3188 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي ابن زيد (عَنْ أَيُّوبَ) أي السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ) أي بسبب غدرته في الدُّنيا، أو بقدر غدرته، كما في رواية مسلم. قال القرطبيُّ هذا خطابٌ منه للعرب بنحو ما كانت تفعل؛ لأنَّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر رايةً سوداء؛ ليلوموا الغادر ويذمُّوه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر؛ ليشتهر بصفته يوم القيامة فيذمُّه أهل الموقف، وأمَّا الوفاء فلم يرد فيه شيءٌ، ولا يبعد أن يقعَ كذلك.
وقد ثبت لواء الحمد لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم تفسير الغَدْر قريبًا، والكلام على اللِّواء، والفرق بينه وبين الراية في باب مفرد في (( كتاب الجهاد ) ) [خ¦2976 قبل] .
وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لاسيَّما من صاحب الولاية العامة؛ لأنَّ غدره يتعدَّى ضرره إلى خلقٍ كثير، ولأنَّه غير مضطرٍّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
وقال القاضي عياض المشهور أنَّ هذا الحديث ورد في ذمِّ الإمام إذا غدر في عهده لرعيَّته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها، والتزم القيام بها، فمتى خان فيها، أو ترك الرِّفق فقد غدر بعهده. وقيل المراد نهي الرَّعية عن الغدر بالإمام، فلا تخرج عليه ولا تتعرَّض لعصيانه؛ لما يترتَّب على ذلك من الفتنة، قال والصَّحيح الأول.
وقال الحافظ العسقلانيُّ، وتبعه العينيُّ ولا أدري ما المانع من حمل
ج 14 ص 349
الخبر على أعمِّ من ذلك. وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في (( كتاب الفتن ) )إن شاء الله [خ¦7111] تعالى حيث أورده المصنِّف فيه بأتمَّ من ذلك. وفيه أنَّ الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه (( هذه غدرةُ فلان بن فلان ) )كما في رواية ابن عمر رضي الله عنهما الآتية في (( الفتن ) ) [خ¦6177] [خ¦6178] .
قال ابنُ دقيق العيد وإن ثبت أنَّهم يدعون بأمَّهاتهم فقد يقال يخصُّ هذا من العموم، وتمسَّك به قوم في ترك الجهاد مع ولاة الحرب الَّذين يغدرون، كما حكاه الباجي.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرة أيضًا. وقد أخرجهُ البخاريُّ في (( الفتن ) )أيضًا [خ¦7111] ، وأخرجه مسلمٌ في (( المغازي ) ).