3019 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
ج 13 ص 604
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَرَصَتْ)بالقاف والصاد المهملة؛ أي لدغت (نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قال الكرماني قيل ذلك النَّبي كان موسى عليه السَّلام.
(فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ) أي أمر بإحراقها، والقرية المجتمع (فَأُحْرِقَتْ) على البناء للمفعول (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ) أي إلى ذلك النَّبي (أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ) بفتح الهمزة وبهمزة الاستفهام ملفوظة أو مقدرة، والتَّقدير الآن قرصتك نملة (أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ) .
قال الكرماني كيف جاز إحراق النَّمل قصاصًا وهو ليس بمكلَّف، ثمَّ إن جزاء سيئة سيئة مثلها، ثمَّ إنَّ القارص نملة واحدة ولا تزر وازرة وزر أخرى؟
قلت لعلَّه كان في شرعه جائزًا، ويقال المؤذي طبعًا يُقْتَلُ شرعًا قياسًا على الأفعى. فإن قلت لو كان جائزًا لما ذُمَّ عليه؟
قلت يحتمل أن يذمَّ على ترك الأولى، وحسنات الأبرار سيئات المقرَّبين. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ قوله لعلَّه كان في شرعه جائزًا، فيه نظر؛ لأنَّه حكم بالتَّخمين، والأولى أن يقال لعلَّه لم يكن يعلم حينئذٍ أنَّه لا يجوز، وقوله المؤذي طبعًا يقتل شرعًا، فيه أنَّ النَّمل ليس بمؤذٍ طبعًا؛ لأنَّ قرصها يحتمل أنَّه كان على سبيل الاتِّفاق.
وقوله يحتمل أن يذم على ترك الأولى، لا يقال في حقِّ نبيٍّ من أنبياء الله أنَّ الله ذمَّه على فِعْلٍ، بل عاتبه عليه. انتهى. وفي كلٍّ منها نَظَرٌ، فلْيُتَأمَّل.
وفي الحديث تسبيح النَّمل كما قال تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [لإسراء 44] الآية. وقال ابن التِّين وهو دليل لمن قال لا يحرق النَّمل، وأجازه ابن حبيب، وأمَّا إن أدَّت ضرورة إلى ذلك فجائز أن يحرق ويغرق، ومناسبة الحديث بما قبله من حيث إنَّه لا يتجاوز بالتَّحريق حيث يجوز إلى من لم يستوجب ذلك، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر فيه أنَّ الله عزَّ وجلَّ عاتب هذا النَّبي عليه السَّلام بإحراقه تلك الأمَّة من النَّمل، ولم يكتف بإحراق النَّملة التي قرصته، كما وقع في بعض طرق الحديث (( إنَّ الله تعالى أوحى إليه
ج 13 ص 605
فهلَّا نملة واحدة )) . فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّه لو أحرق التي قرصته وحدها لما عوتب عليه، ولا يخفى أنَّ صحة الاستدلال بذلك متوقِّفة على أنَّ شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟
وسيأتي شرحه مستوفى في بدء الخلق إن شاء الله تعالى [خ¦3319] ، والحديث أخرجه مسلم في الحيوان، وأبو داود في الأدب، والنَّسائي في الصَّيد، وكذا ابن ماجه فيه.