فهرس الكتاب

الصفحة 4573 من 11127

2919 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) هو أبو الأشعث العجلي البصري، قال (أَخْبَرَنَا خَالِد بْنُ الْحَارِثِ) أي ابن سليم الهُجَيمي، بضم الهاء وفتح الجيم، وقد مرَّ في استقبال القبلة [خ¦396] ، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة، وفي بعض النسخ موضع سعيد.

(عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللهٌ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي) أي في لُبْسِ (قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) .

قال النَّووي هذا الحديث صريح الدَّلالة لمذهب الشَّافعي وموافقيه أنَّه يجوز لبس الحرير للرَّجل إذا كانت به حكَّة؛ لما فيه من البرودة، وكذلك القمل وما في معناهما.

وكذا يجوز لبسه عند الضَّرورة كمن فاجأته الحَرْبُ ولم يجد غيره، وكمن خاف من حرٍّ أو بردٍ، وقال الصَّحيح عند أصحابنا أنَّه يجوز لبسه للحكَّة ونحوها في السَّفر والحضر جميعًا، وقال بعض أصحابنا يختصُّ بالسَّفر وهو ضعيفٌ، حكاه الرَّافعي واستنكره.

وقال القرطبي يدلُّ الحديث على جواز لُبْسِه للضَّرورة، وبه قال بعض أصحاب مالك.

وأمَّا مالك فمنعه مطلقًا، والحديث واضح الحجَّة عليه إلَّا أن يدَّعي الخصوصية بهما ولا يصح، ولعلَّ الحديث لم يبلغه.

وقال ابن العربي اختلف العلماء في لبسه على عشرة أقوال

الأول محرَّم بكلِّ حالٍ.

الثَّاني محرم إلَّا في الحرب.

الثَّالث يحرم إلَّا في السَّفر.

الرَّابع يحرم إلَّا في المرض.

الخامس يحرم إلَّا في الغزو.

السَّادس يحرم إلَّا في العلم.

السَّابع يحرم على الرِّجال والنِّساء.

الثَّامن يحرم لبسه من فوق دون لُبْسه؛ من أسفل وهو الفرش، قاله أبو حنيفة وابن الماجشون.

التَّاسع مباحٌ بكلِّ حال.

العاشر محرَّم وإن خلط بغيره كالخز.

وقال ابن بطَّال اختلف السَّلف في لبسه فأجازته طائفة وكرهته أخرى، فممَّن كرهه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه؛ فروى ابن عساكر من طريق ابن عون، عن ابن سيرين أنَّ عمر رضي الله عنه رأى على خالد بن الوليد قميصَ حرير فقال ما هذا؟ فذكر له خالد قصَّةَ عبد الرَّحمن بن عوف فقال وأنت مثل عبد الرَّحمن، أو لك مثل ما لعبد الرَّحمن، ثمَّ أمر من حضر فمزَّقوه. رجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا.

وممَّن كرهه أيضًا ابن سيرين وعكرمة وابن محيريز وقالوا الكراهة في الحرب أشدُّ

ج 13 ص 445

لما يرجون من الشَّهادة، وهو قول مالك وأبي حنيفة.

وممَّن أجازه في الحرب أنس رضي الله عنه، روى مَعْمَر، عن ثابت قال (( رأيت أنسَ بن مالك رضي الله عنه لَبِسَ الدِّيباج في فزعةٍ فَزِعَها النَّاس ) ). وقال أبو فرقد (( رأيت على تجافيف أبي موسى رضي الله عنه الدِّيباج والحرير ) ). وقال عطاء الدِّيباج في الحرب سلاحٌ، وأجازه محمَّد بن الحنفية وعروة والحسن البصري، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشَّافعي. وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنَّه استحبَّ الحرير في الجهاد والصَّلاة به حينئذٍ للتَّرهيب على العدو والمباهاة.

وقال المهلَّب لباسه في الحرب لإرهاب العدوِّ، وهو مثل الرُّخصة للاحتيال في الحرب.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة خفيّةٌ حتَّى قيل لا مطابقة بينهما إلَّا إذا كان قوله في الجَرَب، بالجيم، كما زعم بعضهم، إلَّا أنَّه يمكن أن يقال إنَّ ترخيصه صلى الله عليه وسلم لعبد الرَّحمن بن عوف والزُّبير في قميصٍ من حرير كان من حكَّة، وكان في الغزاة، ويشهد له بذلك حديث أنسٍ الذي يأتي عقيب هذا الحديث [خ¦2920] حيث صرَّح فيه بقوله فرأيته عليهما في غزاة، وقد سبق أنَّه جعل الطَّبري جوازه في الغزو مستنبطًا من جوازه للحكَّة.

وقد ترجم التِّرمذي أيضًا باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب.

ثمَّ روي عن أنسٍ رضي الله عنه (( أنَّ عبد الرَّحمن بن عوف والزُّبير شكيا القمل في غزاة لهما فرخَّص لهما في قميص الحرير ) )قال (( ورأيته عليهما ) ).

وقال زين الدِّين العراقي كأنَّ التِّرمذي رأى تقييد ذلك بالحَرْب وفَهِمَ ذلك من قوله (( في غزاة لهما ) )، ومنهم من لا يرى التَّرخيص بوجود الحكَّة والقمل إلَّا بقيد ذلك في السَّفر، كما في رواية مسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه، أخرجه في اللباس عن قتادة أنَّ أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنبأهم (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرَّحمن بن عوف والزُّبير بن العوام في قميص الحرير في السَّفر من حكةٍ كانت بهما أو وجعٍ كان بهما ) )، وفي رواية له (( فرخَّص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما ) ).

ج 13 ص 446

فإن قيل التَّعليل ظاهرٌ في ذكر الحكَّة والقمل، وأمَّا كونه في غزاةٍ أو سفر فليس فيه ما يقتضي ترجيح كون ذلك سببًا، وإنَّما ذكر فيه المكان الذي رخَّص لهما فيه ولا يلزم منه كون ذلك سببًا.

فالجواب أنَّه سبب أيضًا؛ لأنَّ فيه إرهابَ العدوِّ كما أبيح الخيلاء فيه فيجوز أن يكون كلُّ واحدٍ من السَّفر والغزو والحكة سببًا مستقلًا.

وقال ابن العربي قد روي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في كلِّ واحدٍ منهما مفردًا، فإفراده اقتضى أن يكون كلُّ وجهٍ له حكم، وجمعها يوجب أن يكون ثلاث عللٍ اجتمعت فأثَّرت الحكم على الاجتماع كما يقتضيه على الانفراد.

والحديث أخرجه مسلم كما مرَّ، وأخرجه أبو داود في اللباس أيضًا، وكذا النَّسائي في الزينة، وأخرجه ابن ماجه في اللباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت