فهرس الكتاب
3206 - (حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقد الحنظلي البلخي، ولفظ مكِّي على صورة النِّسبة إلى مكَّة اسمه، وليس هو منسوبًا إلى مكة، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريح، بضم الجيم الأولى (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة بعدها تحتانية ساكنة، هي السَّحابة التي يخال فيها المطر (فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) خوفًا أن يصيبَ أمَّته عقوبة ذنب العامَّة كما أصاب الذين قالوا {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف 24] الآية. فإن قيل كيف يخشى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يعذَّب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال 33] ؟.
فالجواب أنَّ الآية نزلت بعد هذه القصَّة ويتعيَّن الحمل على ذلك؛ لأنَّ الآية دلَّت على كرامةٍ لرسول صلى الله عليه وسلم ورفعةٍ لمنزلته عند الله، حيث لا يُعَذِّبُ أمَّتَه وهو فيهم، ولا يعذِّبهم أيضًا وهم يستغفرون بعد ذهابه صلى الله عليه وسلم، فلا يتخيل انحطاط درجته أصلًا.
وقد استنبط الصُّوفية من ذلك أنَّ الإيمان الذي في القلوب أيضًا يمنع من تعذيب أبدانهم كما كان وجوده فيهم مانعًا منه.
(فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ) على صيغة المجهول من التَّسرية؛ أي كُشِفَ عنه ما خالطه من الوجل، يقال سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، وسريت الحبل عن الفرس، إذا نزعته عنه،
ج 14 ص 400
والتَّشديد للمبالغة (فَعَرَّفَتْهُ) من التَّعريف (عَائِشَةُ ذَلِكَ) أي ما كان عرض له (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف 24] الآية) والآية في سورة الأحقاف في قصَّة قوم هود عليه السَّلام قال تعالى {فَلَمَّا رَأَوْهُ} في الضَّمير وجهان
أحدهما أن يرجع إلى قوله {مَا تَعِدُنَا} [الأعراف 70] في الآية السَّابقة. وثانيهما أنَّه مبهمٌ فسَّره قوله {عَارِضًا} وعلى الأول إمَّا حال وإمَّا تمييز ومعنى {عَارِضًَا} سحابًا عرض في أفق السَّماء {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} متوجِّه أوديتهم والإضافة فيه لفظية، وكذا في قوله {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} أي يأتينا بالمطر {بَلْ هُوَ} أي قال هود عليه السَّلام {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} من العذاب وقلتم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود 32] ، وقرئ (( قل بل ) )بزيادة قل {رِيحٌ} هي ريحٌ، ويجوز أن يكون بدل ما {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف 24] الجملة صفة ريح، وكذا قوله {تُدَمِّرُ} تهلك {كُلَّ شَيْءٍ} من نفوسهم وأموالهم {بِأَمْرِ رَبِّهَا} إذ لا يوجد نابضة حركة ولا قابضة سكون إلَّا بمشيئته تعالى {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} أي فجاءتهم الرِّيح فدمَّرتهم فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلَّا مساكنهم، وقرأ عاصم وحمزة (( لا يرى إلَّا مساكنهم ) )بالياء المضمومة ورفع مساكنهم.
{كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف 25] روي أنَّ هودًا عليه السَّلام لمَّا أحسَّ بالرِّيح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة وجاءت الرِّيح فأمالت الأحقاف على الكفرة، وكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيام، ثمَّ كشف عنهم واحتملتهم وقذفتهم في البحر.
هذا، والأحقاف جمع حقف، وهو رملٌ مستطيلٌ مرتفعٌ فيه انحناء من احقوقف الشَّيء، إذا اعوجَّ، وكان عاد قوم هودٍ يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشَّجر من اليمن.
وفي الحديث تذكير ما يذهل المرء عنه ممَّا وقع للأمم الخالية، والتَّحذير من السَّير في سبيلهم خشيةً من وقوع مثل ما أصابهم، وفيه شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على أمَّته ورأفته بهم، كما وصفه الله تعالى بقوله {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة 128] ،
ج 14 ص 401
ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّه يشتمل على ذكر الرِّيح والمطر، والحديث أخرجه التِّرمذي في التَّفسير وكذا النَّسائي فيه.