فهرس الكتاب

الصفحة 4733 من 11127

3024 - 3025 - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) أي ابن عيسى، أبو يعقوب المروزي، قال (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ) الكوفي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد (الْفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة (كُنْتُ كَاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) وكان مولى له أيضًا، وكان عمر بن عُبيد الله بن مَعمر التَّيمي القرشي أميرًا على حرب الخوارج.

(فَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ) وهكذا وردَ في أكثر الأصول مختصرًا ومقتصرًا على هذا المتن، وفي رواية أبي ذرٍّ وقع مطوَّلًا هكذا .

قال ابن بطَّال حكمة النَّهي أنَّ المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظيرُ سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصِّدِّيق رضي الله عنه (( لأن أُعافى فأَشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبْتلى فأصبر ) ).

على أنَّ النَّاس يختلفون في الصَّبر على البلاء، ألا ترى إلى الذي أحرقتْه الجراح في بعض المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل نفسه. وقيل إنَّما نُهِيَ عن تمنِّي لقاء العدو لما فيه من الإعجاب والاتِّكال على النَّفس، والوثوق بالقوَّة، وقلَّة الاهتمام بأمر العدوِّ، وكل ذلك يُباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل يُحْمَلُ النَّهيُ على ما إذا وقع الشَّك في المصلحة، أو حصول الضَّرر، وإلَّا فالقتال فضيلة وطاعة، ويؤيِّد الأوَّل تعقيب النَّهي بقوله (( واسألوا الله العافية ) ). وقد أخرج سعيدُ بن منصور

ج 14 ص 1

من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلًا (( لا تتمنَّوا لقاءَ العدوِّ، فإنَّكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم ) ).

وقال ابن دقيق العيد لمَّا كان لقاء الموت من أشقِّ الأشياء على النَّفس، وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحقَّقة، لم يؤمن أن لا يكون عند الوقوع كما ينبغي، فَيُكره التمنِّي لذلك، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يُخالفَ الإنسان ما وعد من نفسه، ثمَّ أمر بالصَّبر عند وقوع الحقيقة. انتهى.

واستدلَّ بهذا الحديث على منع طلب المبارزة، وهو رأي الحسن البصري، وكان عليٌّ رضي الله عنه يقول لابنه يا بُنيَّ، لا تَدْعُ أحدًا إلى المبارزة، فإن دُعِيتَ فأجبْ تُنْصَر؛ لأنَّ الدَّاعي باغ، وفي رواية (( ومن دعاك إليها فاخرج إليه ) )؛ لأنَّه باغٍ، والله تعالى قد ضمن من بُغِيَ عليه.

وأمَّا أقوال العلماء فيه فقد ذكر ابنُ المنذر أنَّه أَجْمَعَ كلَّ من يُحْفَظُ عنه العلمُ من العلماء على أنَّ للمرءِ أن يبارزَ ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصري، فإنَّه كرهها، وهو قول الثَّوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وأباحته طائفةٌ ولم يذكروا إذن الإمام ولا غيره، وهو قول مالك والشَّافعي، فإن طلبها كافر يُسْتَحَبُّ الخروجُ إليه، وإنما يحسن ممَّن جرَّب نفسه وبإذن الإمام.

وسئل مالك عن الرَّجل يقول بين الصفَّين من يبارز؟ قال ذلك إلى نيَّته؛ إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى، فأرجو أن لا يكون به بأس؛ قد كان فَعَلَ ذلك مَنْ مضى.

وقال أنسُ بن مالك رضي الله عنه قد بارزَ البراءُ بن مالك مرزبان فقتله. وقال أبو قتادة بارزتُ رجلًا يوم خيبر فقتلتُه فأعطاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَلَبَه، وليس في خبره أنَّه استأذن فيه، ثمَّ قال (( اللَّهمَّ يا منزل الكتاب، ومجريَ السَّحاب، وهازمَ الأحزاب، اهزمْهُم وانصرنَا عليهم ) ).

أشار بهذا الدُّعاء إلى وجوه النَّصر عليهم، فبالكتابِ إلى قوله تعالى {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة 14] وبمجري السَّحاب

ج 14 ص 2

إلى القدرة عليهم، وبهازم الأحزاب إلى التوسُّل بالنِّعمة السَّابقة، وإلى تجريد التوكُّل واعتقاد أنَّ الله تعالى هو المنفرد بالفعل.

وفيه التنبيه على عظم هذه النِّعم الثَّلاث، فإنَّ بإنزال الكتاب حصلت النِّعمة الأخرويَّة، وهي الإسلام، وبإجراء السَّحاب حصلت النِّعمة الدنيويَّة وهي الرِّزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النِّعمتين فكأنَّه قال اللَّهم كما أنعمت بعظيم النِّعمتين الأخرويَّة والدنيويَّة وحفظتهما فأبقِهما.

وروى الإسماعيليُّ في هذا الحديث من وجه آخر أنَّه صلى الله عليه وسلم دعا أيضًا وقال (( اللَّهم أنت ربُّنا وربهم، ونحن عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك، فاهزمهم وانصرنا عليهم ) ). ولسعيد بن منصور من طريق أبي عبد الرَّحمن الحُبُلِّي، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا نحوه، لكن بصيغة الأمر عطفًا على قوله (( واسألوا الله العافية، فإن بُلِيْتُم بهم فقولوا اللَّهمَّ ) )فذكره، وزاد (( وغضُّوا أبصاركم واحملوا عليهم على بركة الله تعالى ) ).

هو معطوفٌ على الإسناد الماضي، وكأنَّه يشير إلى أنَّه عنده بالإسناد الواحد على وجهين مطوَّلًا ومختصرًا، والمطوَّل هو ما ورد في رواية أبي ذرٍّ، واقتصر غيره على هذا المتن المختصر ولم يستوفوه مطوَّلًا.

وقد جعلنا هذا المتن المختصر أصلًا في هذا الشَّرح كما ترى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت