3169 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) هو المقبريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ) بفتح السين وضمها وكسرها ثلاث لغات، والفتح أفصح وجمعه سِمام وسُموم، وكان الذي أتى بها امرأةٌ يهوديَّةٌ صرَّح بذلك في «صحيح مسلم» .
ج 14 ص 315
وقال النَّوويُّ في «شرح مسلم» وهذه المرأة اليهوديَّة الفاعلة للسمِّ اسمها زينب بنت الحارث، أخت مرحب اليهودي.
وقال العينيُّ كذا رواه الواقديُّ عن الزهريِّ وأنَّه صلى الله عليه وسلم قال لها (( ما حملك على هذا؟ ) )قالت قتلتَ أبي وعمِّي وزوجي وأخي، قال محمد فسألت إبراهيم بن جعفر عن هذا، فقال أبوها الحارث، وعمها بشار، وكان أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرفِّ، وأخوها زبير، وزوجها سلام بن حكم.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ) بتشديد الياء؛ لأن أصله صادقون فلما أضيف إلى ياء المتكلم وسقطت النون فاجتمعت الواو والياء، وقد سبقتْ إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء.
(عَنْهُ؟ فَقَالُوا نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلاَنٌ، فَقَالَ كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ، قَالُوا صَدَقْتَ، قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا) وأصل تخلفونا تخلفوننا بإسقاط النون من غير جازمٍ ولا ناصب لغة، وهو من خلف يخلف إذا قام مقام غيره.
والخلَف بتحريك اللام وسكونها، كلُّ مَنْ يجيءِ بعد من مضى، إلَّا أنَّه بالتحريك في الخير، وبالسكون في الشَّر، يقال خَلَف صِدْق وخَلْف سوء.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَئُوا فِيْهَا) زجرًا لهم بالطَّرد والإبعاد، أو دعاء عليهم بذلك، ويقال لطرد الكلب اخسأْ.
(وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) فإن قيل إنَّ عصاة المسلمين يدخلون النار على ما ورد في الحديث؟ فالجواب أنَّهم لا يخرجون منها فلا يتصور معنى الخلافة، وكذلك هما يفترقان بالخلود وعدمه.
(ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا نَعَمْ يَابَا القَاسِمْ، قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا، قَالُوا نَعَمْ، قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) قال القاضي عياض واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النَّبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
فوقع في «صحيح مسلم»
ج 14 ص 316
(( أنَّهم قالوا ألا تقتلها، قال لا ) )، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا عن جابر رضي الله عنه، وعنه أيضًا من رواية أبي سلمة (( أنَّه صلى الله عليه وسلم قتلها ) ). وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن مَعْرور، وكان أكل منها، فمات بها فقتلوها ) ).
وقال ابن سحنون أجمع أهل الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها. وفي رواية داود (( فأمر بها فقتلت ) )، وفي لفظ (( قتلها وصَلَبها ) ). وفي «جامع معمر» عن الزهريِّ (( لمَّا أسلمت تركها ) )، قال معمر كذا قال الزهري أسلمت، والنَّاس يقولون قتلها وأنَّها لم تسلم.
وقال السهيليُّ قيل إنَّه صَفَحَ عنها.
قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنَّه لم يقتلها إلَّا حين اطلع على سِحْرها، وقيل له اقتلها فقال لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلَّمها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا، فصحَّ قولهم لم يقتلها؛ أي في الحال، ويصح قولهم قتلها؛ أي بعد ذلك، والله أعلم.
واستدلَّ الإمام مالك بهذا الحديث على أنَّ القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص. وقال الكوفيون لا قصاصَ فيه، وفيه الديَّة على العاقلة، قالوا ولو دسَّه في طعامٍ أو شرابٍ لم يكن عليه شيءٌ، ولا على عاقلته. وقال الشافعيُّ إذا فعل ذلك وهو مُكْرَهٌ ففيه قولان، هل فيه قود أو لا؟ أصحُّهما لا. وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ حيث لم يؤثر فيه السمُّ، والذي أكل معه مات. وفيه أنَّ السُّمَّ لا يؤثر بذاته، بل بإذن الربِّ جل جلاله ومشيئته، ألا ترى أنَّ السُّمَّ أثَّر في بِشْرٍ، ولم يؤثِّر في النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ المشركين من أهل خيبر غدروا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم وأهدوا له على يد امرأةٍ شاةً مسمومةً فعفا عنها أو قتلها، فيه خلافٌ على ما مر.
والحديثُ أخرجهُ البخاريُّ في المغازي [خ¦4249] والطب أيضًا [خ¦5777] ، وأخرجهُ النسائيُّ في التفسير.
وأخرج مسلمٌ عن أنس رضي الله عنه
ج 14 ص 317
أنَّ امرأةً يهوديَّةً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ فأكل منه فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك فقال أردت لأقتلك، قال (( ما كان الله ليسلِّطك على ذلك ) )قال أو قال عليٌّ رضي الله عنه قالوا ألا نقتلها، قال (( لا ) )قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.