فهرس الكتاب

الصفحة 4839 من 11127

3094 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الراء وبالواو، وهو شيخ البخاريِّ الذي تقدم قريبًا في باب قتال اليهود [خ¦2925] ، وقد حدَّث عنه بواسطة، كما تقدَّم في الصُّلح [خ¦2693] ، وفي وراية ابن شبُّويه عن الفربريِّ وهو مقلوبٌ. قال الغسَّانيُّ وفي بعض النُّسخ محمد بن إسحاق وهو خطأ، وحكى القاضي عياض عن رواية القابسيِّ مثله قال وهو وهمٌ.

قال (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة (ابْنِ الْحَدَثَانِ) بالمهملتين المفتوحتين وبالمثلثة، هو ابنُ عوف بن ربيعة البصريِّ من بني نصر بن معاوية، يكنى أبا سعيد، زعم أحمد بن صالحٍ المصري، وكان من أجلَّة أهل هذا الشَّأن إنَّه له صحبة.

وقال سلمة بن وردان رأيت جماعة من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرهم، وذكر فيهم مالك بن أوس بن الحدثان النصري. وقال أبو عمر لا أحفظ له صحبة أكثر ممَّا ذكرتُ، ولا أعلم له رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حاتم وغيره لا يصحُّ له صحبة، وقيل ولم يدخل المدينة إلَّا بعد موت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأمَّا أبوه فصحابيٌّ، وهذا كما وقع لقيس بن أبي حازم دخل أبوه وصَحِبَ وتأخر هو مع إمكان ذلك، وقد تشاركا أيضًا في أنَّه قيل في كلٍّ منهما إنَّه أخذ عن العشرة. وأمَّا روايته عن عمر رضي الله عنه فأكثر من أن يذكر وروى عن العشرة المهاجرين. وروي عن ابن العباس بن عبد المطلب، روى عنه محمد بن جُبير بن مطعم والزُّهري ومحمد بن المنكدر وآخرون، مات بالمدينة سنة اثنتين وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر في البيوع [خ¦2134] .

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الحديث ممَّا رواه مالك خارج «الموطأ» ، وفي هذا الإسناد لطيفةٌ من علوم الحديث ممَّا لم يذكره ابن الصَّلاح، وهي تشابه الطَّرفين؛ مثاله ما وقع هنا ابن شهاب، عن مالك، وعنه مالك. الأعلى ابنُ أوس، والأدنى ابنُ أنس.

(وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ)

ج 14 ص 134

بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عدي بن عبد مناف القرشي، مات بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز، وقد مرَّ في الصَّلاة [خ¦765] ، وهذا من كلام الزهري.

(ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ) أي الآتي ذكره (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ) يجوز فيه ضم اللام وفتحها؛ فوجه الضم هو أن يكون حتَّى عاطفة، والمعنى انطلقت فدخلت، أتى بصيغة المضارعة في موضع الماضي مبالغةً لإرادة استحضار صورة الحال، ووجه الفتح هو أن يكون حتَّى بمعنى كي، ومثله قوله تعالى {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة 214]

(عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ) وفي صنيع ابن شهاب ذلك أصلٌ في طَلَبِ عُلوِّ الإسناد؛ لأنَّه لم يقنعْ بالحديث عنه حتَّى دخل عليه ليشافهه به، وفيه حرص ابن شهابٍ على طلبِ الحديث وتحصيله.

(فَقَالَ مَالِكٌ بَيْنَا) قد مرَّ غير مرَّة أنَّ أصله بينَ فأشبعت فتحة النون بالألف، وربما تزاد الميم فيقال بينما، كما وقع هنا في أكثر الأصول، وهما ظرفا زمان، ويضافان إلى جملة اسميِّة وفعلية، ويحتاجان إلى جوابٍ يَتُمُّ به المعنى، والأصحُّ أن يكون في جوابهما إذ أو إذا.

(أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ) بفتح الميم والمثناة الفوقية الخفيفة بعدها مهملة؛ أي علا وطالَ وارتفعَ وامتدَّ ارتفاعه. قال صاحب «العين» متع النَّهار متوعًا، وذلك قبل الزَّوال، وأمتع الشَّيء طالت مدَّته، ومنه في الدعاء أمتعني الله بك، وقيل معناه نفعني الله بك.

وقال الداوديُّ متع النَّهار صار قرب نصف النَّهار، وفي رواية أبي داود (( أرسل عليٌّ عمر رضي الله عنه حين تعالى النَّهار ) )، وفي وراية مسلم (( أرسل إليَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجئتُ حين تعالى النَّهار ) )، وفي وراية يونس عن ابن شهاب عند عمر بن شبَّة (( بعدما ارتفعَ النَّهار ) ).

(فَإِذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَأْتِينِي) أي أتاني، وهو جواب بينما، قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو يرفأ الحاجب، الآتي ذكره.

(فَقَالَ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ) هو كالسَّابق (عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ) بكسر الراء وقد يضم، وهو ما يُنْسَجُ من سعف النَّخل ليضطجعَ عليه، ويقال رَمِل سريرهُ وأرمَلَه؛ إذا رَمِل شريطًا أو غيرَه فجَعَلَه ظَهْرًا. وقيل رِمَال السَّرير ما يمدُّ على وجهه من خيوط وشريط ونحوهما. وفي رواية أبي داود (( فجئته فوجدته جالسًا على سريرٍ مفضيًا إلى رماله ) ). وفي رواية مسلم

ج 14 ص 135

(( فوجدته في بيته جالسًا على سريره مفضيًا إلى رماله متَّكئًا على وسادةٍ من أدم ) ).

وقوله مفضيًا إلى رماله؛ يعني ليس بينه وبين رماله شيءٌ من الفراش، وإنَّما قال هذا لأنَّ العادة أن يكون فوق الرمال فراشٌ أو نحوه، وهو معنى قوله (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ) وأغرب الداوديُّ حيث قال رمال السَّرير هو السَّرير الذي يُعمل من الجريد.

(مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ يَا مَالِ) كذا هو بالتَّرخيم؛ أي يا مالكُ، ويجوز في اللام الكسر على الأصل والضم على أنَّه صار اسمًا مستقلاًّ، فيعرب إعراب المنادى المفرد (إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ) أي من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وفي وراية جويرية عند مسلم (( دفَّ أهل أبيات ) )، وكذا في وراية أبي داود؛ أي ورد جماعةٌ بأهليهم شيئًا بعد شيءٍ يسيرون قليلًا قليلًا، والدَّفيف السَّير اللين، وكأنَّهم قد أصابهم جدبٌ في بلادهم، فانتجعوا المدينة.

(أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ) بفتح الراء وسكون المعجمة وأخره خاء معجمة؛ أي عطية غير كثيرةٍ ولا مُقَدَّرة.

(فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي) قاله تحرُّجًا من قبول الأمانة؛ أي لو أمرتَ بدفع الرَّضخ إليهم غيري، وفي رواية أبي داود (( وقد أمرتُ فيهم بشيءٍ فاقسم فيهم، قلتُ لو أمرتَ غيري بذلك فقال خُذْه ) )، وفي رواية مسلم (( لو أمرتَ بهذا غيري قال خذه يا مال ) ).

(قَالَ اقْبِضْهُ أَيُّهَا الْمَرْءُ) هو عزمٌ عليه في قبضه (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا) بفتح الياء وسكون الراء وفتح الفاء مهموزًا وغير مهموز، وهو الأشهر. وقال العسقلانيُّ وهي؛ أي الهمز، روايتنا من طريق أبي ذرٍّ. ويرفا هذا كان من موالي عمر رضي الله عنه، وهو حاجبه، أدرك الجاهليَّة، ولا يُعْرف له صحبة، وقد حجَّ مع عمر في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنهما، وله ذكرٌ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال عمر لمولى له يرفا إذا جاء طعام يزيد بن أبي سفيان فأعلمني، فذكر قصة.

وروى سعيد بن منصور عن الأحوص، عن أبي إسحاق، عن يرفا، قال

ج 14 ص 136

قال لي عمر رضي الله عنه (( إنِّي أنزلت نفسِي من مال المسلمين بمنزلة مالِ اليتيم ) ). وهذا يشعر بأنَّه عاش إلى خلافة معاوية رضي الله عنه.

(فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ) أي ابن عفان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أي هل لك إذن فيهم. وقال الكِرمانيُّ هل لك رغبة في دخولهم رضي الله عنهم.

(يَسْتَأْذِنُونَ) جملة حاليَّة، قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في شيءٍ من طرقه زيادة على الأربعة المذكورين، إلَّا في رواية النَّسائي وعمر بن شبَّة من طريق عَمرو بن دينار، عن ابن شهاب زاد فيها وطلحة بن عُبيد الله، وكذا في رواية الإمامي عن ابن شهاب عند عمر بن شبة أيضًا، وكذا أخرجه أبو داود من طريق أبي البختريِّ عن رجلٍ لم يسمِّه قال دخل العباس وعليٌّ، فذكر القصَّة بطولها، وفيها ذكر طلحة، لكن لم يذكر عثمان.

(قَالَ نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا) في رواية شعيب في المغازي [خ¦4033] (( فأَدْخِلْهم ) ) (فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) زاد شعيب [خ¦4033] يستأذنان (قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلاَ فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) يعني علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، زاد شعيبٌ ويونس فاستبَّ علي وعباس رضي الله عنهما، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض [خ¦6728] (( بيني وبين هذا الظالم استبَّا ) )، وفي رواية جويرية عند مسلم (( اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ) )يعني إن لم ينصف، فحذف الشرط.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في شيءٍ من الطرق أنَّه صدر من عليٍّ رضي الله عنه في حق العبَّاس رضي الله عنه بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل (( استبَّا ) ). وقال المازري إنَّ هذه اللَّفظة نُنَزِّهُ القائلَ والمقولَ فيه عنها ونَنْسُبها إلى أنَّ بعض الرُّواة وَهِم فيها، وقد أزالها بعضُ الناس من كتابه تورُّعًا، وهو الصَّواب، وإن لم يمكن الحمل فيها على الرواة، فأجود ما يحمل عليه أنَّ العباس رضي الله عنه قالها إدلالًا على عليٍّ رضي الله عنه؛ لأنَّه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عمَّا يعتقد

ج 14 ص 137

أنَّه مخطئٌ فيه، وأنَّ هذه الأوصاف يتَّصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمدٍ، ولا بدَّ من هذا التَّأويل؛ لأنَّ هذه القضيَّة جرتْ بمحضر عمر والصَّحابة رضي الله عنهم ولم ينكر أحدٌ منهم هذا الكلام مع تشدُّدهم في إنكار المنكر، وما ذاك إلَّا لأنَّهم فهموا بقرينة الحال أنَّه تكلَّم بما لا يعتقده. انتهى.

وقال العينيُّ كلُّ ذلك لا يفيد شيئًا، بل يجبُ إزالة هذه اللَّفظة عن الكتاب، وحاشا من عباس رضي الله عنه أن يتلفَّظ بها ولاسيَّما بحضرة عمر بن الخطاب وجماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم ولم يكن عمر رضي الله عنه ممن يسكت عن مثل هذا؛ لصلابته في أمور الدِّين وعدم مبالاته من أحد، وفيما قاله نسبة عمر رضي الله عنه إلى ترك المنكر وعجزه عن إقامة الحقِّ، فاللَّائق لحال الكلِّ إزالة هذه من الوسط؛ فلا يحتاج إلى تأويلٍ غير طائلٍ، فافهم.

(وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ) أي العباس وعليٍّ رضي الله عنهما يتجادلان ويتنازعان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النَّضير، وهو ممَّا لم يُوجف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركاب، وهو المال الذي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. وفي روايةٍ عن الزهريِّ قرى غربية فدك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} [الحشر 6] الآية هو من أموال الكفَّار أهل القرى وهم قريظة والنَّضير، وهما بالمدينة، وفدك وخيبر وقرى غربية وينبع، كذا في (( تفسير النَّسفي ) ).

(فَقَالَ الرَّهْطُ) وفي رواية مسلم فقال القوم، وزاد قال مالك بن أنس يخيَّل إليَّ أنهم قدَّموهم لذلك، والمراد بهم المذكورون فيما مضى وهم عثمان وأصحابه فقوله (عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي هم عثمان وأصحابه المذكورون، ويجوز أن يكون بدلًا أو بيانًا.

(يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ) أمرٌ من الإرَاحَة، بالراء والمهملة، وفي رواية مسلم (( فاقضِ بينهم وأَرِحْهم ) ) (أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ) وفي رواية أبي داود فقال العبَّاس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا؛ يعني عليًا، فقال بعضهم أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهما وأَرِحهما.

ج 14 ص 138

(قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَيْدَكُمْ) كذا في رواية الأَصيليِّ بفتح المثناة الفوقية وكسرها وسكون المثناة التحتية وفتح الدال المهملة وضمها، وهو اسم فعلٍ كرويد؛ أي اصبروا وأمهلوا على رِسْلكم. وقيل إنَّه مصدر تأَدَ يَتَّئِد كما يقال سيروا سيركم، ورُدَّ بأنَّه لم يُسْمَعْ في اللُّغة، وقال ابن الأثير هو من التُّؤدة كأنَّه قال الزموا تؤدتَكُم يقال تَئد تأدًا كأنَّه أراد أن يقول تأدكم، فأبدل من الهمزة ياء، هكذا ذكره أبو موسى، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح المثناة وكسر الهمزة وفتح الدال.

قال ابن التين أصلها تئدتكم بمعنى التؤدة؛ أي الرِّفْق، ويؤيِّده ما وقع في رواية عقيل وشعيب اتئدوا؛ أي تمهَّلوا وتأنوا واصبروا.

وكذا عند مسلم وأبي داود، وللإسماعيلي من طريق بشر بن عمر (( اتئدْ ) )بلفظ الأمر للمفرد (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) بضم الشين؛ أي أسألكم بالله تعالى رافعًا نشيدي؛ أي صوتي، قال الجوهريُّ نشدتُ فلانًا أنشدهُ نَشْدًا، إذا قلت له نشدتك الله؛ أي سألتك باللهِ ذكَّرْتَه إيَّاه فنَشَد؛ أي تذكَّر، والنَّشيد الشِّعر المتناشد بين القوم. انتهى. ومنه إنشاد الشِّعر.

(الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ) الرواية بالنون. قال القرطبيُّ يعني جماعة الأنبياء عليهم السلام، كما في روايةٍ أخرى .

وروى أبو عمر في «التمهيد» من حديث ابن شهابٍ، عن مالك بن أوس، عن عمر رضي الله عنه وهذا حجَّةٌ على الحسن البصريِّ في ذهابه إلى أنَّ هذا خاصٌّ بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء عليهم السلام، فاستدلَّ بقوله تعالى في قصة زكريا عليه السلام {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ} [مريم 6] وبقوله تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل 16] وحمل جمهور العلماء الآيتين على ميراث العلم والنبوَّة والحكمة ومنطق الطَّير في حقِّ سليمان عليه السلام.

(قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ) يعني قوله صلى الله عليه وسلم (( لا نورث ما تركناه صدقة ) ).(فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ،

ج 14 ص 139

قَالَ عُمَرُ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ)أي لم يُعط الفيء أحدًا غير النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه خصَّ الفيء كله، كما هو مذهب الجمهور، أو جلَّه كما هو مذهب الشافعيَّة. وقيل أي حيث حلَّل الغنيمة له ولم تَحِلَّ لسائر الأنبياء عليهم السَّلام.

وقال القاضي تخصيصه بالفيء إمَّا بكلِّه أو بعضه، وهل في الفيء خمسٌ أم لا. قال ابنُ المنذر لا نعلم أحدًا قبل الشافعيِّ قال بالخمس.

(ثُمَّ قَرَأَ) أي عمر رضي الله عنه ( {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إلى قوله {قَدِيرٌ} ) والآية في سورة الحشر وتمامها {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي وما أعاده عليه بمعنى صيَّره له أو ردَّه عليه، فإنه كان حقيقًا بأن يكون له لأنَّه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسَّلوا به إلى طاعته، فهو جديرٌ بأن يكون للمطيعين {مِنْهُمْ} من بني النَّضير أو من الكفرة {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أي فما أجريتم على تحصيله من الوجيف، وهو سرعة السَّير {مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} ما يركب من الإبل، غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه، وذلك إن كان المراد في بني النَّضير فلأنَّ قراهم كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها رجالًا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه ركب جملًا أو حمارًا، ولم يجر مزيد قتال، ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئًا إلَّا ثلاثة كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حُنَيف، والحارث بن الصمَّة.

وروى الإمام عمر النسفي عن الواحديِّ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يعط الأنصار من أموال بني النضير إلَّا رجلين سهلًا وأبا دجانة.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} بقذف الرُّعب في قلوبهم {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر 6] فيفعل ما يريد تارةً بالوسائط وتارةً بغيرها.

والحاصل أنَّ ما جعل الله لرسوله من أموال بني النَّضير شيء لم يحصِّلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلَّطَ اللهُ رسوله عليهم وعلى أموالهم كما كان يسلِّط رُسُله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوَّضٌ إليه يضعه

ج 14 ص 140

حيث يشاء، وهذا معنى قوله

(فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولا حقَّ لأحدٍ فيها فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، ففي رواية عَمرو بن دينار، عن ابن شهاب في (( التَّفسير ) ) [خ¦2904] (( كانت أموالُ بني النَّضير ممَّا أفاءَ الله على رسولهِ، فكانت له خاصَّةً فكان ينفق على أهله منها نفقة سنةٍ ثمَّ يجعل ما بقي في السِّلاح والكراع عُدَّةً في سبيل الله ) ).

وفي رواية سفيان عن معمر، عن الزهري الآتية في (( النَّفقات ) ) [خ¦5357] (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يبيع نخل بني النَّضير ويحبس لأهله قوت سنتهم ) )؛ أي ثمر النَّخل. وفي رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد، عن ابن شهابٍ (( كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك فأمَّا بنو النَّضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأمَّا فدك فكانت حبسًا لأبناء السَّبيل، وأمَّا خيبر فجزَّأها بين المسلمين ثمَّ قسم جزء النفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراءِ المهاجرين ) )، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يقسمَ في فقراء المهاجرين، وفي مشتري السِّلاح والكراع، وذلك مفسر لرواية مَعمر عند مسلم (( ويجعل ما بقي منه مجعل مال الله ) ). وزاد أبو داود في رواية أبي البختريِّ (( وكان يُنفق على أهله ويتصدَّقُ بفضله ) )، وهذا لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها (( أنَّه صلى الله عليه وسلم توفِّي ودرعه مرهونةٌ على شعيرٍ ) )؛ لأنَّه يجمع بينهما بأنَّه كان يدَّخر لأهله قوت سنتهم، ثمَّ في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيءٍ منه فيخرجه فيحتاج إلى تعوُّض من يأخذ منها عوضه فلذلك استدان.

وفي رواية مسلم قال عمر رضي الله عنه (( إنَّ الله خصَّ رسوله بخاصَّةٍ لم يخصصْ بها أحدًا غيره قال {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا؟ قال فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النَّضير فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتَّى بقي هذا المال

ج 14 ص 141

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذُ نفقته منه سنة، ثمَّ يجعل ما بقي أسوةَ المال )) ، انتهى.

وهذا تفسيرٌ لرواية البخاريِّ في نفس الأمر، ثمَّ قوله تعالى {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} بيانٌ للأوَّل، ولذلك لم يعطف عليه {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} اختلف في قسم الفيء فقيل يُسدَّس؛ لظاهر الآية، ويُصْرَف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل يُخمَّس؛ لأنَّ ذكر الله تعالى للتعظيم، ويصرف الآن سهم الرسول إلى الإمام على قول، والي العساكر والثُّغور على قول، والي مصالح المسلمين على قول، وقيل يخمَّس خمسه كالغنيمة، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان يخمِّسُ الخُمُس كذلك ويَصْرِفُ الأخماس الأربعة كما يشاء، والآن على الخلاف المذكور من صرفه إلى الإمام أو العساكر والثُّغور أو مصالح المسلمين.

{كَيْ لَا يَكُونَ} أي الفيءُ الَّذي حقُّه أن يكون للفقراء {دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} الدولة ما يتداولُه الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ} أي وما أعطاكم من الفيء أو من الأمر {فَخُذُوهُ} لأنَّه حلالٌ لكم أو فتمسَّكوا به؛ لأنَّه واجب الطَّاعة {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} أي عن أخذه منه أو عن إتيانه {فَانْتَهُوا} عنه {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في مخالفةِ رسوله {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر 7] لمن خالف.

(وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا) كذا للأكثر بحاء مهملة وزاي معجمة؛ أي ما جمعها، وفي رواية الكُشْمِيْهَنيِّ بخاء معجمة وراء مهملة (دُونَكُمْ وَلاَ اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ) أي ولا استبدَّ بها وتخصَّص بها عليكم (قَدْ أَعْطَاكُمُوهُ وَبَثَّهَا) أي فرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ) وقد مرَّ الجواب عن الاستشكال بما ثبتَ أنَّ درعه صلى الله عليه وسلم حين وفاته كانت مرهونةً على الشَّعير استدانةً لأهله.

(ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ) بفتح الميم، وهو موضعُ الجعل بأن يجعل في السِّلاح والكراع ومصالح المسلمين(فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ

ج 14 ص 142

أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، قَالُوا نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ)زاد في رواية عقيل قالا نعم، وهذا ظاهرٌ في أنَّ ذلك كان مختصًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا أنَّه واسى به أقرباءه وغيرهم بحسب حاجتهم.

(قَالَ عُمَرُ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ) زاد في رواية عقيل (( وأنتما حينئذٍ، وأقبل على عليٍّ وعباس رضي الله عنهما، تزعمان أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كذا وكذا ) )، وفي رواية شعيب (( كما تقولان ) )، وفي رواية مسلم من الزيادة (( فجئتما، تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأتهِ من أبيها، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا ) ).

وكان الزهريُّ يحدِّث به تارة فيصرِّح، وتارةً فيكني وكذلك مالك، وقد حذف ذلك في وراية بشر بن عَمرو عنه، عند الإسماعيلي وغيره، وهو الأنسبُ، وهو نظيرُ ما سبقَ من قول العباس لعليٍّ رضي الله عنهما.

(ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ وَجَاءَنِي هَذَا يُرِيدُ عَلِيًّا يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لِي) أي سنح وظهر لي.

(أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا فَقُلْتُمَا

ج 14 ص 143

ادْفَعْهَا إِلَيْنَا فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، قَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ قَالاَ نَعَمْ، قَالَ فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا).

قال الكِرمانيُّ فإن قلت إن كان الدَّفع إليهما صوابًا فلِمَ لم يدفعه في أوَّل الحال، وإلَّا فَلِمَ دَفَعَه في الآخر؟ قلت منع أولًا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملُّك، وثانيًا أعطاهما على وجه التصرُّف فيهما كما تصرَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباهُ رضي الله عنهما.

وقال الخطابيُّ هذه القصَّة مشكلةٌ جدًا وذلك أنَّهما إذا كانا قد أخذا هذه الصَّدقة من عمر رضي الله عنه على الشَّريطة التي شرط عليها، وقد اعترفا بأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ما تركنا صدقة ) )وقد شهدَ المهاجرون بذلك فما الذي بدا لهما بعد حتَّى تخاصما؟

والمعنى في ذلك أنَّه كان يشقُّ عليهما الشَّركة فطلبا أن يقسم بينهما ليستبدَّ كلٌّ منهما بالتَّدبير والتصرُّف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر رضي الله عنه القسم لئلَّا يجري عليها اسم الملك؛ لأنَّ القسمة إنما تقعُ في الأملاكَ ويتطاول الزَّمان فيظنُّ به الملكيَّة.

قال أبو داود ولهذا لما صارت الخلافة إلى عليٍّ رضي الله عنه لم يغيِّرها عن كونها صدقة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي ذلك إشكالٌ شديدٌ وهو أنَّ أصل القصَّة صريحٌ في أنَّ العباس وعليًّا رضي الله عنهما قد عَلِمَا بأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( لا نورث ) )فإن كانا سَمِعَاهُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكرٍ رضي الله عنه وإن كانا إنما سمعاهُ من أبي بكرٍ رضي الله عنه أو في زمنه بحيث أفادَ عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانهِ بعد ذلك من عمررضي الله عنه؟

والَّذي يظهر، والله تعالى أعلم، حملُ الأمر في ذلك على ما تقدَّم في الحديث الذي قبله في حقِّ فاطمة رضي الله عنها، وأنَّ كلاًّ من علي وفاطمة وعبَّاس رضي الله عنهم اعتقد أنَّ عموم قوله (( لا نورث ) )مخصوصٌ ببعض ما يخلفه دون بعض

ج 14 ص 144

ولذلك نسب عمر رضي الله عنه إلى عليٍّ وعباس رضي الله عنهما أنَّهما كان يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك.

وأمَّا مخاصمة عليٍّ وعباس رضي الله عنهما بعد ذلك ثانيًا عند عمر رضي الله عنه، فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدَّارقطني من طريقه لم يكن في الميراث؛ إنَّما تنازعا في ولاية الصَّدقة وفي صرفها كذا قال، لكن في رواية النَّسائي وعمر بن شبَّة من طريق أبي البختريِّ ما يدلُّ على أنَّهما أرادا أن يقسمَ بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره ثمَّ جئتماني الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلَّا بذلك، أي بما تقدَّم من تسليمها على سبيل الولاية.

وكذا وقع عند النسائيِّ من طريق عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس نحوه.

وفي «السنن» لأبي داود (( أرادا أنَّ عمر رضي الله عنه يقسمها بينهما لينفرد كلٌّ منهما بنظر ما يتولَّاه فامتنعَ عمر رضي الله عنه من ذلك، وأراد أن لا يقعَ عليها اسم قسم، ولذلك أقسم على ذلك ) ).

هذا وقد جزم ابنُ الجوزي ثمَّ الشيخ محي الدين النَّووي بأنَّ عليًا وعبَّاسًا رضي الله عنهما لم يطلبا من عمر رضي الله عنه إلا ذلك، مع أنَّ السِّياق صريحٌ في أنَّهما جاءا مرَّتين في طلب شيءٍ واحدٍ، لكنَّ العذر لابن الجوزي ومحيي الدين أنَّهما شرحا اللَّفظ الوارد في رواية مسلم دون اللَّفظ الوارد في رواية البخاريِّ، والله تعالى أعلم.

وأمَّا قول عمر رضي الله عنه (( جئتني يا عبَّاس تسألني نصيبك من ابن أخيك ) )فإنَّما عبَّر بذلك لبيان قسمة الميراث كيف يقسم أن لو كان هناك ميراث، لا أنَّه أراد أنَّ له نصيبًا من الميراث وأن هناك ميراثًا، وزاد الإمامي عن ابن شهاب عند عمر بن شبَّة في أخره (( فأصلحا أمركما، وإلَّا لم ترجع والله إليكما، فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة ) ).

وزاد شعيب في آخره قال ابن شهاب حدَّثت به عروة فقال صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة رضي الله عنها تقول. فذكر حديثًا قال وكانت هذه الصَّدقة بيد عليٍّ منعها عباسًا فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن ثمَّ بيد الحسين ثمَّ بيد عليِّ بن الحسين والحسن بن الحسين، ثم بيد زيد بن الحسن، وهي

ج 14 ص 145

صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا.

وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزهريِّ مثله وزاد في آخره قال معمر ثمَّ كانت بيد عبد الله بن حسن حتَّى ولي هؤلاء؛ يعني بني العباس، فقبضها. وزاد إسماعيل القاضي أنَّ إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان رضي الله عنه.

قال عمر بن شبَّة سمعت أبا غسان هو محمد بن يحيى المدني يقول إنَّ الصَّدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة تُكْتَبُ في عهده، ويُوَلِّي عليها من يقبضها، ويفرِّقها في أهل الحاجة من أهل المدينة.

قال الحافظ العسقلانيُّ وكان ذلك على رأس المائتين ثمَّ تغيَّرت الأمور، والله المستعان.

وفي الحديث أنَّ عليًا والعباس رضي الله عنهما اختصما فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النَّضير، ولم يتنازعا في الخمس، وإنما تنازعا فيما كان خاصًّا للنَّبي صلى الله عليه وسلم وهو الفيء فتركه صدقة بعد وفاته.

وفيه أنَّه يجب أن يُوَلَّى أمرُ كل قبيلةٍ كبيرهم؛ لأنَّه أعرف باستحقاق كلِّ رجلٍ منهم لعلمه بهم. وفيه أنَّ للإمام أن ينادي الرَّجل الشَّريف الكبير باسمه والتَّرخيم حيث لم يُرِدْ بذلك تنقيصه، ولا عار على المنادى بذلك. وفيه استعفاء المرء من الولايةِ وسؤاله الإمام ذلك بالرِّفق لقول مالك لعمر رضي الله عنه حين أمره بقسمة المال بين قومه (( لو أمرتَ به غيري ) ). وفيه اتِّخاذ الحاجب للإمام وأن لا يصل إليه شريفٌ ولا غيره إلَّا بإذنه. وفيه الجلوس بين يدي السُّلطان بغير إذنه. وفيه الشَّفاعة عنده في إنفاذ الحكم إذا تفاقمت الأمور وخشي الفساد بين المتخاصمين لقول عثمان رضي الله عنه (( اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر ) ). وقد ذكر البخاريُّ في (( المغازي ) ) [خ¦4033] أنَّ عليًا والعباس رضي الله عنهما استبَّا يومئذٍ.

وفيه حلم الإمام، وفيه إقامةُ الإمام من ينظر على الوقف نيابة عنه، فالتَّشريك بين الاثنين في ذلك، ومنه يؤخذ جواز أكثر منهما بحسب المصلحة، وفيه تقرير الإمام لمن يشهد له على قضائه وحكمه، وفيه أنَّه لا بأس أن يمدحَ الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق، وفيه جواز ادِّخار الرجل لنفسه وأهله قوت سنة خلافًا لقول من أنكره

ج 14 ص 146

من متشدِّدي المتزهِّدين وجهلة الصُّوفية المنكرين للادِّخار الزاعمين أن من ادَّخر لغد، فقد أساء الظَّن بربه ولم يتوكَّل عليه حقَّ توكله والحال أن ذلك لا ينافي التَّوكل، وفيه جواز اتخاذ العقار واستغلال منفعتهِ، ويُؤخذ منه جواز غير ذلك من الأموال التي يحصل بها النَّماء والمعاش من زراعةٍ وتجارةٍ وغير ذلك.

وفيه أنَّ الإمام إذا قام عنده دليلٌ شرعيٌّ قضى بمقتضاه ولم يحتج إلى أخذه عن غيره؛ إذ الصَّديق رضي الله عنه قضى على العباس وفاطمة رضي الله عنهما بحديث (( لا نورث ) )ولم يحاكمهما في ذلك إلى أحدٍ غيره، ويؤخذ منه جواز حكم الحاكم بعلمه. وفيه أن الأتباع إذا رأوا من الكبير انقباضًا لم يفاتحوه حتَّى يفاتحهم بالكلام، وفيه قبول خبر الواحد؛ فإنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يستشهد بأَحَدٍ، كما استشهد عمر رضي الله عنه، بل أخبر بذلك عنه صلى الله عليه وسلم فقُبِلَ ذلك منه.

وفيه أنَّه لا يُنْكَرُ أن يخفى على الفقيه والعالم بعض الأمور ممِّا علمه غيره، كما خفي على فاطمة رضي الله عنها التَّخصيص في ذلك، وكذلك يقال إنَّه خفي على عليٍّ رضي الله عنه ذلك، وكذلك على العباس رضي الله عنه حتَّى طلب الميراث، وقد يقال لم يخف ذلك عليهما؛ وإنما كانا ذهلا ونسيا حتَّى ذكَّرهما أبو بكر رضي الله عنهم فرجعا إليه؛ بدليل أنَّ عمر رضي الله عنه نشدهما بالله هل تعلمان ذلك؟ فقالا نعم، وفيه أنَّ في طلب فاطمة رضي الله عنها ميراثها من أبيها وطلب العباس رضي الله عنه دليلًا على أنَّ الأصل في الأحكام العموم وعدم التَّخصيص حتى يدلَّ ما يدلُّ على التَّخصيص، وعلى أنَّ المتكلم داخلٌ في عموم كلامه حيث قال صلى الله عليه وسلم (( من ترك مالًا فلأهله ) )وهذا قول أكثر أهل الأصول خلافًا للحنابلة، وعند كثيرٍ من القائلين بالعموم أنَّ هذا الخطاب وسائر العمومات لا يدخل فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الشَّرع ورد بالتفرقة بينه وبين أمَّته.

واستدلَّ بهذا الحديث أيضًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يملك من الفيء شيئًا، ولا خمس الغنيمة إلَّا قدر حاجته وحاجة من يمونه، وما زاد على ذلك كان له التَّصرف بالقسم والعطية.

ج 14 ص 147

وقال آخرون لم يجعل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ملك رقبة ما غنمه، وإنَّما ملك منافعه، وجعل له منه قدر حاجته، وكذلك القائم بالأمر بعده. وقال ابن الباقلاني في الردِّ على من زعم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يورث احتجُّوا بعموم قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء 11] فقال أمَّا من أنكر العموم فلا استغراق عنده لكلِّ من مات أنه يورث، وأمَّا من أثبته فلا يسلِّم دخول النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولو سَلَّم دخولَه لوجب تخصيصه لصحَّة الخبر، وخبر الآحاد يُخَصِّصُ وإن كان لا ينسخ فيكف بالخبرِ إذا جاء مثل مجيءِ هذا الخبر، وهو (( لا نورث ) )، والله تعالى أعلم.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( إنَّ الله قد خصَّ رسوله ) )إلى قوله (( فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فإن من جملة ما سألت فاطمة رضي الله عنها ما بقي من خمس خيبر، وكان علي وعباس رضي الله عنهما يختصمان في الفيء الذي خصَّ الله تعالى نبيَّه بذلك، وهو ما أفاء الله على رسوله من أموال بني النَّضير حين أجلاهم، وكذا نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها، وكذا ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصُّلح حين صالح اليهود، وكذا حصنان من حُصون خيبر الوطيح والسَّلالم أخذهما صلحًا، ومنها سهمه من خُمُس خيبر، وما افتتح منها عنوة، فكان ذلك كلُّه خالصًا له صلى الله عليه وسلم لا حقَّ لأحدٍ فيها، كما تقدَّم.

وقد أخرج الحديث البخاري في (( النفقات ) ) [خ¦5358] و (( الاعتصام ) ) [خ¦7305] و (( الفرائض ) ) [خ¦6728] أيضًا.

وأخرجه مسلمٌ في (( المغازي ) )، وأبو داود في (( الخراج ) )، والترمذيُّ في (( السِّير ) )، والنسائيُّ في (( الفرائض ) (( التفسير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت