267 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة والشين المعجمة هو المعروف ببندار، وقد مرَّ في باب ما كان النَّبي يتخولهم [خ¦69] (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح المهملة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتانية، هو محمد بن إبراهيم، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة.
(وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هو القطان كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) على صيغة الفاعل من الانتشار (عَنْ أَبِيهِ) محمد بن المنتشر أنَّه (قَالَ ذَكَرْتُهُ) أي ذكرت قول ابن عمر الآتي بعد بابٍ [خ¦270] في رواية أبي النعمان (( ما أحبُّ أن أصبح محرمًا أَنْضَخُ طيبًا ) )وكنى بالضمير عنه.
وقال الكرماني لأنه معلومٌ عند أهل الشَّأن، هذا؛ فعلى هذا فالوقوف عليه مختصٌّ بأهل الشَّأن فإذا وقف أحدٌ من غير أهل الشَّأن على هذا الحديث يتحيَّر فلا يدري أيَّ شيءٍ يرجع إليه الضمير في قوله (ذكرته) ، وكان ينبغي للبخاري، بل كان يتعيَّن عليه أن يقدِّم رواية أبي النعمان هذا الحديث على رواية محمد بن بشار؛ لأن رواية أبي النعمان ظاهرة فالذي يقف على رواية محمد بن بشار [1] بعد وقوفه على رواية أبي النعمان لا يتوقَّف في مرجع الضمير، ويعلم أنه يرجع إلى قول ابن عمر رضي الله عنهما، وقد بيَّنه مسلم أيضًا في روايته عن محمد بن المنتشر قال سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيَّب ثمَّ يصبح محرمًا فذكره، وزاد قال ابن عمر «لأَنْ أُطلَى بقطران أحبُّ إليَّ من أن أفعل ذلك» ، وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن بشار.
وقال الحافظ العسقلاني فكأنَّ المصنِّف اختصره؛ لكون المحذوف معلومًا عند أهل الحديث في هذه القصَّة.
وتعقبه محمود العيني بأنه أخذه مما قاله الكرماني، وقال أيضًا أو حدَّث به محمد بن بشَّار مختصرًا، وتعقَّبه أيضًا بأنه على هذا يتعين ذكره بعد ذكر رواية أبي النعمان.
(لِعَائِشَةَ) رضي الله عنها (فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تريد به عبد الله
ج 2 ص 420
بن عمر رضي الله عنهما ترحَّمت له عائشة رضي الله عنها إشعارًا بأنَّه قد سهى فيما قاله، إذ لو استحضر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك.
(كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَطُوفُ) أي يدور (عَلَى نِسَائِهِ) وهو كناية عن الجماع، ويحتمل أن يراد به تجديد العهد بهنَّ؛ لكن الاحتمال الأول يرجحه ما في الحديث الآتي [خ¦268] من قوله (( أعطي قوة ثلاثين ) ) (ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ) بفتح الياء والضاد المعجمة بعدها خاءٌ معجمة؛ أي يفور، ومنه قوله تعالى {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن 66] هذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، قال الإسماعيلي (وكذا ضبطه عامة من حدثنا وهما متقاربان في المعنى) ، وقال ابن الأثير وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر أنه بالمعجمة أكثر منه بالمهملة، وقيل إنه بالمعجمة هو الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه، وقيل إنه بالمعجمة ما يحصل بالتعمد، وبالمهملة من غير تعمد.
وعن ابن كيسان أنّه بالمهملة لِمَا رقَّ كالماء، وبالمعجمة ما ثخن كالطِّيب.
وقال النووي هو بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل عكسه.
وقال ابن بطال من رواه بالخاء المعجمة يحمله على معنى اللطخ يقال نضخ ثوبه بالطِّيب إذا لطخه به، هذا قول الخليل.
وفي كتاب (( الأفعال ) )نضخت العين بالماء إذا رأيتها تفور، وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها مغرورقة.
وفي (( الصَّحاح ) )وقال أبو زيد النَّضخ بالإعجام الرش مثل النضح بالإهمال، وهما بمعنى، وقال الأصمعي يقال أصابه نضخ من كذا، وهو أكثر من النضح بالمهملة.
(طِيبًا) نصب على التمييز؛ أي يرش طيبًا، وظاهره أن عين الطِّيب بقي بعد الإحرام، قال الإسماعيلي بحيث إنَّه صار كأنه يتساقط منه شيء بعد شيء.
ففي الحديث دلالةٌ على استحباب الطِّيب عند الإحرام وأنَّه لا بأس به إذا استدام بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهذا مذهب الثوري والشافعي وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم، وبه قال جماعةٌ من الصَّحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء، فمن الصَّحابة سعد بن أبي وقاصٍ، وابن عباس، وابن الزُّبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة رضي الله عنهم، وقال آخرون بمنعه، منهم الزهري ومالك ومحمد بن الحسن، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وادَّعى بعضهم أن هذا التطيب كان للنساء لا للإحرام، ويردُّه ما سيق له الكلام، وادعى أن في هذه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير فيطوف على نسائه ينضخ طيبًا ثمَّ يصبح محرمًا، وجاء ذلك في بعض الروايات،
ج 2 ص 421
والطيب يزول بالغسل، لاسيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدةٍ منهن، وكان هذا الطيب ذريرة كما أخرجه البخاري في اللباس [خ¦5923] ، وهو مما يذهبه الغسل، ويقويه رواية البخاري الآتية قريبًا [خ¦270] (( طيَّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ طاف في نسائه ثمَّ أصبح محرمًا ) )، وروايته الآتية أيضًا [خ¦271] (( كأني أنظر إلى وَبِيْصِ الطِّيب في مفرقه، وهو محرم ) )، وفي بعض الروايات (( بعد ثلاث ) ).
وقال القرطبي (هذا الطِّيب كان دهنًا له أثرٌ فيه مسكٌ، فزال وبقيت رائحته) ، وادَّعى بعضهم خصوصيَّة ذلك بالشَّارع فإنَّه أمر صاحب الجبَّة بغسله، وقال المهلَّب (السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان عليه السلام أملك لإربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يتجنَّبُ الطيب في الإحرام، ونهانا عنه لضعفنا عن ملك الشهوة، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع مفسدٌ للحج، فمنع عن الطيب سدًا للذريعة) .
هذا، وفي الحديث أيضًا الاحتجاج لمن لا يوجب الدَّلك في الغسل؛ لأنه لو كان دلك لم ينضخ منه الطِّيب، كذا قيل، وفيه أنَّه يجوز أن يكون دلكه، لكنه بقي وبيصه، والطِّيب إذا كان كثيرًا ربما غسله فيذهب ويبقى وبيصه.
وفي الحديث أيضًا عدم كراهة كثرة الجماع عند الطَّاقة، وفيه أيضًا عدم كراهة التَّزوج بأكثر من واحدة إلى أربع، وفيه أيضًا أنَّ غسل الجنابة لا يجب على الفور، وإنما يتضيَّق على الإنسان عند القيام إلى الصَّلاة، وهذا بالإجماع، وسبب وجوبه الجنابة مع إرادة القيام إلى الصَّلاة كما أنَّ سبب الوضوء الحدث مع إرادة القيام إليها، وليس هو الجنابة وحدها كما هو مذهب بعض الشافعية، وإلا يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا، ولا مجرد إرادة الصلاة، وإلا يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة، ورجال هذا الإسناد ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في الباب الذي يليه [خ¦270] ، وأخرجه مسلم في «الحج» ، والنسائيُّ في «الطهارة» .
[1] (( من قوله لأن رواية ... إلى قوله بشار ) )ليس في (خ) .