فهرس الكتاب

الصفحة 4944 من 11127

3173 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر الموحدة (هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ) على صيغة اسم المفعول من التفضِيل، بالضاد المعجمة، ابن لاحق أبو إسماعيل

ج 14 ص 325

البصريُّ.

(حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ الأنصاري (عَنْ بُشَيْرِ) بضم الموحدة، مصغَّر بشر (ابْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين المدني، مولى الأنصار (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، واسمه عبد الله الأنصاريِّ المدنيِّ (قَالَ انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ) أي ابن زيد بن كعبٍ الحارثي، وهو أخو عبد الرحمن بن سهل (وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة، ومسعود هو ابنُ كعب بن عامرٍ الأنصاريِّ الخزرجي، أبو سعيدٍ المدني، له صحبةٌ، هو أخو حُوَيصة بن مسعود، بضم الحاء المهملة وفتح الواو، ويقال فيهما جميعًا بتشديد الياء وتخفيفها، أسلم قبل أخيه حويصة، وكان حويصة أسنَّ منه. ووقع في بعض نسخ (( الجامع ) )مسعود بن زيد، فقالوا إنَّه وهمٌ من البخاري، والصَّواب كعب بدل زيد.

(إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهْوَ) أي عبد الله (يَتَشَحَّطُ) بالمعجمة ثم بالمهملتين (فِي دَمٍ قَتِيلًا) أي يضطرب في الدم، قاله الخطابي. وقال الداوديُّ المتشحِّط المختضب، ومادته شين معجمة وحاء مهملة وطاء مهملة. قال ابن الأثير معناه يتخبَّط في دمه ويضطرب ويتمرَّغ، وقوله (( قتيلًا ) )نصب على الحال.

(فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أي ابن زيد الأنصاري، أخو عبد الله بن سهلٍ المذكور (وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ) أي ابن كعب الأنصاري. ثمَّ إنَّ عبد الله قال النَّوويُّ هو ابنُ سهل بن زيد بن كعب، فعلى هذا يكون محيصة وحويصة ابني عم أبيه.

وقال عبد البر في ترجمة حويصة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قصَّة ابن عمِّه عبد الله، وقال في ترجمة عبد الله هو ابنُ أخي حويصة ومحيصة. فعلى ما قال عبد البر يحتاج إلى التأويل، فليتأمَّل.

(إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ) وهو أمرٌ من التَّكبير، كرره للمبالغة؛

ج 14 ص 326

أي قدِّم الأسنَّ يتكلَّم (وَهْوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ) أي وعبد الرحمن أحدثهم سنًّا.

(فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا) أي حويصة ومحيصة (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار (أَوْ صَاحِبَكُمْ) شكٌّ من الراوي (قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ) .

قال الخطابيُّ أي تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يمينًا.

وقيل معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا فإنَّهم إذا حلفوا لم يثبت عليهم شيءٌ، وخلصتم أنتم من اليمين، فالمعنى على هذا، يجعلوكم بريئين من اليمين، والله أعلم.

(بِخَمْسِينَ) كذا وقع من غير مُمَيِّزٍ، وتقديره بخمسين يمينًا (فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أدَّى ديَّته (مِنْ عِنْدِهِ) يحتمل وجهين أحدهما من مال نفسه، والآخر من مال بيت المال المعدُّ لمصالح المسلمين، وإنَّما وَدَاه صلى الله عليه وسلم من عنده قطعًا للنزاع، وجبرًا لخواطرهم، وإلَّا فاستحقاقهم لم يثبت واستئلافًا لليهود، وطمعًا منه في دخلوهم الإسلام، وليكفَّ بذلك شرَّهم عن نفسه، وعن المسلمين مع إشكال القضيَّة بإباء أولياء القتيل من اليمين، وإبائهم أيضًا من قبول أيمان اليهود، فكاد الحكم أن يكون طويلًا.

ولكن أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يوادع اليهود بالغرم عنهم، فإنَّ الأمر كان متوجهًا إلى اليهود في القتل لعبد الله، وأراد أن يُذْهِبَ ما بنفوس أوليائه من العداوة لليهود بأن غرم لهم الديَّة إذ كان العرف جاريًا أنَّ من أخذ دية قتيله فقد انتصف.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفهم المهلَّب من قوله في آخره فعقله النَّبي صلى الله عليه وسلم من عنده أنَّه يوازن قوله في الترجمة والمصالحة مع المشركين بالمال فقال إنَّما وداه من عنده استئلافًا لليهود، وطمعًا في دخولهم في الإسلام.

قال وهذا الذي قال يرده ما في نفس الحديث من غير هذه الطريق (( فكره النَّبي صلى الله عليه وسلم أنْ يُبْطِلَ دَمَه ) )فإنَّه مُشْعِرٌ بأن سبب إعطائه ديته من عنده كان تطييبًا لقلوب أهله، ويحتمل أن يكون كلٌّ منهما سببًا لذلك، وبهذا تتم الترجمة.

وأمَّا أصل المسألة فقد اختلف فيها فقال الوليد بن سلم سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهلَ الحرب على مالٍ

ج 14 ص 327

يؤدِّيه المسلمون إليهم، فقال لا يصلح ذلك إلَّا عن ضرورةٍ كشغل المسلمين عن حربهم من قتال عدو، أو فتنة شملت المسلمين، فإذا كان ذلك فلا بأس به.

قال الوليد وذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال قد صالحهم معاوية أيام صفين، وصالحهم عبد الملك بن مروان؛ لشغله بقتال ابن الزبير؛ كان يؤدي عبد الملك إلى طاغية ملك الروم في كلِّ يومٍ ألف دينار، وإلى تراجمة الروم، وأنباط الشَّام في كلِّ جُمُعةٍ ألف دينار. قال ولا بأس أن يصالحهم على غير شيءٍ يؤديه إليهم، كما وقع في الحديبية.

وقال الشافعيُّ إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيءٍ يعطونه؛ لأنَّ القتل للمسلمين شهادة، وإنَّ الإسلامَ أعزُّ من أن يعطي المشركين على أن يكفُّوا عنه، إلَّا أن يخاف أن يصطلحوا؛ لكثرة العدو؛ لأنَّ ذلك من معاني الضَّرورات.

وكذلك إذا أُسِرَ رجلٌ مسلم ولم يُطْلَق إلَّا بفدية فلا بأس بذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم فدى رجلًا برجلين.

وقال ابن بطَّال ولم أجد لمالك وأصحابه ولا الكوفيين نصًا في هذه المسألة.

وقال العينيُّ مذهب أصحابنا أنَّ للإمام أن يصالحهم بمالٍ يَأْخذُ منهم أو يَدْفَعُ إليهم إذا كان الصُّلح خيرًا في حقِّ المسلمين لقوله تعالى {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال 61] ، والمال الذي يؤخذ منهم بالصُّلح يصرف مصارف الجزية.

وفي الحديث إرشاد إلى أنَّ الأكبر أولى بالتَّقديم في الكلام.

واعلم أنَّ حقيقة الدعوى إنَّما هي لأخيه عبد الرحمن لا حقَّ فيها لابني عمه، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر أن يتكلم الأكبر؛ لأنَّه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدَّعوى، بل سماع صورة القصة وكيفيتها، فإذا أراد حقيقتها تكلَّم صاحبها، ويحتمل أنَّ عبد الرحمن وكَّلَ الأكبر، أو أمره بتوكيله فيها.

وفيه أنَّ القوم إذا كان فيهم صغير ينبغي أن يتأدَّب الصَّغير، فلا يتقدَّم عليهم بالكلام، ونحوه أشار إليه بقوله وهو أحدث القوم؛ أي وعبد الرحمن أصغر القوم سنًا. وفيه صحَّة الوكالة، أشار إليه بقوله فتكلَّما؛ أي محيصة وحويصة، وذلك لأنَّ الحقَّ لم يكن لهما، وإنَّما

ج 14 ص 328

تكلَّما بطريق الوكالة. وفيه أنَّ حكم القسامة مخالفٌ لسائر الدَّعاوى من جهة أنَّ اليمين على المدعي، وهذا مذهب الشَّافعي إذا كان هناك لوثٌ يوقع في القلب صدق المدعي بأن يكون هناك علامة القتل على واحد بعينه كالدَّم، أو ظاهر يشهد للمدعي من عداوةٍ ظاهرة، أو شهادة عدلٍ واحد، أو جماعة غير عدول أنَّه قتله، أو أنَّ أهل المحلة قتلوه.

وأمَّا عندنا فلا يحلف ولي القتيل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه ) )، وقد فصَّل في الفقه، وفيه أنَّ القسامة خمسون يمينًا. فإن قيل كيف عرضت اليمين على الثَّلاثة، وإنَّما هي للوارث خاصَّةً وهو أخوه؟

فالجواب أنَّه كان معلومًا عندهم أنَّ اليمين تختصُّ بالوارث، فانطلق الخطاب لهم، والمراد من تختصُّ به.

وفيه إثبات حكم القسامة، خلافًا لجماعة روي عنهم إبطال القسامة، وأنَّه لا حكم لها، ولا عمل بها، قال الكِرمانيُّ ومنهم البخاري.

وقال الخطابيُّ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدعين في اليمين، فلمَّا تكلموا ردَّها على المدَّعى عليهم، فلما لم يرضوا بأيمانهم عقله من عنده؛ لأنَّه عاقلة المسلمين، ووليُّ أمورهم. قال واستدلَّ من يرى القسامة موجبًا للقصاص كمالك بقوله تستحقون دم قاتلكم، إذ ظاهره نفس القتل دون الدية.

وقال النَّوويُّ معناه يثبت حقَّكم على من حلفتُم عليه، وذلك الحق أعمُّ من أن يكون قصاصًا أو دية، وفيه جواز اليمين بالظَّن وصحَّة يمين الكافر، وجواز الحكم على الغائب.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تؤخذ من قوله وهي يومئذٍ صلح، وتمام المطابقة تؤخذ من قوله ففعله النَّبي صلى الله عليه وسلم من عنده؛ لأنَّه مصالحة مع المشركين.

وقد أخرجه البخاريُّ في (( الصلح ) ) [خ¦2702] و (( الأدب ) ) [خ¦6142] و (( الدِّيات ) ) [خ¦6898] و (( الأحكام ) ) [خ¦7192] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الحدود ) )، وأبو داود في (( الدِّيات ) )، والترمذي في (( الدِّيات ) )أيضًا، والنسائيُّ في (( القضاء ) (( القسامة ) )، وابن ماجه في (( الدِّيات ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت