3016 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، هو ابنُ عبد الله بن الأشجِّ، وفي رواية أحمد عن هاشم بن القاسم حدَّثني بكير بن عبد الله بن الأشج، فأفاد نسبته، وتصريحه بالتَّحديث.
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا في جميع الطُّرق عن اللَّيث ليس بين سليمان بن يسار وأبي هريرة فيه أحد، وكذلك أخرجه النَّسائي من طريق عَمرو بن الحارث وغيره عن بُكير، وخالفهم محمَّد بن إسحاق، فرواه في «السِّيرة» عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكير، فأدخل بين سليمان وأبي هريرة رجلًا، وهو أبو إسحاق الدَّوسي.
وأخرجه الدَّارمي في «متصل الأسانيد» وابن السَّكن وابن حبَّان في «صحيحه» من طريق أبي إسحاق. وأشار التِّرمذي إلى هذه الرِّواية، ونقل عن البخاري أنَّ رواية اللَّيث أصح، وسليمان قد صحَّ سماعُه من أبي هريرة رضي الله عنه؛ يعني وهو غير مدلِّس، فتكون رواية ابنِ إسحاق من المزيد.
(أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ) زاد التِّرمذي عن قتيبة بهذا الإسناد (( رجلين من قريش ) ). وفي رواية ابن إسحاق (( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ) ).
قال الحافظ العسقلاني وكان أمير السريَّة المذكورة حمزة بن عمرو
ج 13 ص 590
الأسلمي، أخرجه أبو داود من طريقه بإسنادٍ صحيحٍ، لكن قال في روايته (( إن وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنَّار ) )هكذا بالإفراد. وكذلك في (( فوائد عليِّ بن حرب ) )عن ابن عيينة، عن ابن أبي نَجيح مرسلًا، وسماه هَبَّار بن الأسود، بفتح الهاء وتشديد الموحدة وبالراء. ووقع في رواية ابن إسحاق (( إن وجدتم هبَّار بن الأسود ) )والرَّجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق (( فحرِّقوهما بالنَّار ) )، يعني زينب رضي الله عنها بنت رسول الله صلى عليه وسلم، وكان زوجها أبو العاص بن الرَّبيع لمَّا أسره الصَّحابة ثمَّ أطلقه النَّبي صلى الله عليه وسلم من المدينة شرط عليه أن يجهز ابنته زينب فجهزها فتبعها هبَّار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها، فأسقطت ومرضت من ذلك.
والقصَّة مشهورة عند ابن إسحاق وغيره، وقال في روايته وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت من مكَّة.
وقد أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح أنَّ هبَّار بن الأسود أصاب زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وهي في خدرها فأسقطت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّة فقال (( إن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب، ثمَّ أشعلوا فيه النَّار ) )، ثمَّ قال (( إنِّي لأستحيي من الله؛ لا ينبغي لأحد أن يُعَذِّبَ بعذابِ الله ) )الحديث.
فكان إفراد هبَّار بالذِّكر؛ لكونه كان الأصل في ذلك، والآخر كان تبعًا له، وسمَّى ابن السَّكن في روايته من طريق ابن إسحاق الرَّجل الآخر ، وبه جزم ابن هشام. وحكى السُّهيلي عن «مسند البزَّار» أنَّه خالد بن عبد قيس، فلعلَّه تصحَّف عليه، وإنَّما هو نافع، كذلك هو في النُّسخ المعتمدة من «مسند البزَّار» ، وكذلك أورده ابن بشكوال من «مسند البزَّار» وأخرجه محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة في «تاريخه» من طريق ابن لهيعة كذلك.
قال الحافظُ العسقلاني وقد أسلم هبَّار هذا؛ ففي رواية ابن أبي نجيح المذكورة فلم تصبه السريَّة،
ج 13 ص 591
وأصابه الإسلام فهاجر، فذكر قصَّة إسلامه. وله حديث عند الطَّبراني، وآخر عند ابن منده.
وذكر البخاري في «تاريخه» لسليمان بن يسار عنه رواية في قصَّةٍ جَرَتْ له مع عمر رضي الله عنه، وعاش إلى خلافة معاوية رضي الله عنه، ولم أقف لرفيقه على ذِكْرٍ في الصَّحابة، فلعلَّه مات قبل أن يُسْلِمَ، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ) وفي رواية ابن إسحاق (( حتَّى إذا كان من الغد ) )وفي رواية عمرو بن الحارث (( فأتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج ) )، وفي رواية ابن لهيعة (( فلمَّا ودَّعنا ) )، وفي حديث حمزة الأسلمي (( فولَّيتُ فناداني فرجعتُ ) ).
(إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ) هو خبر بمعنى، ووقع في رواية ابن لهيعة (( وإنَّه لا ينبغي ) )، وفي رواية ابن إسحاق (( ثمَّ رأيت أنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا الله ) )، وروى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه رفعه (( إنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار ) ).
(فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا) واختلف السَّلف في التَّحريق، فكره ذلك عمر وابن عبَّاس وغيرهما رضي الله عنهم مطلقًا، سواء كان بسبب كفر، أو في حال مقاتلة، أو كان قصاصًا، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما رضي الله عنهم، وسيأتي ما يتعلَّق بالقصاص قريبًا [خ¦3017] .
وقال المهلَّب ليس هذا النَّهي على التَّحريم، بل على سبيل التَّواضع، ويدلُّ على جواز التَّحريق فعل الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد سَمَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المُحَمَّى، وقد حرَّق أبو بكر رضي الله عنه الفجاءة [1] بالنَّار في مصلَّى المدينة بحضرة الصَّحابة. وحرَّق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردِّة. وحرَّق علي رضي الله عنه الخوارج بالنَّار.
وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها بالنَّار إذا لم يكن فيها إلَّا المقاتلة، وبه قال الثَّوري والأوزاعي. وقال الأوزاعيُّ لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة إذا لم يكن فيها إلَّا المقاتلة ويحرقوا ويقتلوا كلَّ قتال، ولو لقيناهم في البحرِ رميناهم بالنَّفط والقطران. وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ معنى الحديث على النَّدب.
وقال ابن المنيِّر وغيره لا حجَّة فيما ذكر للجواز؛ لأنَّ قصَّة العرنيين كان قصاصًا، وتجويز الصَّحابي معارَض بمنع صحابي آخر. وقصَّة
ج 13 ص 592
الحصون والمراكب مقيَّدة بالضَّرورة إلى ذلك إذا تعيَّن طريقًا للظَّفر بالعدوِّ، ومنهم من قيَّده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان، كما تقدَّم.
وأمَّا حديث الباب فظاهر النَّهي فيه التَّحريم، وهو نسخ لأمره المتقدِّم سواء كان بوحي إليه أو باجتهاد منه، وهو محمولٌ على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه. وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة، وفي التَّدخين، وفي القصاص بالنَّار.
وفي الحديث جواز الحكم بالشَّيء اجتهادًا، ثمَّ الرُّجوع عنه، واستحباب ذكر الدَّليل عند الحكم لدفع الإلباس، والاستتابة في الحدود ونحوها. وأنَّ طول الزَّمان لا يرفع العقوبة عمَّن استحقَّها. وفيه كراهة قتل مثل البرغوث بالنَّار. وفيه نسخ السنَّة بالسنَّة، وهو اتِّفاقي. وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضًا. وفيه جواز نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التمكُّن من العمل به، وهو متَّفق عليه، إلَّا عن بعض المعتزلة، فيما حكاه أبو بكر ابن العربي.
وهذه المسألة غير المسألة المشهورة في الأصول في وجوب العمل بالنَّاسخ قبل العلم به، وقد تقدَّم شيء من ذلك في أوائل الصَّلاة في الكلام على حديث الإسراء [خ¦349] . وقد اتَّفقوا على أنَّهم إن تمكَّنوا من العلم به ثبت حكمه في حقِّهم اتِّفاقًا، فإن لم يتمكَّنوا، فالجمهور على أنَّه لا يثبت. وقيل يثبت في الذمَّة كما لو كان نائمًا، ولكنَّه معذور.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وإنَّ النَّار لا يعذِّب بها إلَّا الله ) ).
[1] في هامش الأصل الفُجاءة _ بضم الفاء والمد _ والد قطري الشاعر المازني. منه.