3141 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ) هو يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة، واسمه دينار التَّيمي القرشي، والماجشون بكسر الجيم وفتحها وضم الشين المعجمة وهو يعقوب، وهو بالفارسية بمعنى الوَرْد، وقد مرَّ في (( الوكالة ) ) [خ¦2301] .
(عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ) عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أنَّه (قَالَ بَيْنَمَا) قد مرَّ غير مرةٍ أنَّ أصله بين، فأشبعت فتحة النون وزيدت الميم فصار بينما، وربَّما يقال بينا بغير ميم، ويضاف إلى جملة هي هنا قوله (أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي) .
وقوله (فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ) جواب بينا (مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا) صفة الغلامين، فلذلك جر لفظ حديثة، وأسنانهما بالرفع؛ لأنَّه فاعل حديثة (تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا) كذا للأكثر بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح اللام على وزن أفعل، من الضَّلاعة، وهي القوَّة، يقال اضطلع بحمله؛ أي قوي عليه ونهضَ به؛ أي بين أشد وأقوى من الغلامين المذكورين، ويروى بضم اللام على أنَّه جمع ضلع.
ووقع في رواية الحمُّويي وحده (( بين أصلح منهما ) )بالصاد والحاء المهملتين، ونسبها ابن بطَّال لمسدد شيخ البخاري، وقال خالفه إبراهيم بن حمزة عند الطَّحاوي، وموسى بن إسماعيل عند ابن سَنْجر، وعفَّان عند ابن أبي شيبة، فكلُّهم رووا عن يوسف شيخ البخاري فيه فقالوا (( أضلع ) )بالضاد المعجمة والعين.
قال واجتماع ثلاثةٍ من الحفاظ أولى من انفراد واحدٍ خالفهم. انتهى.
وقد ظهر أنَّ الخلاف على الرُّواة عن الفربري، فلا يليق الجزم بأنَّ مسددًا نطق به هكذا، وقد رواه
ج 14 ص 254
أحمد في «مسنده» وأبو يعلى عن عُبيد الله القواريري، وبشر بن الوليد وغيرهما، كلُّهم عن يوسف كالجماعة، كذلك أخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن عفَّان كذلك، وقال القرطبيُّ الذي في مسلم (( أضلع ) )ووقع في رواية (( أصلح ) )، والأول هو الصَّواب.
(فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟) هو عمر بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي فرعون هذه الأمَّة (قُلْتُ نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ أُخْبِرْتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) يعني لا يفارق شخصه شخصه، وأصله أنَّ الشَّخص يرى على البعد أسود.
(حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا) أي الأقرب أجلًا، وهو كلامٌ مستعملٌ يفهم منه أن يلازمه ولا يتركه إلى وقوع الموت بأحدهما، وصدور هذا الكلام في حال الغضب والانزعاج يدلُّ على صحَّة العقل الوافر، والنَّظر في العواقب، فإنَّ مقتضى الغضب أن يقول حتَّى أقتله، لكن العاقبة مجهولةٌ. وقيل إنَّ لفظ الأعجل تحريف، وإنَّما هو الأعجز، وهو يقع في كلام العرب كثيرًا، والصَّواب ما وقع في الرِّواية؛ لوضوح معناه.
(فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِك، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ) أي فلم ألبث، يقال نشب بعضهم في بعضٍ؛ أي دخل وتعلَّق، ونشب في الشَّيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه، ولم ينشب أن فعل؛ أي لم يلبث، وحقيقته لم تتعلَّق بشيءٍ غيره ولا بسواه، ومادَّته نون وشين معجمة وباء موحدة.
(أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ) بالجيم، وفي رواية مسلم (( يزول ) )وهو بمعناه؛ أي يضطرب في المواضع، ولا يستقرُّ على حالٍ.
(قُلْتُ أَلاَ) للتنبيه (إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي فَابْتَدَرَاهُ) أي سبقاه مسرعين(بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا، قَالاَ لاَ،
ج 14 ص 255
فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ)ليستدلَّ بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعَلِمَ أنَّ ابن الجموح هو المثخن، كما يشهد به سياق الحديث.
وقال ابن المهلَّب نظره صلى الله عليه وسلم في السَّيفين؛ ليرى ما بلغ من الدَّم من سيفيهما، ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول؛ ليحكم بالسَّيف لمن كان في ذلك المبلغ أبلغ، ولذلك سألهما أولًا هل مسحتما سيفكما؛ لأنَّهما لو مسحاهما لما تبيَّن المراد من ذلك.
(فَقَالَ كِلاَكُمَا) ويروى (قَتَلَهُ) إنَّما قال ذلك وإن كان أحدهما الذي أثخنه تطييبًا لقلب الآخر من حيث إنَّ له مشاركةً في القتل (سَلَبُهُ) أي سلب أبي جهل (لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ) وإنَّما حكم له مع أنَّهما اشتركا في القتل؛ لأنَّ القتل الشَّرعي الذي يتعلَّق به استحقاق السَّلب هو الإثخان، وهو إنَّما وجد منه.
وقال الإسماعيلي إنَّ الأنصاريين ضرباه فأثخناه، وبلغا به المبلغ الذي يُعْلَم أنَّه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلَّا قدر ما نطقا، فدلَّ قوله كلاهما قتله، على أنَّ كلاًّ منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها، وإنَّ عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أنَّ أحدهما سبق الآخر بالضَّرب، فصار في حكم المثبت لجِرَاحِه حتَّى وقعت به ضربةُ الثَّاني، فاشتركا في القتل إلَّا أن أحدهما قتله وهو ممتنعٌ، والآخر قتله وهو مثبتٌ، فلذلك قضى بالسَّلب للسَّابق إلى إثخانه.
ولمّا روى الطَّحاويُّ هذا الحديثَ قال فيه دليلٌ على أنَّ السَّلب لو كان واجبًا للقاتل بِقَتْلِه؛ لكان قد وَجَبَ سلبُه لهما، ولم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم ينتزعه من أحدهما فيدفعه إلى الآخر.
ألا ترى أنَّ الإمام لو قال من قتل قتيلًا فله سلبه، فقتل رجلان قتيلًا أن سلبه لهما نصفان، وأنَّه ليس للإمام أن يحرمَ أحدهما ويدفعه إلى الآخر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما له فيه من الحقِّ ما للآخر، وهما أولى به من الإمام، فلمَّا كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم في سلب أبي جهلٍ أن يجعله
ج 14 ص 256
لأحدهما دون الآخر دلَّ ذلك أنَّه كان أولى به منهما؛ لأنَّه لم يكن قال يومئذ (( من قتل قتيلًا فله سَلَبُه ) ).
وقال أيضًا إنَّ سَلَبَ المقتول لا يجب للقاتل بقتل صاحبه إلَّا بجعل الإمام إيَّاه له على ما فيه صلاح المسلمين من التَّحريض على قتال العدو.
(وَكَانَا) أي الغلامان المذكوران من الأنصار (مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ) أمَّا معاذ بن عَفْرَاء، بفتح العين المهملة وسكون الفاء وبالراء وبالمد، وهي أمه عفراء بنت عُبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالكٍ بن النجار، وهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد، هكذا قال محمَّد بن إسحاق.
وقال ابن هشام هو معاذ بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وقال موسى بن عقبة معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث، شهد بدرًا، هو وأخواه عوف ومعوذ بنو عفراء، وهم بنو الحارث بن رفاعة.
وقال أبو عمر لمعاذ بن عفراء رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر، مات في خلافة عليٍّ رضي الله عنه.
وأمَّا معاذ بن عمرو بن الجَمُوح، فالجَمُوح هو ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عدي بن أسد بن سارده بن يزيد بن جشم بن الخزرج السلمي الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا هو وأبوه عمرو، وقيل قُتِلَ عمرُو بن الجموح يوم أحدٍ.
وذكر ابن هشام عن زياد، عن ابن إسحاق أنَّه الذي قطع رجل أبي جهل بن هشام وصرعه، قال وضرب ابنه عكرمة بن أبي جهل يدَ معاذ فطرحها، ثمَّ ضربه معوذ بن عفراء حتَّى أثبته وتركه وبه رمقٌ، ثمَّ وقف عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، واجتزَّ رأسه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمسه في القتلى.
وفي «صحيح مسلم» أنَّ ابني عفراء ضرباه حتَّى برد، بالدال؛ أي مات، وفي رواية (( حتَّى برك ) )بكاف؛ أي سقط على الأرض، وكذا في البخاري في باب
ج 14 ص 257
(( قتل أبي جهل ) ) [خ¦3962] [خ¦3963] .
وادَّعى القرطبيُّ أنَّه وهمٌ التبس على بعض الرُّواة معاذ بن الجموح بمعاذ بن عفراء، وقال ابن الجوزي ابن الجموح ليس ولد عفراء، ومعاذ بن عفراء ممَّن باشر قتل أبي جهل، فلعلَّ بعض إخوته حضره أو أعمامه، أو يكون الحديث ابن عفراء، فغلط الرَّاوي فقال ابنا عفراء، وقال أبو عمر أصحُّ من هذا حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه (( أنَّ ابن عفراء قتله ) ).
وقال ابن التِّين يحتمل أن يكونا أخوين لأم أو يكون بينهما رضاع، وقال الدَّاودي ابنا عفراء سهل وسهيل، ويقال معوذ ومعاذ.
وروى الحاكم في «إكليله» من حديث الشَّعبي عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه حمل رجل كان مع أبي جهل على ابن عفراء فقتله، فحمل ابن عفراء الآخر على الذي قتل أخاه فقتله، ومرَّ ابن مسعودٍ رضي الله عنه على أبي جهل فقال الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام، فقال أبو جهل تشتمني يا رُوَيعي هذيل؟ فقال نعم والله، وأقتلك فحذفه أبو جهل بسيفه، وقال دونك هذا إذًا، فأخذه عبد الله فضربه حتَّى قتله، وقال يا رسول الله، قتلت أبا جهلٍ، فقال (( الله لا إله إلا هو ) )، فحلف له، فأخذه النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثمَّ انطلق معه حتَّى أراه إيَّاه فقام عنده، وقال (( الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام وأهله ) )ثلاث مراتٍ.
والتَّوفيق بين هذه الرِّوايات بإثبات الاشتراك في قتل أبي جهلٍ، ولكن السَّلب ما ثبت إلَّا للذي أثخنه على ما مرَّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يخمس سَلَبَ أبي جهل، وقد أخرجه البخاري في (( المغازي ) )أيضًا [خ¦3963] ، وأخرجه مسلم أيضًا في (( المغازي ) ).
(قَالَ مُحَمَّد) هو البخاريُّ نفسه (سَمِعَ يُوْسف صَالِحًا وَإِبْرَاهِيم أَبَاهُ) أي سمع يوسف بن الماجشون صالح بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف المذكور في الإسناد، وسمع إبراهيم أباه؛ أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف، وهذه الزِّيادة هنا لأبي ذرٍّ وأبي الوقت.
وأراد بهذه دفع قول من يقول إنَّ بين يوسف
ج 14 ص 258
وبين صالح بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن رجلٌ، وهو عبد الواحد بن أبي عون، وهو رجلٌ مشهور ثقة، فيكون الحديثُ منقطعًا.
وقد ذكره البزَّار في روايته عن محمَّد بن عبد الملك القرشي، وعلي بن مسلم قالا ثنا يوسف بن أبي سلمة ثنا عبد الواحد بن أبي عون حدَّثني صالح بن إبراهيم، به.
ثمَّ قال هذا الحديث لا نعمله يروى عن عبد الرَّحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ووثق عبد الواحد، فأشار البخاريُّ بهذه الزِّيادة إلى أنَّ سماعَ يوسف من صالح، وسماع إبراهيم من أبيه ثابتٌ، فالحديث متصل.
وقد تقدَّم في الوكالة هذا الإسناد بعينه في حديثٍ آخر، وبيَّن فيه سماع إبراهيم من أبيه [خ¦2301] ، وأمَّا سماع يوسف بن صالح، فوقع في رواية عفَّان، عند الإسماعيلي.
قال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون يوسف سَمِعَه من صالح، وثبَّتَه فيه عبد الواحد، والله تعالى أعلم.