فهرس الكتاب

الصفحة 4787 من 11127

3059 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالك، واسم أبي أويس عبد الله (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية وقد يهمز، أدرك أيَّام النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يذكره أحد في الصَّحابة، ورَوَى عن أبي بكر وعَمرو بن العاص رضي الله عنهما، وروى عنه ابنه عُميرٌ شيخٌ من الأنصار وغيرهما، وشهد صفِّين مع معاوية رضي الله عنه، ولمَّا قُتِلَ عمار تحوَّل إلى عليٍّ رضي الله عنه ولولا هو من أهل الفضل والثِّقة لما ولَّاه عمر رضي الله عنه على موضع.

(عَلَى الْحِمَى) بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مقصورًا، وهو موضعٌ يعيِّنه الإمام لأجل نَعَمِ الصَّدقة ممنوعًا عن الغير، وبيَّن ابن سعد من طريق عَمرو بن هُنَيٍّ عن أبيه أنَّه كان على حِمَى الرَّبَذة (فَقَالَ يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) ضم الجناح كناية عن الرَّحمة والشَّفقة.

وحاصل المعنى كفَّ يدك عن ظلم المسلمين، وفي رواية مَعن بن عيسى عن مالك عند الدَّارقطني في (( الغرائب ) ) (( اضممْ جناحَك للنَّاس ) ). وفي (( التلويح ) ) (( اضممْ جناحك عن المسلمين ) )، يريد استرهُم بجناحك، وفي بعض الرِّوايات (( عن المسلمين ) )أي لا تحمل ثقلك عليهم، وكفَّ يدك عن ظلمهم.

(وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ) ويروى (وَأَدْخِلْ) أمر من الإدخال؛ أي ادخلْ في الحمى، وائذن في الرَّعي (رَبَّ الصُّرَيْمَةِ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء مصغرًا، الصِّرْمة وهي القُطَيْعَةُ من الإبل بقدر الثَّلاثين (وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ) مصغَّر الغنم، والمعنى صاحب القطعة القليلة

ج 14 ص 69

من الإبل والغنم، ولهذا صغَّر اللَّفظين (وَإِيَّايَ) كأنَّ القياس وإيَّاك؛ لأنَّ هذه اللَّفظة للتَّحذير، وتحذير المتكلِّم نفسه شاذ عند النُّحاة، ولكنَّه بالغ فيه من حيث إنَّه حذَّر نفسه، ومراده تحذير المخاطب وهو أبلغُ؛ لأنَّه ينهي نفسه ومراده نهيُ من يخاطبه، فكأنَّه قال أتقي نفسي في ذلك، فيلزم منه اتِّقاء هني بالأولوية، ويحتمل أن يكون من باب التَّحذير، ويكون عطفًا على دعوة المظلوم، فافهم.

(وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ) وهو عبدُ الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ) هو عثمان رضي الله عنه، وإنَّما خَصَّهُما بالذِّكر على طريقِ المثال لكثرة نعمهما؛ لأنَّهما كانا من مياسيرِ الصَّحابة رضي الله عنهم، ولم يرد بذلك منعهما البتَّة، وإنَّما أراد أنَّه إذا لم يسع المرعى إلَّا نَعَم الفريقين، فنَعَم المقلين أولى، فنهاهُ عن إيثارهما على غيرهما أو تقديمها على غيرهما، وقد بيَّن ذلك في الحديث بقوله

(فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا) أي فإنَّ ابن عوف وابن عفَّان رضي الله عنهما إن تهلك ماشيتهما (يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ) أراد أنَّ ماشيتهما إذا هلكتْ كان لهما عوض من أموالهما من النَّخل والزَّرع وغيرهما يعيشان فيها، ومن ليس له إلَّا الصريمة القليلة أو الغنيمة القليلة إن تهلك ماشيتُه يستغيثُ عمرَ ويقول أنفق عليَّ وعلى بنيَّ من بيت المال، وهو معنى قوله (وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِينِي بِبَنِيهِ) أي بأولاده (فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) كذا هو بالتكرار، وفي رواية الكُشْمِيْهني جمع ابن، فيقول يا أمير المؤمنين نحن فقراء محتاجون، ويروى بلفظ البيت الذي هو عبارة عن زوجته.

(أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، والمعنى أنا لا أتركهم محتاجين، ولا أجوِّز تركهم على الاحتياج فلابدَّ من إعطاء الذَّهب والفضَّة إيَّاهم بدل الماء والكلأ.

والحاصل أنَّهم لو منعوا من الماء والكلأ هلكت مواشيهم، واحتاج

ج 14 ص 70

إلى صرفِ النُّقود إليهم لكنَّهما أسهل منه.

(لاَ أَبَا لَكَ) هو حقيقة في الدُّعاء عليه، لكن الحقيقة مهجورة، وهو بلا تنوين؛ لأنَّه صار شبيهًا بالمضاف، وإلَّا فالأصل لا أبَ لك (فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ) من ألفاظ القسم كقولك لعمر الله، وعهد الله، وفيه لغاتٌ كثيرةٌ وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطعُ، وأهل الكوفة من النُّحاة يزعمون أنَّها جَمْعُ يمين، وغيرهم يقول هو اسمٌ موضوعٌ للقَسَم.

(إِنَّهُمْ لَيُرَوْنَ) بضم الياء؛ أي ليظنُّون (أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ) ويجوز فتح الياء؛ أي ليعتقدون. قال ابن التِّين يريد أربابَ المواشي الكثيرة، والظَّاهر أنَّه أرادَ أربابَ المواشي القليلة؛ لأنَّهم الأكثرون وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة، يدلُّ عليه قوله (إِنَّهَا) أي إنَّ هذه الأراضي (لَبِلاَدُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلاَمِ) والمراد عموم أهل المدينة، ولم يدخل في ذلك ابن عوف ولا ابن عفَّان رضي الله عنهما.

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي من الإبل التي كان يَحْمِلُ عليها من لا يَجِدُ ما يركب (مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْرًا) وجاء عن مالك أنَّ عدَّة ما كان في الحِمَى في زمن عمر رضي الله عنه بلغَ أربعين ألفًا من إبلٍ وخَيْلٍ وغيرهما، وفيه دليل على أنَّ مشارع القرى وعوامرها التي يرعى فيها مواشي أهلها من حقوق أهل القرية، وليس للسُّلطان بيعه إلَّا إذا فضل منه فضلة. فإن قلت قد مضى لا حمى إلَّا لله ولرسوله؟

فالجواب أنَّ معناه لا حمى لأحد يخصُّ به نفسه، وإنَّما هو لله ولرسوله أو لمن ورثَ ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من الخلفاء للمصلحة الشَّاملة للمسلمين، وما يحتاجون إلى حمايته.

ومطابقته للتَّرجمة يمكن أن يؤخذ من قوله إنَّها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهليَّة، وأسلموا عليها في الإسلام، وذلك لأنَّ أهل المدينة أسلموا ولم يكونوا من أهل العنوة فهم أحقُّ بأرضهم، ومن

ج 14 ص 71

أسلم من أهل العنوة فأرضه فيءٌ للمسلمين. وهذا الأثرُ تفرَّد به البخاري عن الجماعة. وقال الدَّارقطني فيه غريبٌ صحيحٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت