2940 - 2941 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة وبالزاي، أبو إسحاق الزُّبيري الأسدي المديني، وهو
ج 13 ص 477
من أفراده، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف أبو إسحاق الزُّهري القرشي المديني، كان على قضاء بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ) يعني به هرقل (يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ) بفتح الدال وكسرها وسكون الحاء المهملة (الْكَلْبِيِّ وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى) بضم الموحدة وكسرها وسكون المهملة وبالقصر.
(لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ، وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِنْ حِمْصَ) بكسر المهملة وسكون الميم وبالمهملة (إِلَى إِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة وسكون التحتانية وكسر اللام وبالمد والقصر، بيت المقدس (شُكْرًا لِمَا أَبْلاَهُ اللَّهُ) أي أعطاه الله وأنعم عليه من هزيمة عسكر الفرس، يقال من الخير أبليته أبليه إبلاءً، ومن الشَّر بلوته بلاءً، والمعروف أنَّ الابتلاء يكون في الخير والشَّر معًا من غير فرقٍ بين فعليهما، ومنه قوله تعالى {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء 35] ، وقال تعالى {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال 17] ، وهو في الأصل الاختيار والامتحان، يقال بلوته وابتليته وأبليته.
(فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ حِينَ قَرَأَهُ الْتَمِسُوا لِي هَاهُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ، لأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
- (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ) ويروى (أَنَّهُ كَانَ بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تِجَارًا) بكسر التاء وتخفيف الجيم، ويروى بضم التاء وتشديد الجيم (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) وهي مدَّة المهادنة
ج 13 ص 478
والمصالحة (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَوَجَدَنَا) بفتح الدال فعل ومفعول، وقوله (رَسُولُ قَيْصَرَ) برفع رسول فاعله، وقيل يروى بالعكس (بِبَعْضِ الشَّأْمِ) قيل هي غزَّة المدينة المشهورة (فَانْطَلَقَ بِي وَبِأَصْحَابِي، حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ) على البناء للمفعول (فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ، وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ) بفتح التاء وضمها والجيم مفتوحة أو مضمومة (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، قَالَ مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ فَقُلْتُ هُوَ ابْنُ عَمِّي) وفيه تجوز إذ هو ابن عمِّ جدِّه؛ لأنَّ أبا سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ورسول الله محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف صلى الله عليه وسلم.
(وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي، فَقَالَ قَيْصَرُ أَدْنُوهُ) أمرٌ من الإدناء؛ أي قرِّبوه (وَأُمِرَ) على البناء للمفعول (أَصْحَابِي فَجُعِلُوا) على البناء للمفعول أيضًا (خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفَيَّ) بتشديد الياء (ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لأَصْحَابِهِ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ) بسكون الهمزة وضم المثلثة؛ أي من أن يَرْوِي ويَحْكِي، وقال ابن فارس أَثَرْتُ الحديث إذا ذكرتَه عن غيرك.
(أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ) ويروى أي عن تلقاء نفسي بخلاف الواقع (حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ) كذا بالضَّمير المنصوب، ويروى بدون الضمير.
(ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لاَ، فَقَالَ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ عَلَى الْكَذِبِ)
ج 13 ص 479
على معنى الاستفهام (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ لاَ، قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ) بكسر اللام، ويروى بفتح اللام على صورة الفعل الماضي، وكلمة من حرف جر في الأول، وكلمة استفهام في الثاني.
(قُلْتُ لاَ، قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ لاَ، قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ لاَ، وَنَحْنُ الآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ _ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ _ وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ لاَ أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا، قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟ قُلْتُ كَانَتْ دُوَلًا) بضم الدال، هو ما يتداول بينهم، فتارةً يكون لبعضٍ، وتارةً يكون لآخرين.
(وَسِجَالًا) بكسر السين، قد مرَّ معناه مستقصى في بدء الوحي [خ¦7] (يُدَالُ عَلَيْنَا) بضم الياء على البناء للمفعول (الْمَرَّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ) بضم النون على البناء للمفعول أيضًا (الأُخْرَى) أي يغلبنا مرَّة، ونغلبه أخرى.
(قَالَ فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ قَالَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ. فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَه فَزَعَمْت أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، قُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَمُّ) أي يقتدي، ويروى ، ويروى .
(بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ) بكسر اللام؛ أي ليترك(الْكَذِبَ
ج 13 ص 480
عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تَخْلِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لاَ يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ يَغْدِرُونَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا، يُدَالُ عَلَيْكُمُ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى)أي تختبر بالغلبة عليهم؛ ليُعْلَمَ صبرُهم.
(وَتَكُونُ) ويروى (لَهَا الْعَاقِبَةُ) أي للرُّسل باعتبار الجماعة، ويروى فالضَّمير يرجع إلى قوله إلى هذا الرَّجل، فيما مضى، وكذلك الضَّمائر التي في قوله منه، وقاتلتموه، وحربه، ونسبه وغيرها.
(وَسَأَلْتُكَ بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصَّدَقَة، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ، قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا، فَيُوشِكُ) أي يسرع (أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ) بتشديد الياء (هَاتَيْنِ، وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ) بضم اللام وكسرها وكسر القاف وتشديد الياء؛ أي لتكلَّفت لقاءه.
(وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ،
ج 13 ص 481
سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بدعاية الإِسْلاَمِ) أي بدعوة الإسلام (أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ) قد مرَّ أنَّ الأريسيَّ بمعنى الأكار. والمعنى فإن تولَّيت؛ أي أعرضت عن قبول الحقِّ فعليك إثم أهل مملكتك؛ لأنَّ عدم إسلامهم لعدم إسلامك.
( {وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ} ) يعمُّ أهل الكتابين، وقيل يريد وفد نجران، أو يهود المدينة، ولكن حكم هذا الآية عامة، ولذا كتبها صلى الله عليه وسلم إلى هرقل.
( {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} ) لا تختلف فيها الرُّسل والكتب، وتفسيرها ما بعدها ( {أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} ) أن نوحِّده بالعبادة ونخلص فيها ( {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} ) ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلًا لأن يعبد ( {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ) ولا نقول عزيرٌ ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التَّحريم والتَّحليل؛ لأنَّ كلًّا منهم بعضنا بشر مثلنا.
روي أنَّه لمَّا نزلت {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة 31] قال عدي بن حاتم ما كنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال (( أليس كانوا يحلُّون لكم، ويحرِّمون فتأخذون بقولهم؟ ) )قال نعم، قال (( هو ذاك ) ).
( {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ) عن التَّوحيد ( {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران 64] ) أي لزمتكم الحجَّة فاعترفوا بأنَّا مسلمون مهتدون إلى الحقِّ دونكم؛ حيث لم تقدروا على دفع الحجَّة وكنتم محجوجين مغلوبين بالحجَّة، أو هو تعريضٌ لكفرهم من حيث إنَّهم أعرضوا عن الحقِّ بعد ظهوره، فكأنَّه قيل فاعترفوا بأنَّكم كافرون بما نطقتْ به الكتب، وتطابقت عليه الرُّسل.
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا أَنْ قَضَى مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ) بتقديم اللام على الغين المعجمة، بمعنى الصِّياح (فَلاَ أَدْرِي مَاذَا قَالُوا، فَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ، قُلْتُ لَهُمْ لَقَدْ أَمِرَ) بفتح الهمزة وكسر الميم؛ أي عظم وصار أمرًا عظيمًا.
(أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون المُوَحَّدة، رجلٌ من بني خزاعة كان بعيد الشعرى مخالفًا للعرب
ج 13 ص 482
كلِّهم، فشبَّهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وجعلوه أبًا له؛ لمخالفته آبائهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة.
(هَذَا مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) أي الرُّوم (يَخَافُهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ قَلْبِي الإِسْلاَمَ وَأَنَا كَارِهٌ) أي للإسلام، وكان ذلك يوم الفتح، وحسن إسلامه، وطاب قلبه به.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مرَّ الحديث في بدء الوحي [خ¦7] ، ومضى الكلام فيه مستوفى.