فهرس الكتاب

الصفحة 4902 من 11127

3142 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة واللام وسكون الفاء وبالمهملة، هو عمرو بن كثير بن أفلح (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) هو نافع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعي الأنصاريِّ، وهذا الإسناد بعينه قد مرَّ في كتاب البيوع، في باب بيع السِّلاح في الفتنة [خ¦2100] .

(قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ) بالتنوين منصرف، وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميالٍ، وكان في السَّنة الثَّامنة من الهجرة (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ) بالجيم؛ أي دوران واضطرابٌ، من جال يجول، إذا دار، والمراد التَّأخر، وعبَّر بهذه العبارة احترازًا عن لفظ الهزيمة، وهذه الجولة كانت في بعض الجيش لا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ حوله.

(فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلاَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي ظهر عليه وأشرف على قتله أو صرعه وجلس عليه (فَاسْتَدَرْتُ) من الدَّوران، هذه رواية الكُشْمِيْهَني، وفي وراية الأكثرين من الاستدبار (حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) العاتق موضع الرِّداء من العنق، وقيل ما بين العنق والمنكب، وقيل هو عرقٌ أو عصب هناك، وقيل حَبْلُ العاتق عصبه.

(فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً

ج 14 ص 259

وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ مَا بَالُ النَّاسِ) أي ما حال النَّاس منهزمين.

(قَالَ أَمْرُ اللَّهِ) أي قال عمر رضي الله عنه؛ أي جاء أمر الله تعالى، ويقال بالهم وحالهم حكم الله؛ أي ما حكم به وقضاه، ويقال معناه ما حالهم بعد الانهزام، فقال أمر الله غالب والعاقبة للمتَّقين.

(ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ، فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لاَهَا اللَّهِ إِذًا) كذا الرِّواية بالتنوين، قال الخطَّابي والصَّواب فيه لاها الله ذا، بغير ألف قبل الذال؛ أي بلفظ اسم الإشارة، والهاء بدل من الواو كأنَّه قال لا والله يكون ذا، يعني والله لا يكون ذا، وقال المازري معناه لاها الله ذا يميني أو قسمي.

وقال أبو زيد ذا زائدة، وفي هذا لغتان المد والقصر، قالوا ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو، قالوا ولا يجوز الجمع بينهما، فلا يقال لاها والله، وقال أبو عثمان المازني من قال لاها الله إذًا، فقد أخطأ إنَّما هو لاها الله ذا.

وقال الجوهري ها للتنبيه، وقد يقسم بها يقال لاها الله ما فعلت، وقولهم لاها الله ذا، أصله لا والله هذا، ففرقت بين ها وذا، وتقديره لا والله ما فعلت هذا.

وقال الكرماني المعنى صحيحٌ أيضًا على لفظ إذًا؛ يعني بالتنوين، جوابًا وجزاءً تقديره لا والله إذا صدق لا يكون أو لا يَعْمِد، ويُرْوى برفع لفظة الله على أنَّه مبتدأ، وها للتنبيه ولا يَعْمِد، خبره.

وقوله (لَا يَعْمِدُ) يروى بالمثناة التحتية وبالنون أيضًا، وكذلك قوله الآتي يعطيك؛ أي لا يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ) الأول بفتحتين مفرد،

ج 14 ص 260

والثاني بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد (يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يُعْطِيكَ سَلَبَهُ) أي إلى رجلٍ كالأسد يقتل عن جهة الله ورسله نصرةً في الدِّين فيأخذ حقَّه ويعطيك؛ أي لا يعطيك أيها الرَّجل المسترضي حقَّ أبي قتادة لا والله كيف وهو أسد الله.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ) أي أبو بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه (فَأَعْطَاهُ) أي فأعطى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الدِّرعَ أبا قتادة، ومقتضى الظَّاهر أن يقال فأعطاني، فعدل عنه إلى الغيبة التفاتًا أو تجريدًا وهو مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وإنَّما أعطاه بلا بيِّنة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لعلَّه علم أنَّه القاتل بطريق من الطُّرق، ولا يقال إنَّما استحقَّ أبو قتادة السَّلب بإقرار من هو في يده؛ لأنَّ المال كان منسوبًا إلى جميع الجيش، فلا اعتبار بإقراره.

(فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ) أي اشتريت (بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ) والمَخْرَف، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء بعدها فاء، هو البستان، وقيل الحائط من النَّخل يخرف فيه الرطب؛ أي يُجْتَني، وبنو سلِمة، بكسر اللام.

(فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ) أي اتَّخذته وجمعتُه، وهو من باب التَّفعل، فيه معنى التَّكلف مأخوذٌ من الأثلة، وهو الأصل، والمعنى اتَّخذته أصلًا للمال ومادته همزة وثاء مثلثة ولام، يقال مال مؤثل ومجد مؤثل؛ أي مجموعٌ ذو أصل.

وفي الحديث فضيلة أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، وصحَّة إصابته بحضرته صلى الله عليه وسلم، وجواز الإشهاد، ومنقبة لأبي قتادة الحارث الأنصاري رضي الله عنه. واحتجَّ به من قال إنَّ السَّلب من رأس الغنيمة لا من الخمس؛ لأنَّ إعطاءَه صلى الله عليه وسلم أبا قتادة كان قبل القسمة؛ لأنَّه نفله حين برد القتال.

وأجاب أصحابنا ومالك عنه فقالوا هذه حجَّة لنا؛ لأنَّه إنَّما قال ذلك بعد تقضي الحرب، وقد حِيْزَتِ الغنائم، وهذه حالةٌ قد سبق فيها مقدار حقِّ الغانمين وهو الأربعة الأخماس على ما أوجبها الله لهم، فينبغي أن يكون من الخمس.

وقال القرطبي وهذا الحديث أدلُّ دليلٍ على صحَّة مذهب مالك

ج 14 ص 261

وأبي حنيفة، وزعم من خالفنا أنَّ هذا الحديث منسوخٌ بما قاله يوم حنين، وهو فاسدٌ لوجهين

الأوَّل أنَّ الجمع بينهما ممكنٌ فلا نسخ.

الثَّاني أنَّه روى أهل السير وغيرهم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدرٍ (( من قتل قتيلًا فله سلبه ) )كما قاله يوم حنين، وغايته أن يكون من باب تخصيص العموم.

وفيه أنَّ لاها الله يمين، ولكنَّهم قالوا إنَّه كناية؛ إن نوى بها اليمين كانت يمينًا وإلَّا فلا، قال العيني ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّها يمين، وفيه جوازُ كلام الوزير ورَدِّ مسائل الأمير قبل أن يُعْلَمَ جوابُ الأمير، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين قال لاها الله.

وفيه إذا ادَّعى رجلٌ أنَّه قَتَلَ رجلًا بعينه، وادَّعى سَلَبَه هل يُعْطَى له؟

فقالت طائفةٌ لا بدَّ من البينة، واحتجُّوا بظاهر هذا الحديث، وبه قال اللَّيث والشَّافعي، وجماعةٌ من أهل الحديث، وقال الأوزاعي لا يحتاج إليها، ويُعْطَى بقوله، وقد استدلَّ به على دخول من لا يسهم له في عموم قوله (( من قتل قتيلًا ) ). وعن الشَّافعي في قول لا يستحقُّ السَّلب إلَّا من استحقَّ السَّهم، وبه قال مالكٌ؛ لأنَّه إذا لم يستحقَّ السَّهم فَلِأنْ لا يستحق السَّلب بطريق الأولى، وعورض بأنَّ السَّهم عُلِّق على المظنَّة، والسَّلَبُ يُستَحَقُّ بالفعل فهو أولى، وهذا هو الأصحُّ.

وفيه أيضًا أنَّ السلب مُسْتَحقٌّ للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من وقف عليه، كما سيأتي في قصَّة ابن مسعود رضي الله عنه مع أبي جهل في غزوة بدر [خ¦3962] [خ¦3963] . وفيه أيضًا أنَّ السَّلب للقاتل في كلِّ حالٍ، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، حتَّى قال أبو ثور ولو كان المقتول منهزمًا. وقال أحمد لا يستحقُّه إلَّا بالمبارزة، وعن الأوزاعي إذا التقى الزَّحفان فلا سَلَب.

وفيه أيضًا أنَّ السَّلَب يستحقُّه القاتل من كلِّ مقتول، حتَّى لو كان المقتول امرأةً، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وقال الجمهور شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، وقال ابن قدامة ويجوز أن يسلبَ القَتْلى ويتركهم عراةً، قاله الأوزاعي، وكرهه الثَّوري وابن المنذر.

ثمَّ إنَّهم اتَّفقوا على أنَّه لا يُقْبَلُ قولُ من

ج 14 ص 262

ادَّعى السَّلبَ إلَّا ببينةٍ تشهد له بأنَّه قَتَلَه، والحجَّة فيه قوله في هذا الحديث (( له عليه بينة ) )فمفهومه أنَّه إذا لم يكن له عليه بينةٌ لا يقبل، وسياق أبي قتادة يشهد لذلك، وعن الأوزاعي يُقْبَلُ قوله بغير بينةٍ؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أبا قتادة بغير بينةٍ.

وفيه نظرٌ؛ لأنَّه وقع في «مغازي» الواقدي أنَّ أوس بن خُوليٍّ شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصح فيحمل على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم علم أنَّه القاتل بطريق من الطُّرق.

وأَبْعَدَ مَنْ قال من المالكيَّة إنَّ المراد بالبينة هنا الذي أقرَّ له أنَّ السَّلب عنده، فهو شاهدٌ، والشَّاهد الثَّاني وجود السَّلب؛ فإنَّه بمنزلة الشَّاهد على أنَّه قتله، ولذلك جُعِلَ لَوْثًا في باب القسامة.

وقيل إنَّما استحقَّه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الإقرار إنَّما يفيد المال إذا كان المال منسوبًا لمن هو في يده فيؤاخذ بإقراره، والمال هنا منسوبٌ لجميع الجيش، ونقل ابن عطيَّة عن أكثر الفقهاء أنَّ البينة هنا شاهدٌ واحدٌ يُكْتَفَى به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت