فهرس الكتاب

الصفحة 4838 من 11127

3092 - 3093 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ المدينيُّ، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق القرشيُّ الزهريُّ المدينيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كِيسان، أبو محمد مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز.

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)

ج 14 ص 125

محمد بن مسلم بن شهابٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) زاد معمر عن الزهريِّ أنَّ فاطمة والعباس رضي الله عنهما أتيا أبا بكرٍ رضي الله عنه (بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هو بدلٌ من قوله ميراثها أو عطف بيان له، وفي رواية مما ترك (مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ) من الفيءِ وهو ما حصل له صلى الله عليه وسلم من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهاد.

قال القاضي عياض تأوَّل قوم طلب فاطمة رضي الله عنها ميراثها على أنها تأوَّلت الحديث إن كان بلغها بأن قوله صلى الله عليه وسلم (( إنا لا نورث ) )أي الأموال التي لها بالٌ؛ فهي التي لا تورث لا ما يترك من طعامٍ وأثاثٍ وسلاح.

قال وهذا التَّأويل يردُّه قوله (( مما أفاء الله عليه ) )، وقوله مما ترك من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة. وقيل إنَّ طلبها لذلك كان قبل أن تسمع الحديث الذي دلَّ على خصوصيَّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وكانت متمسكةً بآية الوصية {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء 11] .

وقال ابن التِّين حُكِيَ أنَّ طائفةً من الشِّيعة تزعمُ أنَّه لا يورث، قالوا ولم تطالب فاطمة رضي الله عنها بالميراث، وإنَّما طالبت بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نحلها من غير عِلْمِ أبي بكر رضي الله عنه، وأُنْكِرَ هذا، قال العلماء ما ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم نحلها شيئًا ولا أنَّها طالبت به.

فإن قيل رووا أنَّ فاطمة رضي الله عنها طلبت فدك، وذكرت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعها إيَّاها وشهد عليٌّ رضي الله عنه بذلك، فلم يقبل أبو بكرٍ رضي الله عنه شهادته لأنَّه زوجها؟ فالجواب أنَّ هذا لا أصل له ولا ثبت أنَّها ادَّعت ذلك، وإنَّما هو أمرٌ مفتعلٌ لا يثبت. انتهى.

(فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية معمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يردُّ تأويلَ الداودي الشارح في قوله إنَّ فاطمة رضي الله عنها

ج 14 ص 126

حملت كلام أبي بكرٍ رضي الله عنه على أنَّه لم يسمع ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم وإنَّما سمعه من غيره ولذلك غضبت.

(قَالَ لاَ نُورَثُ) قال القرطبيُّ جميع الرواة لهذه اللَّفظة يقولون لا نورث، بالنون؛ يعني جماعة الأنبياء عليهم السلام، كما في الرواية الأخرى .

(مَا تَرَكْنَا) في محل الرفع على الابتداء، وقوله (صَدَقَةٌ) بالرفع خبره، وقد صحَّف بعض الشيعة هذا، وقال لا يورث، بالمثناة التحتية، وما تركنا صدقة بالنصب، على أن يجعل ما مفعولًا لما لم يُسَمَّ فاعلُه وصدقة حالًا، ويكون معنى الكلام أنَّ ما يترك صدقة لا يورث، وهذا مخالفٌ لما وقع في سائر الروايات، وإنَّما فعل الشِّيعة. هذا، واقتحموه لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم؛ لأنَّهم يقولون إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يورث كما يورث غيره متمسِّكين بعموم الآية الكريمة.

وقال الكِرمانيُّ لا نورث بفتح الراء والمعنى على الكسر أيضًا صحيح، ولعلَّ الحكمة في عدم إرث الأنبياء عليهم السلام أن لا يظنَّ بهم أنَّهم جمعوا المال لورثتهم، وقيل لأنَّه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنَّى موته فيقعُ في محذورٍ عظيم، وقيل لأنَّهم كالآباء لأمَّتهم، فمالُهم لكلِّ أولادهم، وهو معنى الصَّدقة.

(فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ) رضي الله عنها؛ أي غضبًا على مقتضى البشرية وسكن بعد ذلك، أو الحديث كان متأوَّلًا عندها بما فضل عن معاش الورثة وضروراتهم ونحوها.

وأمَّا قوله (فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ) فقال المهلب إنما كان هجرها انقباضًا عن لقائه وترك مواصلته، وليس هذا من الهجران المحرَّم من أن يلتقيا فلا يسلِّم أحدهما على صاحبه، ولم يرد أحد أنهما التقيا وامتنعا من التَّسليم ولو فعلا ذلك لم يكونا متهاجرين إلَّا أن تكون النُّفوس مظهرة للعداوة والهجران، وإنَّما لازمت بيتها فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران.

(فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) وفي رواية معمر (( فهجرته فاطمة فلم تُكَلِّمْه حتَّى ماتت ) ). ووقع عند عمر بن شبَّة من وجهٍ آخر عن معمر (( فلم تكلِّمه في ذلك المال ) ).

ج 14 ص 127

وكذا نقل الترمذيُّ عن بعض مشايخه أنَّ معنى قول فاطمة رضي الله عنها لأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما لا أكلِّمكما؛ أي في هذا الميراث.

وتعقَّبه البياسي بأن قوله غضبت، يدلُّ على أنَّها امتنعت من الكلام جملة وكذا صريح الهجر. وقد ذكر في كتاب الخُمُس، تأليف أبي حفص ابن شاهين؛ عن الشعبيِّ أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه قال لفاطمة رضي الله عنها يا بنت رسول الله، ما خير عيش حياة أعيشها وأنت عليَّ ساخطةٌ، فإن كان عندك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك عهدٌ فأنت الصَّادقة المصدَّقة المأمونة على ما قُلْتِ. قال فما قام أبو بكر رضي الله عنه حتَّى رضيتْ ورضي.

وروى البيهقيُّ عن الشعبيِّ قال لمَّا مرضت فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكرٍ رضي الله عنه فاستأذن عليها، فقال عليٌّ رضي الله عنه يا فاطمة، هذا أبو بكرٍ يستأذن عليك، فقالت أتحبُّ أن آذن له؟ قال نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضَّاها فقال والله ما تركت الدَّار والمال والأهل والعشيرة إلَّا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضَّاها حتَّى رضيتْ. وهو إن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبيِّ صحيحٌ.

والظَّاهر أنَّ الشعبي سمعه من عليٍّ رضي الله عنه أو ممَّن سمعه من عليٍّ رضي الله عنه، وبه يزول الإشكال في تمادي فاطمة رضي الله عنها على هجر أبي بكرٍ رضي الله عنه.

وأمَّا ما أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي الطفيل قال لما قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ فاطمةُ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ فقال لا بل أهله، قالت فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ الله إذا أطعمَ نبيًّا طعمةً ثمَّ قبضه جعلها للذي يقوم من بعده ) )فرأيت أن أردَّه على المسلمين قالت فأنت وما سمعت. فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران فلا يدلُّ على رضاها بذلك، ثمَّ مع ذلك فيه نظرٌ؛ إذ في لفظه غرابةٌ ونكارة، وهي في قوله بل أهله؛ فإنَّه معارضٌ للحديث الصَّحيح أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا نُورث ) )وفي إسناده من يتشيَّع.

نعم قولها فأنتَ وما سمعت

ج 14 ص 128

هو المظنون بها واللَّائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها رضي الله عنها.

وما أحسن ما قال بعض الأئمَّة إنَّما كانت هجرها انقباضًا عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم لأنَّ شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، كما سبق.

وكانت فاطمة رضي الله عنها لما خرجت غَضْبَى من عند أبي بكرٍ رضي الله عنه تمادت في اشتغالها بحزنها ثمَّ بمرضها، وأمَّا سبب غضبها مع احتجاج أبي بكرٍ رضي الله عنه بالحديث المذكور، فاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسَّك به أبو بكر رضي الله عنه فكأنَّها اعتقدت تخصيصَ العموم في قوله (( لا نورث ) )ورأت أنَّ منافع ما خلفه من أرضٍ وعقارٍ لا يمتنع أن يورث عنه، وتمسَّك أبو بكر رضي الله عنه بالعموم، واختلفا في أمرٍ محتملٍ للتَّأويل فلما صمَّم على ذلك انقطعتْ عن الاجتماع به لذلك.

وقد وقع في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذيِّ جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه فقالت من يرثك؟ قال أهلِي وولدي، قالت فمالي لا أرث أبي؟ قال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا نورثُ ) )ولكنِّي أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله.

(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها وفي نسخة < قال>؛ أي عروة، وحينئذٍ يكون مرسلًا؛ لأنَّه لم يلق فاطمة رضي الله عنها (وَكَانَتْ فَاطِمَةُ) رضي الله عنها (تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ) بالفاء والدال المهملة المفتوحتين، منصرفًا وغير منصرفٍ، بينها وبين مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم مرحلتان، وقيل ثلاث.

(وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ) أي أملاكه التي بالمدينة التي صارت بعده صلى الله عليه وسلم صدقة. وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنَّها لم تطلب من جميع ما خَلَّف، وإنَّما طلبت شيئًا مخصوصًا، فأمَّا خيبر ففي رواية مَعمر (( وسهمه من خيبر ) ).

وقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ إلى سهل بن أبي خيثمة قال (( قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفها لنوائبه وحاجته ونصفها بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا ) ).

وأمَّا فدك فكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أنَّ أهل فدك

ج 14 ص 129

كانوا من يهود خيبر، فلمَّا فتحت خيبر أرسل أهلُ فدك يطلبون من النَّبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يتركوا البلد ويرحلوا.

وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق عن الزهريِّ وغيره قالوا بقيت بقيَّة من خيبر تحصَّنوا فسألوا النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يحقنَ دمائهم ويسترهم ففعل، فسمعَ بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّةً.

ولأبي داود أيضًا من طريق مَعمر، عن ابن شهاب صالح النَّبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سمَّاها، وهو محاصرٌ قومًا آخرين يعني بقيَّة أهل خيبر.

وأمَّا صدقته بالمدينة فروى أبو داود من طريق معمر، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصَّة بني النضير، وقال في آخره وكانت نخل بني النَّضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّةً أعطاها الله إياه فقرأ {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إلى قوله {قَدِيْرٌ} [الحشر 6] قال فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.

قال ابن الجوزي وهي ممَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ممَّا لم يوجف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركاب.

وقيل هي أموال المُخَيْرِيق، بضم الميم وفتح المعجمة وسكون التحتانيتين وكسر الراء وبالقاف اليهودي، وكان من بقايا قينقاع نازلًا ببني النضير، فأسلم فشهد أحدًا فقتل، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( مُخَيْرِيقُ سابقُ يهود ) )وقد أوصى بأمواله للنَّبي صلى الله عليه وسلم.

وروى الواقديُّ بسنده عن عبد الله بن كعب قال قال مخيريق إن أصبت فأموالي لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله تعالى فهي عامَّةٌ صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وكانت أموال مخيريق في بني النَّضير.

وقال القاضي عياض الصَّدقات التي صارت إليه صلى الله عليه وسلم أحدها من وصيَّة مخيريق يوم أُحد، وكانت سبع حوائط في بني النَّضير. وقيل أوصى بها له صلى الله عليه وسلم عند إسلامه. الثاني ما أعطاه الأنصار

ج 14 ص 130

من أرضهم، وكان هذا ملكًا له صلى الله عليه وسلم.

ومنها حقُّه من الفيء من أموال بني النَّضير كانت له خاصَّةً حين أجلاهم يخرجها في نوائب المسلمين، وكذا نصف أرض فدك صالح أهلها بعد خيبر على نصف أرضها فكانت خالصةً له، وكذلك ثلث أرض وادي القرى أخذه حين صالحه أهلها من اليهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر الوطيح والسَّلالم، أخذهما صلحًا.

ومنها سهمه من خمس خيبر، وما افتُتِحَ منها عنوة، فكانت هذه كلُّها ملكًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصًّة لا حقَّ لأحدٍ فيها، فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وقال صلى الله عليه وسلم (( ما تركتُ بعد نفقة نسائِي ومؤنة عاملي فهو صدقة ) ).

وكان ابن عيينة يقول أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم في معنى المعتدَّات؛ لأنهنَّ لا يجوز لهنَّ النِّكاح أبدًا؛ فجرت عليهن النَّفقة وتُرِكَتْ حُجرهنَّ لهنَّ يسكنَّها، وأراد بمؤنة العامل مَنْ يلي بعده.

(فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ) يعني أنَّه كان مع ما كان يعمل يخبر أنَّه لا يورث عنه، قاله الداوديُّ.

(فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ) من الزَّيغ، بالزاي والغين المعجمة وهو الميلُ يعني أنَّ أميل عن الحقِّ. وفي رواية شعيبٍ عن الزهريِّ الآتية في المناقب [خ¦3711] (( وإنِّي والله لا أغيِّر شيئًا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ) ).

وبهذا تمسَّك من قال إنَّ سهم النَّبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في المصالح. وعن الشافعيِّ يُصْرَفُ في المصالح، وهو لا ينافي الذي قبله، وفي وجهٍ هو للإمام. وقال مالك والثَّوري يجتهد فيه الإمام، وقال أحمد يُصْرَفُ في الخيل والسِّلاح. وقال ابن جرير يردُّ إلى الأربعة.

قال ابنُ المنذر كان أحقَّ النَّاس بهذا القول من يوجب قسم الزكاة بين جميع الأصناف، فإن فُقِدَ صِنْفٌ رُدَّ

ج 14 ص 131

على الباقين؛ يعني الشَّافعي. وقال أبو حنيفة يُرَدُّ مع سهم ذوي القُرْبى إلى الثَّلاثة، وقيل يردُّ خمس الخمس من الغنيمة إلى القائمين، ومن الفيء إلى المصالح.

(فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ) أي صدقة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إلى آخره من كلام عائشة رضي الله عنها (فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (وَعَبَّاسٍ) عم النَّبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه ليتصرَّفا فيهما وينتفعا منها بقدر حقِّهما كما تصرَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على جهة تمليكٍ لهما.

قال القرطبيُّ لما ولي عليٌّ رضي الله عنه لم يغيِّر هذه الصدقة عمَّا كانت في أيام الشَّيخين، ثمَّ كانت بعده بيد الحسن، ثمَّ بيد الحسين رضي الله عنهما، ثمَّ بيد علي بن الحسين، ثمَّ بيد الحسن بن الحسن، ثمَّ بيد زيد بن الحسن، ثمَّ بيد عبد الله بن الحسين، ثمَّ وليها بنو العباس على ما ذكره البرقاني في «صحيحه» .

ولم يروَ عن أحدٍ من هؤلاء أنَّه تملَّكها ولا ورثها ولا وَرِثَتْ عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًا لأخذها عليٌّ رضي الله عنه أو أحد من أهل بيته لما ولوها.

(وَأَمَّا خَيْبَرُ) أي الذي يخصُّ النَّبي صلى الله عليه وسلم منها (وَفَدَكٌ فَأَمْسَكَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ) أي لم يدفعْها لغيره وبيَّن سبب ذلك (وَقَالَ هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ) أي تنزله وتنتابه وتغشاه (وَنَوَائِبِهِ) جمع نائبة، وهي الحادثة التي تصيب الرجل (وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ، قَالَ فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ) .

قال الحافظ العسقلانيُّ هو كلام الزُّهري؛ أي حيث حدَّث بذلك، وقد ظهر بذلك أنَّ صدقة النَّبي صلى الله عليه وسلم تختصُّ بما كان من بني النَّضير.

وأمَّا سهمه من خيبر وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يقدِّم نفقة نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرها ممَّا كان يصرفُه فيصرفه من مال خيبر وفدك، وما فضلَ من ذلك جعله في المصالح وعمل عمر رضي الله عنه بعده بذلك، فلما كان عثمان رضي الله عنه تصرَّف في ذلك بما رآه.

فروى أبو داود

ج 14 ص 132

من طريق مُغِيرة بن مقسم قال جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُنفق من فدك على بني هاشم، ويزوِّج أيمهم وإنَّ فاطمة سألته أن يجعلها لها، فأبى، فكانت كذلك في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثمَّ أقطعها مروان؛ يعني في أيام عثمان رضي الله عنه.

قال الخطابيُّ إنما أقطع عثمان رضي الله عنه فدك لمروان؛ لأنَّه تأوَّل أنَّ الذي يختصُّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده فاستغنى عثمان رضي الله عنه عنها بأمواله فوصل بها بعض أقاربه.

ويشهد لصنيع أبي بكرٍ رضي الله عنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد باب [خ¦3096] بلفظ (( ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ) )فقد عمل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بتفصيل ذلك بالدَّليل الذي قام لهما، وسيأتي تمام البحث في قوله (( لا نورث ) )في (( كتاب الفرائض ) )إن شاء الله تعالى [خ¦6726] .

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) هو البخاريُّ نفسه (اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتَ) كذا وقع، ولعلَّه كان افتعلك، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ، وكذا وقع في (( المجاز ) )لأبي عبيدة وأراد بذلك أنَّه من باب الافتعال، وأصله (مِنْ عَرَوْتُهُ، فَأَصَبْتُهُ) يعني أنَّ أصله من عروته بمعنى أصبته.

قال الجوهريُّ عراني هذا الأمر واعتراني، إذا غشيك، وعروتُ الرَّجل أعروه عَرْوًا؛ إذا لممت به وأتيته طالبًا، فهو معروٌّ، وفلان يعروه الأضياف وتعتريه؛ أي تغشاه.

(وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي) وأشار بذلك إلى شرح قوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود 54] وهذه عادة البخاريِّ يفسر اللَّفظة الغريبة من الحديث بتفسير اللفظة الغريبة من القرآن.

ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ من جملة ما سألت فاطمة رضي الله عنها ميراثها من خيبر، وقد ذكر الزهريُّ أنَّ بعضَ خيبر صلحٌ وبعضَها عنوة فجرى فيها الخمس.

وقد جاء في بعض طرق الحديث في كتاب المغازي [خ¦4240] قالت عائشة رضي الله عنها (( إنَّ فاطمة رضي الله عنها جاءت تسأل نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا أفاء الله

ج 14 ص 133

عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر )) .

وإلى هذا أشار البخاريُّ واستغنى بشهرةِ الأمر عن إيراده مكشوفًا بلفظ الخُمُس في هذا الباب كما هو دأبه، فاندفع ما قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأنَّه ليس فيه ذكر الخمس (قِصَة فَدْك) وكأنَّه ترجمةٌ لحديثٍ من أحاديث الباب، وقد تبيَّن أمر فدك آنفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت