده، ولأبي يعلى من حديث أنسٍ، وإسناده حسنٌ، وللحاكم عن أبي هريرة نحوه، والله تعالى أعلم.

[1] لم أجده في الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت