فهرس الكتاب

الصفحة 4837 من 11127

3091 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان، كما مرَّ غير مرة [خ¦6] [خ¦161] [خ¦205] ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو ابنُ شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) أي ابن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهم (أنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ) هو أخو الحسن بن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهم.

(أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ) الشَّارف، بالشين المعجمة المسنَّة من النوق، ولا يقال للذكور عند الأكثر، وحكى إبراهيم الحربي عن الأصمعيِّ جوازه، وجَمْعُه شُرُف، بضمتين، قال القاضي عياض جمع فاعل على فُعُل بضمتين قليل.

(وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ) يعني يوم بدر. قال ابن بطَّال ظاهره أنَّ الخمس شرع يوم بدرٍ، ولم يختلف أهل السِّير أنَّ الخمس لم يكن يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال قيل إنَّه أوَّل يومٍ فرض فيه الخمس، قال وقيل نزل بعد ذلك، قال ولم يأت ما فيه بيانٌ شافٍ وإنَّما جاء صريحًا في غنائم حنين.

قال ابن بطَّال وإذا كان كذلك يحتاج قول علي رضي الله عنه إلى تأويل لا يعارض قول أهل السِّير. قال ويمكن أن يقال إنَّ معنى قول عليٍّ رضي الله عنه وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفًا من الخمس أنَّه أعطاني ذلك من سريَّة عبد الله بن جحش التي كانت قبل بدرٍ الأولى بشهرين في رجب من السَّنة الثانية، وكان صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهطٍ من المهاجرين إلى نخلةٍ بين مكَّة والطَّائف فوجد بها عير قريش فقتلوهم وأخذوا العير، فقال عبد الله لأصحابه إنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا غَنِمْنا الخمس، وذلك قبل أن يفرضَ الله

ج 14 ص 117

تعالى الخُمس من المغانم فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُمُس العير وقسم الباقي بين أصحابه، فَوَقَع رِضَى اللهِ بذلك، فيُحْمل قول عليٍّ رضي الله عنه وكان قد أعطاني شارفًا من الخمس؛ أي من الذي حصل من سرية عبد الله بن جحش.

قال وقد روى أبو داود ما يدلُّ على ذلك قال (( كان لي شارفٌ من نصيبي من المَغْنَم يوم بدر، وأعطاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شارفًا من الخمس يومئذٍ ) )؛ يعني يوم بدر، وأراد به من الخمس الَّذي عزله عبد الله بن جحش لرسول صلى الله عليه وسلم من العير التي أخذها كما ذكر.

هذا، وقال الحافظ العسقلانيُّ ويعكِّر عليه أنَّ في الرواية الآتية في المغازي [خ¦4003] ، (( وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطاني ممَّا أفاء الله من الخُمُس يومئذٍ ) ). والعجب أنَّ ابن بطَّال عزا هذه الرواية لأبي داود وجعلها شاهدًا لما تأوَّله وغَفَل عن كونها في البخاري الذي شرحه، وعن كون ظاهرها شاهدًا عليه لا له، ولم أقف على ما نقله عن أهل السِّير صريحًا في أنَّه لم يكن في غنائم بدرٍ خمس.

والعجب أنَّه يُثبت في غنيمة السرية التي قبل بدر الخمس ويقول إنَّ الله رضيَ بذلك وينفيه في يوم بدر، مع أنَّ الأنفال التي فيها التَّصريح بفرضِ الخمس نزل غالبها في قصة بدر.

وقد جزم الداوديُّ بأنَّ آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكيُّ نزلت في بدر وغنائمها، والذي يظهر أنَّ آية قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم؛ لأنَّ أهل السِّير نقلوا أنَّه صلى الله عليه وسلم قسمها على السَّواء، وأعطاها لمن شهد الوقعة أو غاب لعذر تكرُّمًا منه؛ لأنَّ الغنيمة كانت أوَّلًا بنصِّ أوَّل سورة الأنفال للنَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال ولكن يعكِّر على ما قال أهل السِّير حديث عليٍّ رضي الله عنه يعني حديث الباب حيث قال (( وأعطاني شارفًا من الخمس يومئذٍ ) )، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّه كان فيها خمس، إلَّا أنه يحتمل أن يكون قسمة غنائم بدر وقعت على السَّواء بعد أن أخرج الخمس للنَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 14 ص 118

على ما تقدَّم من قصَّة سريَّة عبد الله بن جحش، وأفادت آية الأنفال، وهي قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} إلى أخرها بيان مصرفِ الخمس لا مشروعيَّة أصل الخمس، والله تعالى أعلم.

وأمَّا ما نقله عن أهل السِّير، فأخرجه ابن إسحاق بإسنادٍ حسنٍ يُحْتَجُّ بمثله عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال (( فلمَّا اختلفنا في الغنيمة، وساءت أخلاقنا انتزعها الله منا فجعلها لرسوله فقسمها على الناس عن بواء ) )؛ أي على سواء، ساقه مطولًا، وأخرجهُ أحمد والحاكم من طريقه، وصحَّحه ابن حبَّان من وجهٍ آخر ليس فيه ابن إسحاق.

(فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ) من الابتناء، وهو الدُّخول بالزَّوجة وكذلك البناء، وأصله أنَّهم كانوا إذا أراد رجلٌ منهم أن يزوِّج امرأة بنى لها قبَّةً ليدخل فيخلو بها فيها، فيقال بنى الرجل على أهله وبأهله.

(بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) واختلف في وقت دخول عليٍّ رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها، وهذا الحديث يشعر بأنَّه كان عقب وقعة بدر، ولعلَّه كان في شوال سنة اثنتين، فإنَّ وقعة بدر كانت في رمضان منها.

وقيل تزوَّجها في السنة الأولى، ولعلَّ قائل ذلك أراد العقد. ونقل ابن الجوزي أنَّه كان في صفر سنة اثنتين، وقيل في رجب، وقيل في ذي الحجة، وهذا الأخير يُشبه أن يحملَ على شهر الدخول بها، وقيل تأخَّر دخوله بها إلى سنة ثلاث؛ فدخل بها بعد وقعة أُحد، حكاه ابنُ عبد البر، وفيه بُعْدٌ.

(وَاعَدْتُ) من المواعدة (رَجُلًا صَوَّاغًا) بفتح الصاد المهملة وتشديد الواو، قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على اسمه. ووقع في رواية ابن جُريج في الشرب [خ¦237] (( صائغ ) )بمهملتين وموحدة، و (( طالع ) )بلام بدل الموحدة؛ أي من يدلُّه ويساعده، وقد يقال إنَّه اسم الصَّائغ المذكور، وفيه بُعْدٌ.

(مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ) بفتح القافين وضم النون وفتحها وكسرها، منصرفًا وغير منصرفٍ. قال الكِرمانيُّ هم قبيلةٌ من اليهود، وقال الصنعانيُّ هم حيٌّ من اليهود، وقال العينيُّ هو مركَّبٌ من قين، وهو الحدَّاد، وقاع اسم

ج 14 ص 119

أطم من آطام المدينة.

(أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِيَ فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ) بكسر الهمزة، حشيشةٌ طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب، وهمزته زائدةٌ، وقد مرَّ في (( كتاب الحج ) ) [خ¦1833] .

(أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي) الوليمة طعام الزفاف، وقيل اسم لكلِّ طعام، والعِرس، بالكسر امرأة الرجل، وبالضم طعام الوليمة، وينبغي أن يكون بالكسر وإلَّا يكون المعنى وليمة وليمتي.

وفي «المغرب» العُرس، بالضم اسمٌ، ومنه (( إذا دُعي أحدُكم إلى وليمة عرسٍ فليجب ) )أي إلى طعام أعراسٍ، وطعام الوليمة يُسَمَّى عُرْسًا باسم سببه.

(فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ) بتشديد الياء على صيغة التَّثنية (مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ) جمع قتب، وهو معروفٌ (وَالْغَرَائِرِ) بالغين المعجمة، جمع غرَار، بالراء المكررة ظرف التَّبن ونحوه. قال الجوهريُّ وأظنه معرَّبًا (وَالْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ) كذا في رواية الأكثر، والتأنيث باعتبار المعنى؛ لأنهما ناقتان، وفي رواية < مناخان>بالتَّذكير، وهو باعتبار لفظ الشارف.

(إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه (رَجَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ) زاد في رواية ابن جريج عن ابن شهاب في الشرب [خ¦2375] وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يشرب في ذلك البيت؛ أي الذي أنيخ الشَّارفان بجانبه، ومعه قَيْنَة _ بفتح القاف وسكون المثناة التحتية بعدها نون _ هي الجارية المغنِّية فقالت

~أَلَا يَا حَمَزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ

الشرف جمع شارف، كما تقدم، والنِّوَاء، بكسر النون والمد مخففًا جمع ناوية وهي الناقة السَّمينة، وحكى الخطابيُّ أنَّ ابن جريرٍ الطبريِّ رواه ذا الشَّرَف، بفتح الشين، وفسَّره بالرفعة وجعله صفة لحمزة وفتح نون النواء، وفسَّره بالبعد؛ أي الشَّرف البعيد؛ أي مناله بعيد.

قال الخطابيُّ وهو خطأٌ وتصحيف، وحكى الإسماعيليُّ أنَّ أبا يعلى حدَّثه به من طريق ابن جريج، فقال الثواء، بالثاء المثلثة، قال فلم يضبطه.

وحكى

ج 14 ص 120

المرزباني في «معجم الشعراء» أنَّ هذا الشعر لعبد الله بن السَّائب المخزوميِّ جدِّ أبي السَّائب المخزومي المدني وبقيَّته

~ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ

~ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللِّبَّاتِ مِنْهَا وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ

~وعَجِّلْ مِن أَطَايِبِها لشَرْبٍ طَعَامًا مِن قَدِيدٍ أَو شِوَاءِ

الشَّرْب، بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة جمع شارب، كتاجر وتَجْر، والفِنَاء، بكسر الفاء والمد الجانب؛ أي جانب الدَّار التي كانوا فيها، والقديد اللَّحم المطبوخ، والتَّضريج، بمعجمة وجيم التَّلطيخ، فإن كان ثابتًا فقد عرف بعض المبهم في قوله (( في شرب من الأنصار ) )، لكنَّ المخزوميَّ ليس من الأنصار فكأن قائل ذلك أطلقه عليهم بالمعنى الأعمِّ.

قال الحافظ العسقلانيُّ والَّذي أراه أن الَّذي نظم هذا الشِّعر، وأمر القينة أن تغنِّي به أراد أنْ يبعث همَّة حمزة لِمَا عرف من كرمه على نحر النَّاقتين ليأكلوا من لحمهما، فكأنَّه قال انهض إلى الشُّرُف فانحرها، وقد تبيَّن ذلك من بقيَّة الشعر.

وفي قوله للشُرُف، بصيغة الجمع، مع أنَّه لم يكن هناك إلَّا ثنتان دَلالةٌ على جواز إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. وقوله يا حمزُ، ترخيمٌ، وهو بفتح الزاي ويجوز ضمهما.

(فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ أُجِبَّتْ) بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الموحدة، وكذا في رواية عنبسة في (( المغازي ) )، وفي وراية الكُشْمِيهني هنا بضم الجيم من غير همزة؛ أي قطعت.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو الصَّواب، وعند مسلمٍ من طريق ابنِ وهب عن يونس (( أجتبت ) )من الافتعال وهو صوابٌ أيضًا. والجَبُّ، بفتح الجيم وتشديد الموحدة الاستفصال في القطع.

(أَسْنِمَتُهُمَا) جمع سنام، وهو ما على ظهر البعير (وَبُقِرَتْ) على البناء للمفعول، من البقر، بالموحدة وبالقاف، وهو الشقُّ (خَوَاصِرُهُمَا وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا) زاد ابن جريج قلت لابن شهاب ومن السَّنام، قال جبُّ أسنمتهما.

(فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ

ج 14 ص 121

مِنْهُمَا) وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ حيث رأيت؛ أي لم أملك عينيَّ من البكاء حين رأيت ذلك؛ يعني أنَّه بكى من شدَّة القهر الذي حصل له. وفي رواية ابن جريج رأيت منظرًا أفظعني، بفاء وظاء مشالة معجمة؛ أي نزل بي أمرٌ مفظعٌ؛ أي مخيفٌ مهولٌ، وذلك لتوهم تقصيره في حقِّ فاطمة رضي الله عنها، أو في تأخير الابتناء بها بسبب فوات ما يستعان به عليه لا لمجرَّد فوات النَّاقتين؛ لأنَّ متاع الدُّنيا قليلٌ لاسيَّما عند أمثاله رضي الله عنهم.

(فَقُلْتُ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقَالُوا فَعَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهْوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء، جمع شارب (مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ) كذا بصيغة المضارعة مبالغة في استحضار صورة الحال، ويجوز فيه الرفع والنصب، ولا يخفى وجههما.

(عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ) أي ما رأيت يومًا أفظع كاليوم.

(عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ) بتشديد الياء (فَأَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ) أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم ويروى ؛ أي له ولمن معه.

(فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ فَطَفِقَ) أي جعل (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ) وفي رواية ابنِ جريج فدخل على حمزة فتغيَّظ عليه (فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ) بفتح المثلثة وكسر الميم؛ أي سكر (مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَعَّدَ) بفتح الصاد المهملة وتشديد العين المهملة المفتوحة؛ أي جرَّ(النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ

ج 14 ص 122

فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَة هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي)أي كعبيدٍ، وفي رواية ابن جريج لآبائي، وغرضه أنَّ عبد الله وأبا طالب كانا كأنَّهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته وأنَّه أقرب إليه منهما. وقيل أراد أنَّ أباه عبد المطلب جدٌّ للنَّبي صلى الله عليه وسلم ولعليٍّ رضي الله عنه أيضًا، والجدُّ يُدعى سيدًا، وحاصل القولين أنَّ حمزة أراد الافتخار عليهم بأنَّه أقرب إلى عبد المطلب منهم، والله تعالى أعلم.

(فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى) قال الأخفش رجعَ وراءه، والنَّكص الرجوع إلى وراء، يقال نَكَص يِنْكُص فهو ناكصٌ. وقال ابن الأثير القهقري مصدر، ومنه قولهم رجع القهقرى؛ أي رجع الرُّجوع الذي يُعْرَفُ بهذا الاسم، فيكون القهقرى منصوبًا على المصدرية من غير لفظه، كما في قَعَدْتُ جلوسًا.

وقال الأزهري القهقرى الارتداد عمَّا كان عليه، وقد قهقر وتقهقر. وقيل إنَّه مشتقٌّ من القهر، وكأنَّه فعل ذلك خشية أن يزدادَ عبث حمزة في حال سُكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع من حمزة بمرأى منه ليدفعه إن وقع شيءٌ منه، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.

(وَخَرَجْنَا مَعَهُ) زاد ابنُ جريج وذلك قبل تحريم الخمر؛ أي ولذلك لم يؤاخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم حمزة بقوله. وفي هذه الزيادة ردٌّ على من احتجَّ بهذه القصَّة على أنَّ طلاق السَّكران لا يقع، فإنَّه إذا عرف أنَّ ذلك كان قبل تحريم الخمر كان ترك المؤاخذة لكونه لم يدخل على نفسه الضَّرر. والَّذي يقول يقع طلاق السَّكران يحتجُّ بأنَّه أدخل على نفسه السكر وهو محرمٌ عليه فعوقب بإمضاء الطَّلاق عليه، فليس في هذا الحديث حجَّةٌ لإثبات ذلك ولا نفيه.

وقال الطبريُّ وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ المسلمين كانوا يشربون الخمر ويسمعون الغناء في أول الإسلام حتَّى نهى الله عن ذلك بقوله {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة 90] الآية وحرمت الخمر بعد غزوة أحد.

وقال الخطابيُّ احتجَّ بعضهم بهذا الحديث في إبطال أحكام السَّكران وقالوا لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره

ج 14 ص 123

كما يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما استقبله حمزة كافرًا مباح الدم.

قال وقد ذهب على ذلك البعض أنَّ ذلك منه إنَّما كان قبل تحريم الخمر.

فإن قيل إلى ما آل أمر النَّاقتين؟ فالجواب كان ضمانهما لازمًا لحمزة رضي الله عنه لو طالبه عليٌّ رضي الله عنه، ويمكن أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عوَّضهما؛ إذ العلماء لا يختلفون أنَّ جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين ويلزمهم ضمانهما في كلِّ حالٍ كالعقلاء.

ومن شرب لبنًا أو أكل طعامًا أو تداوى بمباحٍ فسكر فهو كالمجنون والمغمى عليه والصبيُّ يسقط عنهم حدَّ القذف، وسائر الحدود غير إتلاف الأموال لرفع القلم عنهم، ومن سكر من حلالٍ فحكمه حكم هؤلاء.

وعن أبي عبد الله بن النحال أنَّ من سكر من ذلك لا طلاق عليه، وحكى الطحاويُّ أنَّه إجماعٌ عن العلماء رحمهم الله.

تتمة قال أبو داود سمعت أحمد بن صالح يقول في هذا الحديث أربع وعشرون سُنَّة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه أنَّ الغانم يُعْطى من الغنيمة من جهتين من الأربعة أخماسٍ بحقِّ الغنيمة، ومن الخمس إذا كان ممَّن له فيه حق، وأنَّ لمالك الناقة الانتفاع بها في الحمل عليها. وفيه الإناخة على باب الغير إذا عرف رضاه بذلك وعدم تضرُّره به، وإنَّ البكاء الَّذي يجلبه الحزن غير مذمومٍ، وأنَّ المرء قد لا يملك دمعه إذا غلب عليه الغيظ. وفيه ما ركَّب في الإنسان من الأسف على فوت ما فيه نفعه وما يحتاج إليه، وان استعداء المظلوم على من ظلمه وإخباره بما ظلم به خارجٌ عن التُّهمة والغيبة. وفيه قبول خبر الواحد، وجواز الاجتماع في الشُّرب المباح، وجواز تناول ما يوضع بين يدي القوم، وجواز الغناء بالمباح من القول وإنشاد الشِّعر والاستماع من الأمة والتخيُّر فيما يأكله، وأكل الكبد وإن كانت دمًا. وفيه أنَّ السكر كان مباحًا في صدر الإسلام، وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ السَّكر لم يبح قط. وفيه مشروعيَّة وليمة العرس، وسيأتي بيانها في (( النكاح ) )إن شاء الله تعالى [خ¦5166] ، ومشروعيَّة الصِّناعة والتكسُّب بها، وقد تقدم

ج 14 ص 124

في أوائل (( البيوع ) ) [خ¦2089] وجواز جمع الإذخر وغيره من المباحات والتكسُّب بذلك، وقد تقدَّم في أواخر (( الشُّرب ) ) [خ¦2375] . وفيه الاستعانة في كلِّ صناعةٍ بالعارف بها.

قال المهلب وفيه أنَّ العادة جرت بأنَّ جناية ذوي الرحم مغتفرة، لكن روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن عياش (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أغرم حمزة ثمن الناقتين ) ).

وفيه أنَّ للإمام أن يمضي إلى بيت من بلغه أنَّهم كانوا على منكرٍ ليغيِّره وقال غيره وفيه حِلُّ تذكية الغاصب؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه ما بقر خواصرهما وجبَّ أسنمتهما إلا بعد التذكية المعتبرة.

وفيه سنة الاستئذان في الدُّخول وأنَّ الإذن للرئيس يشمل أتباعه؛ لأنَّ زيد بن حارثة وعليًّا رضي الله عنهما دخلا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو الَّذي كان استأذن فأذنوا له، وأنَّ السَّكران يلام إذا كان يعقل اللوم، وأنَّ للكبير في بيته أن يلقي رداءه تخفيفًا، وأنَّه إذا أراد لقاء أتباعه يكون على أكمل هيئة لكونه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يخرج إلى حمزة أخذ رداءه، وأنَّ الصَّاحي لا ينبغي له أن يخاطب السكران، وأنَّ الذاهب من بين يدي زائل العقل لا يولِّيه ظهره كما تقدم.

وفيه إشارةٌ إلى عظم قدر عبد المطلب، وجواز المبالغة في المدح لقول حمزة هل أنتم إلا عبيد لأبي، ومراده كالعبيد، ونكتة التشبيه أنهم كانوا عنده في الخضوع له وجواز تصرُّفه في مالهم في حكم العبيد كما تقدم، وفيه أنَّ الكلام يختلف باختلاف القائلين.

هذا، ولا يخفى أنَّ في كثيرٍ من هذه الانتزاعات نظرًا، والله تعالى أعلم.

ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله أعطاني شارفًا من الخمس.

والحديثُ قد مرَّ في (( كتاب الشرب ) )، في باب (( بيع الحطب والكلأ ) ) [خ¦2375] وبين المتنين بعض تفاوت بزيادةٍ ونقصان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت