فهرس الكتاب

الصفحة 4736 من 11127

3027 - 3028 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسندي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ هَلَكَ كِسْرَى) بفتح الكاف وكسرها، لقب ملك الفرس، وذكره ثعلب بكسر الكاف. وقال الفرَّاء الكسر أكثر من الفتح، وأنكر أبو زيد الأنصاري الفتح، وقال ابنُ الأعرابي الكسر أفصح، وكان أبو حاتم يختار الكسر. وقال القزَّاز الجمع كُسُور وأَكَاسِرة وكَسَاسِرة، والقياس أن يجمعَ كِسْرَون كما يجمع موسى موسون.

وعن أبي إسحاق الزجَّاج أنَّه أنكر على أبي العبَّاس قوله كِسرى، بكسر الكاف،

ج 14 ص 4

قال وإنَّما هو كَسرى، بالفتح، وقال ألا تراهم يقولون كَسروي.

وقال ابن فارس لا اعتبار بالنِّسبة فقد يفتح في النِّسبة ما هو مكسورٌ في الأصل أو مضموم فيقال في تغلَب، بالفتح تغلِبي، بالكسر، وفي أُموي، بالضم أَموي، بالفتح، ومع هذا فإنَّه معرب خسرو، ومعناه واسع الملك فكيف عرَّبه العرب فهو جائزٌ.

وفي «المجمل» قال أبو عَمرو ينسب إلى كِسرى، بكسر الكاف، كَسْرِيُّ وكَسْرَوِيٌّ. وذكر اللَّحياني أنَّ معناه شاهان شاه، وهو اسمٌ لكلِّ من ملك الفرس.

(ثُمَّ لاَ يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ وَقَيْصَرُ) مبتدأ خبره (لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لاَ يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ) وقيصر لقب كل من ملك الرُّوم، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، ويروى بعد النفي بالتنوين لزوال العلميَّة، وكذا الكلام في كِسرى، وإنَّما قال في كسرى هلك بلفظ الماضي، وفي قيصر بلفظ المضارع؛ لأنَّ كسرى الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم كان هالكًا حينئذٍ، وأمَّا قيصر فكان حيًّا إذ ذاك. فإن قيل كان بعدهما غيرهما؟

فالجواب أنَّه ما قام لهم النَّاموس على الوجه الذي قبل ذلك. فإن قيل روى مسلم من رواية الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم (( قد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله ) ).

وروى التِّرمذي من حديث الزُّهري أيضًا عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ) )الحديث.

وبين اللَّفظين بون عظيم، فلفظ مسلم يقتضي أنَّ موت كسرى قد وقع فأخبر عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤيِّد رواية البخاري (( هلك كسرى ) )، ولفظ التِّرمذي يدلُّ على أنَّ هلاكه سيقع؛ لأنَّ إذا للمستقبل. فالجواب من وجهين

ج 14 ص 5

أحدهما أن يقال إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه سمع الحديث مرَّتين، فسمع أولًا (( إذا هَلَكَ كِسرى ) )، ثمَّ سمع بعده (( قد مات ) )، في رواية مسلم، و (( هلك ) )في رواية البخاري، ومعناهما واحد، وكان صلى الله عليه وسلم أخبر أولًا قبل موت كسرى بموته؛ لأنَّه علم أنَّه يموت، ثمَّ لمَّا مات قال قد مات كسرى.

والآخر أن يفرق بين الموت والهلاك، فموته قد وقع في حياته صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك. وأمَّا هلاك ملكه فلم يقع إلَّا بعد موته صلى الله عليه وسلم وموت أبي بكر رضي الله عنه، وإنَّما هلك ملكه في خلافة عمر رضي الله عنه، وتمامه وتلاشيه في أيَّام عثمان رضي الله عنه.

(وَلَتُقْسَمَنَّ) على البناء للمفعول (كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهكذا جرى؛ قَسَمَ المسلمون كنوزهما في سبيل الله، وهذه معجزة ظاهرة. والكنوزُ جمع كنز، وهو المالُ المدفون والذي يجمع ويدَّخر.

واعلم أنَّ الهلاك في كسرى عام، وفي قيصر خاص؛ لأنَّ معنى الحديث لا قيصر بعده في أرض الشَّام، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لقيصر لمَّا قرأ كتابه أن يثبِّت الله ملكه فلم يذهب ملك الرُّوم أصلًا إلَّا من الجهة التي خلا منها. وأمَّا كسرى فإنَّه مزَّق كتابه صلى الله عليه وسلم فدعا عليه أن يُمَزَّقَ مُلْكُه كُلَّ مُمَزَّق فانقطع إلى اليوم وإلى يوم القيامة.

(وَسَمَّى) أي رسول صلى الله عليه وسلم (الْحَرْبَ خُدْعَةً) ضبط الأَصيلي خُدْعة بضم الخاء وسكون الدال، وعن يونس بضم الخاء وفتح الدال، وعن القاضي عياض فتحهما.

وقال القزَّاز فتح الخاء وسكون الدال لغة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك جزم أبو ذرٍّ الهَرَوي، وبه قال ثعلب. وقال أبو بكر بن طلحة أراد ثعلب أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل هذه البِنْية كثيرًا لِوَجازة لفظها، ولكونها تُعطي معنى البنيتين الأخريين، قال ويُعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرَّة وإلَّا فقاتل.

ج 14 ص 6

قال فكانت هذه اللُّغة مع اختصارها كثيرة المعنى، فلذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يختارها. انتهى.

ومعنى خَدْعة، بفتح الخاء وسكون الدال المرَّة الواحدة من الخداع؛ يعني أنَّ من خدع فيها مرَّة واحدة عطب وهلك ولا عودة له، قاله الخطَّابي.

وقال ابنُ سيده في «العويص» مَن قال خدعة أراد أنَّ الحرب تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنَّها وصف المفعول كما يقال هذا الدِّرهم ضرب الأمير؛ أي مضروبه.

ومعنى خُدْعة، بضم الخاء وسكون الدال أنَّ الحرب يخدع بها الرِّجال؛ أي محل الخداع وموضعه.

ومعنى خُدَعة، بضم الخاء وفتح الدال أنَّ الحرب تَخْدعُ الرِّجال تُمَنِّيهم بالظَّفر والغَلَبة، ولا تفي لهم بذلك، كالضِّحكة واللَّعنة، ففيه مبالغة. وأمَّا خَدَعة، بفتح الخاء والدال، فهي جمع خادع، ومعناه أنَّ أهل الحرب بهذه الصِّفة، فكأنَّه قال أهل الحرب خدعة.

وحكى مكِّي ومحمَّد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الإسكان، وُجِدَ ذلك بخطِّ مغلطائي، وأصل الخِدْع إظهار أمر وإضمار خلافه. وقيل الحكمة في الإتيان بالتاء في خَدْعة، بفتح الخاء وسكون الدال؛ للدَّلالة على الوحدة، فإنَّ الخداع إن كان من المسلمين، فكأنَّه حضَّهم على ذلك ولو مرَّة واحدة، وإن كان من الكفَّار فكأنَّه حذَّرهم من مَكرهم، ولو وقع مرَّة واحدة، فلا ينبغي التَّهاون بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قلَّ.

ففي الحديث التَّحريض على أخذِ الحذر في الحرب، والنَّدب إلى خداع الكفَّار، وإن من لم يتيقَّظ لذلك لم يأمن أن ينعكسَ الأمر عليه.

قال النَّووي واتَّفقوا على جواز خداع الكفَّار في الحرب كيف ما أمكن إلَّا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.

وقال ابنُ العربي الخديعة في الحرب تكون بالتَّورية والتَّعريض، وتكون بالكمين، وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى

ج 14 ص 7

الجائز المخصوص من المحرم، والكذب حرامٌ بالإجماع، جائزٌ في مواطن بالإجماع أصلها الحرب، أذن الله فيه، وفي أمثاله رفقًا بالعباد لضعفهم، وليس للعقلِ في تحريمه ولا تحليله أثر إنَّما هو إلى الشَّرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقول المبتدعون عقلًا، ويكون التَّحريم صفة نفسيَّة كما يزعمون ما انقلب حلالًا أبدًا، إذ المسألة ليست معقولة فتستحقُّ جوابًا.

قال العينيُّ وخفي ذلك على علمائنا. وقال الطَّبري إنَّما يجوز في المعاريض دون حقيقةِ الكذب فإنَّه لا يحل.

وقال النَّووي الظَّاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التَّعريض أفضل، قيل وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرَّأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشَّجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه هذا الحديث، وهو كقوله (( الحجُّ عرفة ) ).

وذكر الواقدي أنَّ أوَّل ما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الحرب خدعة ) )في غزوة الخندق، قاله لنُعَيم بن مسعود. وعن المهلَّب الخداع في الحرب جائز كيف ما يمكن إلَّا بالأيمان والعهود، فلا يحلُّ بشيءٍ من ذلك. والحديث قد أخرجه مسلم أيضًا، ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت