فهرس الكتاب

الصفحة 4601 من 11127

2938 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين وبالدال المهملتين، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ، قِيلَ لَهُ) أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُمْ) أي الرُّوم (لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا) وذلك لأنَّهم كانوا يكرهون أن يقرأ غيرُهم الكتاب لهم، وقد قيل في قوله تعالى {كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل 29] إنَّه مختوم. وروي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( كرامة الكتاب ختمه ) )وعن ابن المقنع من كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه، فقد استخفَّ به.

(فَاتَّخَذَ) صلى الله عليه وسلم (خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ) وكان اتِّخاذه الخاتم سنة ستٍّ، وأيضًا كان إرساله بكتاب إلى هرقل في سنة ستٍّ، وكان بعث صلى الله عليه وسلم ستة نفر إلى الملوك

ج 13 ص 472

واحد منهم دحية بن خليفة، أرسله إلى قيصر ملك الرُّوم ومعه كتاب، ومنهم عبد الله بن حذافة السَّهمي، أرسله إلى كسرى ملك الفرس، قاله الواقدي.

وذكر البيهقيُّ أنَّه كان في سنة ثمان، وفي لفظ (( خاتمًا ) )أربع لغات فتح التاء وكسرها وخيتام وخاتام.

وقوله (( من فضة ) )يدلُّ على أنَّه لا يجوز من غيرهما كالذَّهب، كما روى مسلم من حديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذَّهب ) ).

وروى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعٍ، ونهانا عن سبع، وفيه نهانا عن خواتيم الذَّهب، أو عن تختم الذَّهب ) ).

فإن قيل روى الطَّحاوي وأحمد في «مسنده» من حديث محمد بن مالك الأنصاري مولى البراء بن عازب قال رأيت على البراء خاتمًا من ذهب، فقيل له، قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمةً فألبسنيه، وقال (( البس ما كسا الله ورسوله ) ).

فقال الطَّحاوي فذهب قومٌ إلى إباحة لبس خواتيم الذَّهب للرِّجال، واحتجُّوا في ذلك بهذا الحديث، وأراد بهؤلاء القوم عكرمة والأعمش وأبا القاسم الأزدي، وروي ذلك عن البراء وحذيفة وسعد وجابر بن سمرة وأنس بن مالكٍ رضي الله عنهم.

فالجواب أنَّه خالفهم في ذلك آخرون منهم سعيد بن جبير والنَّخعي والثَّوري والأوزاعي وعلقمة ومكحول وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق، فإنَّهم قالوا يكره ذلك للرِّجال، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور، وبحديث عليٍّ رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر، وعن تختم الذَّهب ) )، وبحديث رواه أبو داود في كتاب الخاتم، والتِّرمذي في اللباس، والنَّسائي في الزينة، عن زيد بن الحباب،

ج 13 ص 473

عن عبد الله بن مسلم السُّلمي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال جاء رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتمٌ من حديد، فقال (( ما لي أرى عليك حلية أهل النَّار ) )ثمَّ جاء وعليه خاتمٌ من شبه، فقال (( ما لي أجد منك رائحة الأصنام ) )فقال يا رسول الله من أيِّ شيءٍ أتَّخذه؟ قال (( اتَّخذه من وَرِقٍ، ولا تتمه مثقالًا ) ). زاد التِّرمذي ثمَّ جاء وعليه خاتمٌ من ذهبٍ، فقال (( ما لي أرى عليك حلية أهل الجنَّة ) )وقال صفر، موضع شبه. وقال حديثٌ غريبٌ.

قال العينيُّ ورواه أحمد والبزَّار وأبو يعلى الموصلي في «مسانيدهم» وابن حبَّان في «صحيحه» .

فإن قيل كيف التَّوفيق بين حديثي البراء وهما متعارضان ظاهرًا؟

فالجواب أنَّه إذا خالف الرَّاوي ما رواه يكون العمل بما رآه، لا بما رواه؛ لأنَّه لا يخالف ما رواه إلَّا بدليلٍ قام عنده، وكان فص خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم حبشيًّا.

قال ابن الأثير يحتمل أنَّه أراد أنَّه كان من الجَزْعِ أو العَقِيْق؛ لأنَّ معدنهما اليمن والحبشة، أو نوعًا آخر ينسب إليه.

(كَأَنِّي) وفي رواية (أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ) أي إلى بياض الخاتم في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي «الصحيح» من رواية حميد، عن أنس رضي الله عنه (( كان فصه منه ) )، ولا تعارض بينه وبين الرِّواية الأخرى كان عقيقًا؛ لأنَّه لا مانع أن يكون له خاتمان أو أكثر، كذا قال العينيُّ.

(وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» وقال حدَّثنا ابن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال اتَّخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق، ثمَّ نقش عليه محمد رسول الله، ثمَّ قال (( لا ينقش أحدٌ على خاتمه ) ).

هذا، وأخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، وروى التِّرمذي من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صنع خاتمًا من وَرِقٍ، فنقش فيه محمَّد رسول الله، ثمَّ قال (( لا تنقشوا عليه ) ).

قال التِّرمذي هذا حديثٌ صحيحٌ، ومعناه أنَّه نهى أن ينقشَ

ج 13 ص 474

أحدٌ على خاتمه محمد رسول الله.

وروى التِّرمذي أيضًا من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( كان نقش خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسطر، محمَّد سطر، ورسول سطر، والله سطر ) ).

وأخرجه البخاريُّ أيضًا على ما سيأتي، قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي نهيه صلى الله عليه وسلم أن ينقشَ أحدٌ على نقش خاتمه خاص بحياته.

ويدلُّ عليه لبس الخلفاء بعده، ثمَّ تجديد عثمان رضي الله غنه خاتمًا آخر بعد فقد ذلك في بئر أريس، ونقش عليه ذلك النَّقش.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ للتَّرجمة أجزاءً

الأول دعوة اليهود والنَّصارى، فتؤخذ المطابقة في ذلك من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم دعا هرقل إلى الإسلام، وهو على دين النَّصارى واليهود ملحقٌ بهم.

الثَّاني قوله (( على ما تقاتلون عليه ) )وتُؤْخَذُ المطابقة في ذلك من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم أشار في كتابه أنَّ مرادَه أن يكونوا مثلنا، وإلَّا يقاتلون عليه، كما في حديث عليٍّ رضي الله عنه الآتي بعد هذا الباب [خ¦2942] فقال (( نقاتلهم حتَّى يكونوا مِثْلَنا ) ).

الثَّالث قوله (( وما كتب إلى كسرى وقيصر ) )، وهذا ظاهرٌ.

الرَّابع قوله (( والدَّعوة قبل القتال ) )فإنَّه صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإيمان بالله وتصديق رسوله، ولم يكن بينه وبينهم قبل ذلك قتالٌ، وهذه مسألة خلافية فذهب طائفةٌ منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدُّعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أنَّ ذلك كان في بدء الإسلام قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وُجِدَ من لم تبلغْه الدَّعوة، فلا يقاتل حتَّى يُدْعَى، نصَّ عليه الشَّافعي، وقال مالك من قربت داره قوتل بغير دعوةٍ؛ لاشتهار الإسلام، ومن بَعُدَتْ دارهُ، فالدَّعوة أقطع للشَّك.

وروى سعيد بن منصورٍ بإسناد صحيحٍ، عن أبي عثمان النَّهدي أحد كبار التَّابعين قال كنَّا ندعُو ونَدَع، وهو منزَّلٌ على الحالين المقدَّمين.

وأمَّا حديث ابن عون في إغارة

ج 13 ص 475

النَّبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق على غرَّة، كما سيأتي في كتاب العتق [خ¦2541] ؛ فهو محمولٌ عند من يقول باشتراط الدُّعاء قبل القتال على أنَّه بلغتهم الدَّعوة، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت