3207 - (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ) بضم الهاء وسكون الدال وبالباء الموحدة (ابْنُ خَالِدٍ) أي ابن أبي الأسود القتيبيِّ البصري ويقال هداب، وقد مرَّ في الصَّلاة [خ¦574] ، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار العَوْذي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦219] (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة البصري (ح) تحويلٌ من إسنادٍ إلى آخر (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) هو ابنُ خياط أبو عَمرو العصفري الحافظ، وقد مرَّ في باب الميت يسمع خفق نعالهم [خ¦1338] ، وإنَّما ذكره بلفظ قال، ولم يقل حدَّثني، إشعارًا بأنَّه سمع منه عند المذاكرة لا على طريق التَّحميل والتَّبليغ.
(حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) يزيد من الزِّيادة، وزُرَيع مصغَّر زَرْع بمعنى الحرث، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عروبة، واسم أبي عروبة مهران اليشكري (وَهِشَامٌ) هو ابنُ عبد الله الدَّستوائي (قَالاَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ رضي الله عنه أنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ) أي الكعبة، وقد مرَّ في أول كتاب الصَّلاة في رواية أبي ذرٍّ أنَّه قال [خ¦349] (( فُرِجَ عن سَقْفِ بَيتي ) )، والتَّوفيق بينهما هو أنَّ الأصحَّ كان له صلى الله عليه وسلم معراجان أو دخل بيته ثمَّ عرج (بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ) ظاهر حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي
ج 14 ص 409
مضى في أوَّل كتاب الصَّلاة أنَّه كان في اليقظة، إذ هو مقتضى الإطلاق، وهو المطابق لما في «مسند» الإمام أحمد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان في اليقظة رآه بعينه.
وقد صحَّ عن رواية شريك عن أنسٍ رضي الله عنه، كما ذكره البخاري في التوحيد، أواخر الكتاب أنَّه كان نائمًا [خ¦7517] .
فوجه التَّوفيق أنَّه اختلف العلماء في تعدُّد الإسراء؛ فإن قلنا بالتَّعدد مرتين وأكثر فلا إشكال، وإن لم نقل به، فالحقُّ أنَّه كان في اليقظة بجسده؛ لأنَّه قد أنكرته قريش، وإنَّما يُنْكَرُ إذا كان في اليقظة، إذ الرُّؤيا لا تُنْكَرُ ولو بأبعد منه. وقال القاضي عياض اختلفوا في الإسراء إلى السَّماوات فقيل إنَّه كان في المنام، والحق الذي عليه الجمهور أنَّه أُسْرِيَ بجسده. فإن قيل (( بين النَّائم واليقظان ) )يدلُّ على أنَّه رؤيا نوم. فالجواب لا حجَّة فيه؛ إذ قد يكون ذلك حالة أوَّل وصول الملك إليه، وليس فيه ما يدلُّ على كونه نائمًا في القصَّة كلِّها.
وقال الحافظ عبد الحق في «الجمع بين الصحيحين» وما روى شريك عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه كان نائمًا، فهي زيادةٌ مجهولةٌ.
وقد روى الحفَّاظ المتقنون والأئمَّة المشهورون كابن شهاب وثابت البناني وقتادة عن أنسٍ رضي الله عنه، فلم يأت أحدٌ منهم بها، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث.
وقال العيني اختلفوا في الإسراء على ثلاث مقالاتٍ؛ فذهبت طائفةٌ إلى أنَّه كان في المنام مع اتِّفاقهم أنَّ رؤيا الأنبياء عليهم السَّلام وحي وحقٌّ، وإلى هذا ذهب معاوية رضي الله عنه، وحُكِيَ عن الحسن، والمشهور عنه خلافه.
واحتجُّوا في ذلك بما رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنهما ما فُقِدَ جسدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله (( بينا أنا نائم ) )وبقول أنسٍ (( وهو نائمٌ في المسجد الحرام ) )، وذكر القصَّة، وقال في آخرها (( فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام ) ).
وذهب معظم السَّلف إلى أنَّه كان بجسده وفي اليقظة، وهذا هو الحقُّ، وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فيما صحَّحه الحاكم،
ج 14 ص 410
وعدَّد في الشِّفاء عشرين نفسًا قال بذلك من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم، وهو قول أكثر المتأخِّرين من الفقهاء والمحدِّثين والمفسرين والمتكلمين.
وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السَّماء بالروح، والصَّحيح الحق كما مرَّ أنَّه أسري بالجسد والرُّوح في القصَّة كلها يقظة.
وعليه يدلُّ قوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء 1] إذ لو كان منامًا لقال بروح عبده ولم يقل بعبده، ولا يُعْدَلُ عن الظَّاهر والحقيقة إلى التَّأويل إلَّا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بِجَسَدِه وحال يقظته استحالة، فليُتَأمل.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( هي رؤيا عين رآها لا رؤيا منام ) ). وأمَّا قول عائشة رضي الله عنها (( ما فُقِدَ جسده ) )فلم تُحَدِّث به عن مشاهدة؛ لأنَّها لم تكن حينئذٍ زوجه ولا في سنِّ مَن يضبط، ولعلَّها لم تكن وُلِدَتْ، فإذا كان كذلك تكون قد حدَّثت بذلك عن غيرها فلا يُرَجَّح خبرُها على خَبَرِ غيرِها.
وقد عرفت أنَّ ما رواه شريك عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه كان نائمًا، فهو زيادةٌ مجهولة.
(وَذَكَرَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) وهذا مختصر أوضحته رواية مسلم من طريق سعيد عن قتادة بلفظ (( إذا سمعت قائلًا يقول أحد الثَّلاثة بين الرَّجلين فأتيت فانطلقوا بي ) )وقد ثبت أنَّ المراد بالرَّجلين حمزة وجعفر، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا بينهما، وفي رواية الأَصيلي وأبي الوقت .
وقال الكِرماني وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث رجالٍ، وهم الملائكة الذين تصوَّروا بصورة الإنسان، فليُتَأمَّل.
(فَأُتِيتُ) على البناء للمفعول (بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلْأَى) كذا في رواية الكُشْمِيْهني بفتح الميم وسكون اللام وفتح الهمزة مقصورًا، مؤنث ملآن، وفي رواية الأكثر والتذكير باعتبار الإناء والتأنيث باعتبار الطست؛ لأنَّها مؤنثة. ووُجِدَ بخط الدِّمياطي بضم الميم على لفظ الفعل الماضي، فعلى هذا، لا تغاير بينه وبين قوله ملآن في التَّذكير، وجمع طَست، _ بفتح الطاء _ طسوس وجاء بكسر الطاء أيضًا، ويقال طسٌّ بتشديد السين.
(حِكْمَةً وَإِيمَانًا) قال الكرماني هما معنيان، والإفراغُ صِفَةُ الأجسام، وأجاب بأنَّه كان في الطست شيءٌ يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمِّي إيمانًا وحكمةً لكونه سببًا لهما. وقال الطِّيبي لعلَّه من باب التَّمثيل أو تُمَثَّلُ له المعاني كما تُمَثَّل له أراوحُ الأنبياءِ عليهم السَّلام
ج 14 ص 411
بالصُّور التي كانوا عليها.
(فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ) النحر الصَّدر، والمَراق، بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف ما سفل من البطن ورقَّ من جلده وأصله مراقق، وسمِّيت بذلك لأنَّها موضع رقَّة الجلد، وهو جمع مرقق.
(ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا) قال الطِّيبي ما ذكر من شقِّ الصدر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإنَّ السَّبيل في ذلك التَّسليم، دون التَّعرض بصرفه إلى وَجْهٍ يتقوله مُتَكَلِّفٌ ادِّعاء للتَّوفيق بين المنقول والمعقول تَبْرُؤًَا ممَّا يتوهَّم أنَّه محالٌ، ونحن بحمد الله تعالى لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصَّادق عن الأمر المحال به على القدرة.
واعلم أنَّ هذا الشق غير الشَّق الذي كان في صغره صلى الله عليه وسلم فعُلِمَ أنَّ الشَّقَّ كان مرَّتين.
(وَأُتِيتُ) على البناء للمفعول (بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ) إنَّما قال أبيض ولم يقل بيضاء؛ لأنَّه أعاده على المعنى؛ أي مركوب أو براق (دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو براق، ويجوز الجر على أنَّه بدل من دابَّة، والبراق اسمٌ للدَّابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة.
وقال ابن دريد اشتقاقه من البرق إن شاء الله تعالى؛ لسرعته، وقيل سمِّي به لشدَّة صفائه وتلألؤ لونه، ويقال شاةٌ برقاء إذا كان خلال صوفها طاقات سُود، فيحتمل التَّشبيه لكونه ذا لونين.
وذكر ابن خالد في كتاب «الاحتفال في أسماء الخيل وصفاتها» أنَّ البراق ليس بذكرٍ ولا أنثى، ووجهُه كوجه الإنسان وجسدُه كجَسَد الفرس، وقوائمُه كقوائم الثَّور، وذَنَبُه كذَنَب الغَزَال.
وقال ابن إسحاق البراق دابَّة أبيض وفي فخذيه جناحان يحفر بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، وقال الزُّبيدي في «مختصر العين» وصاحب «التحرير» هي دابَّة كانت الأنبياء عليهم السَّلام
ج 14 ص 412
يركبونها.
وقال الطِّيبي وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقلٍ صحيحٍ، ثمَّ قال لعلَّهم حسبوا ذلك من قوله في حديثٍ آخر (( فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ) )؛ أي ربطت البراقَ بالحلقة التي يربط بها الأنبياء البراق، وأظهر منه حديث أنسٍ رضي الله عنه في حديثٍ آخر (( قال جبريل عليه السَّلام للبراق فما ركبك أحد أكرم على الله منه ) ). وعن قتادة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أراد الرُّكوب على البراق شَمَسَ فوضع جبريل عليه السَّلام يده على مفرقته ثمَّ قال ألا تستحيي يا براق ممَّا تصنع؟ فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمَّد أكرم عليه منه، قال فاستحيى حتَّى ارفضَّ عرقًا ثمَّ قرَّ حتَّى ركبه.
وقال ابن بطَّال في سبب نفرة البراق بُعْد عهده بالأنبياء عليهم السَّلام وطول الفترة بين عيسى عليه السَّلام ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وقال غيره قال جبريل عليه السَّلام لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حين شمس به البراق لعلك يا محمَّد مسست الصَّفراء اليوم؛ يعني الذَّهب، فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه ما مسَّها إلَّا أنه مرَّ بها فقال تبًّا لمن يَعْبُدُكِ من دُون الله قال فما شَمَسَ إلَّا لذلك. ذكره السُّهيلي.
وقال العيني أنَّه سمع من بعض مشايخه الثِّقات أنَّه إنَّما شَمَسَ ليَعِد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرُّكوب عليه يوم القيمة فلمَّا وعد له ذلك قرَّ.
وفي «صحيح ابن حبان» أنَّ جبريل عليه السَّلام حَمَلَه صلى الله عليه وسلم على البراق رديفًا له، ثمَّ رجعا ولم يصلِّ فيه؛ أي في بيت المقدس، ولو صلَّى لكانت سنةً، وهو من أظرف ما يُستدلُّ به على الإرداف.
وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه وغيره أنَّه صلَّى، وأنكر ذلك حذيفة وقال والله ما زالا عن ظهر البراق حتَّى رجعا، وأخرج البيهقي في حديث الإسراء من حديث شدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنه وفيه (( أنَّه صلَّى تلك الليلة ببيت لحمٍ ) ).
(فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) لم يذكر فيه مجيئه إلى بيت المقدس،
ج 14 ص 413
وقد قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء 1] الآية، ذكر المفسِّرون وأهل السِّير أنَّه لمَّا ركب البراق أتى بيت المقدس ومعه جبريل عليه السَّلام، ولمَّا فرغ أمره فيه نصب له المعراج وهو السُّلم، فصعد فيه إلى السَّماء ولم يكن الصُّعود على البراق كما يتوهَّمه بعض النَّاس، بل كان البراق مربوطًا على باب مسجد بيت المقدس حتَّى رجع عليه إلى مكَّة.
(قِيلَ مَنْ هَذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ التي مضت في أول الكتاب فهذا يدلُّ على أنَّ للسَّماوات أبوابًا وحفظةً موكَّلين بها.
(قَالَ جِبْرِيلُ) يعني قال أنا جبريل، وفيه إثبات الاستئذان، وأنَّه ينبغي أن يقول أنا زيدٌ مثلًا (قِيلَ مَنْ مَعَكَ، قِيلَ مُحَمَّدٌ) أي قال جبريل معي محمَّد، والظَّاهر أنَّ القائل في قوله قيل في هذه المواضع خزَّان أبواب السَّماوات (قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) الواو للعطف وحرف الاستفهام مقدر؛ أي أَطُلِبَ وأُرْسِلَ إليه؟ وفي روايةٍ أخرى .
قال الطِّيبي وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرِّسالة، فإنَّ ذلك لا يخفى عليهم إلى هذه المدَّة، هذا هو الصَّحيح، وقيل معناه أوحي إليه وبعث نبيًّا، والأول أظهر؛ لأنَّ أمر نبوَّته كان مشهورًا في عالم الملكوت، لا يكاد يخفى على خزَّان السَّماوات وحرَّاسها.
وقيل كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه أو الاستبشار بعروجه، إذ كان من البيِّن عندهم أنَّ أحدًا من البشر لا يترقَّى إلى أسباب السَّماوات من غير أن يأذن الله له، ويأمر ملائكته بإصعاده، وأنَّ جبريل عليه السَّلام لا يصعد بمن لم يُرسل إليه ولا تُفْتَحُ له أبواب السَّماوات.
(قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ) أي بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ومعناه لقي رحبًا وسعة، وقيل معناه رحَّب الله به مرحبًا، فجعل مرحبًا موضع التَّرحيب، فعلى الأول انتصابه على المفعولية، وعلى الثَّاني على المصدرية.
(وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) المخصوص بالمدح
ج 14 ص 414
وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ تقديره جاء فنعم المجيء مجيئه. وقال المالكي فيه شاهدٌ على الاستغناء بالصِّلة عن الموصول في باب نعم؛ لأنَّها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص بمعناه وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصولٌ أو موصوف، والتَّقدير نعم المجيء الذي جاء أو نعم المجيء جاء، وكونه موصولًا أجود؛ لأنَّه مخبرٌ عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة.
(فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) وفي رواية أي على الأنبياء عليهم السَّلام الذين لقيهم في السَّماوات، وعلى خزَّان السَّماوات وحرَّاسها؛ لأنَّه كان عابرًا عليهم، وكان في حكم القيام، وكانوا في حكم القعود، والقائم يُسَلِّم على القاعد، وإن كان أفضل منه.
(فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ) وكلُّ واحدٍ من البنوَّة والنُّبوة ظاهرٌ (فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) ويروى بدون لفظ وقد (قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى) عليهما السَّلام (فَقَالاَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ يُوسُفَ) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ جِبْرِيلُ، قِيلَ مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) وكان في السَّماء الرَّابعة، قيل وهذا معنى قوله تعالى {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم 57] قاله أبو سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، وقيل معناه رفعناه في المنزلة والرُّتبة، وقيل المراد من قوله {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} الجنَّة. فإن قيل إذا كان في الجنَّة فكيف لقيه في السَّماء الرَّابعة؟
فالجواب أنَّه لمَّا أخبر بعروجه
ج 14 ص 415
صلى الله عليه وسلم إلى السَّماوات وما فوقها استأذن ربَّه في ملاقاته فاستقبله فكان اجتماعه به في السَّماء الرَّابعة اتِّفاقًا لا قصدًا.
(فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ) فإن قيل كيف قال إدريس عليه السَّلام من أخٍ وهو جدٌّ لنوحٍ عليه السَّلام فكان المناسب أن يقول مِن ابنٍ؟ فالجواب أنَّه عليه السَّلام لعلَّه قاله تلطُّفًا وتأدبًا والأنبياء إخوة.
(فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ جِبْرِيلُ، قِيلَ مَنْ مَعَكَ؟ قيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيْلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ يَا رَبِّ هَذَا الْغُلاَمُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) قالوا كان بكاؤه عليه السَّلام لأجل الرِّقة لقومه والشَّفقة عليهم حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمَّة بمتابعتهم لنبيِّهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، ولا ينبغي إلَّا أن يحمل على هذا الوجه وما يضاهي ذلك، فإنَّ الجسد في ذلك العالم منزوعٌ عن عوام المؤمنين فضلًا عمَّن اختاره الله لرسالته واصطفاه لمكالمته.
وأمَّا قوله هذا الغلام، فلم يرد به موسى عليه السَّلام استصغارَ شأنه؛ فإنَّ الغلام قد يُطْلَق، ويراد به القوي الطَّري الشَّاب، أو المراد منه استقصار مدَّته مع استكثار فضائله، وأمَّته أتم سوادًا من أمَّته.
وقال الخطَّابي قوله الغلام، ليس على معنى الإزراء والاستصغار لشأنه إنَّما هو على تعظيم
ج 14 ص 416
منَّة الله عليه ممَّا أناله من النِّعمة وأتحفه من الكرامة من غير طول عمرٍ أفناه مجتهدًا في طاعته.
وقد تُسَمِّي العربُ الرَّجلَ المستجمع السِّن غلامًا ما دام فيه بقيَّة من القوة، وذلك في لغتهم مشهورة.
فائدة البكاء يكون على ضروب مرَّة من الحزن والألم، ومرةً من الاستنكار أو التَّعجب، وأخرى من سرور أو طرب.
(فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ جِبْرِيلُ، قِيلَ مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيْلَ نَعَمْ، قِيْلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) عليه السَّلام (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ) فإن قيل قد مرَّ في الصَّلاة أنَّ إبراهيم عليه السَّلام في السَّادسة، فما التَّوفيق بينهما؟ فالجواب أن يقال إنَّه لعلَّه وجده في السَّادسة، ثمَّ ارتقى هو أيضًا إلى السَّابعة، وكذلك اختلف في موسى عليه السَّلام هل هو في السَّادسة أو السَّابعة، والكلام فيه كالكلام في هذا، والله تعالى أعلم.
(فَرُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ) أي كُشِفَ لي وقُرِّبَ منِّي والرَّفع التَّقريب والعرض، وقال التُّوربشتي الرَّفع تقريبك الشَّيء، وقد قيل في قوله تعالى {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة 34] أي مُقَرَّبة لهم، وكأنَّه أراد أنَّ البيت المعمور ظهر له كُلَّ الظُّهور، وكذلك سدرة المنتهى استبينت له كلَّ الاستبانة حتَّى اطَّلع عليها كلَّ الاطِّلاع بمثابة الشَّيء المُقَرَّب إليه، وفي معناه رفع لي بيت المقدس، والبيت المعمور بيتٌ في السَّماء حيال الكعبة، اسمه الضُّراح، بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وبالحاء المهملة، وعمرانُه كثرةُ غاشيتِه من الملائكة.
(فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا) ويروى (آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) روي آخر، بالرفع والنصب، إمَّا النَّصب على الظرف، وإمَّا الرَّفع، فعلى تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله. قال صاحب «المطالع» الرَّفع أجود، وفي رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه رأى البيت
ج 14 ص 417
المعمور يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ ولا يعودون فيه، وقد روى إسحاق في «مسنده» والطَّبري وغير واحدٍ من طريق خالد بن عرعرة، عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه سئل عن السَّقف المرفوع قال السَّماء، وعن البيت المعمور؟ قال بيتٌ في السَّماء بحيال البيت، حرمتُه في السَّماء كحُرمة هذا في الأرض، يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ ولا يعودون إليه.
وفي روايةٍ للطَّبري أنَّ السَّائل عن ذلك هو عبد الله بن الكوَّاء، ولابن مردويه عن ابن عبَّاس رضي الله عنه نحوه وزاد (( وهو على مثل البيت الحرام لو سقط لسقط عليه ) )، ومن حديث عائشة رضي الله عنها نحوه بإسنادٍ صحيحٍ، وهو عند الفاكهي في كتاب «مكة» بإسنادٍ صحيحٍ عنه لكن موقوفًا عليه.
وروى ابن مردويه أيضًا وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا نحو حديث عليٍّ رضي الله عنه وزاد (( في السَّماء نهرٌ يقال له الحيوان، يدخله جبريل كلَّ يومٍ فينغمس ثمَّ يخرج فينتفض فيخرج عنه سبعون ألف قطرةٍ يخلق الله من كلِّ قطرةٍ ملكًا فهم الذين يصلُّون فيه ثمَّ لا يعودون إليه ) )وإسناده ضعيفٌ.
(وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى) ويروى بالألف واللام، والسِّدرة شجرة النبق سمِّيت بها؛ لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحدٌ إلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكي عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه (( إنَّما سمِّيت بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى ) ).
(فَإِذَا نَبِقُهَا) إذا للمفاجأة، والنَّبِق، بفتح النون وكسر الموحدة وسكونها حمل السِّدر، والواحد نَبِقة ونبْقة (كَأَنَّهُ قِلاَلُ هَجَرٍ) القلال جمع قُلَّة. وقال ابن التِّين القُلَّة ما يسع مائتي رِطْلٍ وخمسين رِطْلًا بالرِّطل البغدادي، والأصحُّ عند الشَّافعية ما يسع خمسمائة رطلٍ، وقال الخطَّابي القلال الجرار، وهي معروفةٌ
ج 14 ص 418
عند المخاطبين معلومة القدر.
وقال ابن فارس القُلَّة ما أقلَّه الإنسان من جرَّة أو جُبٍّ، قال وليس في ذلك عند أهل اللغة حدٌّ محدودٌ إلَّا أن يأتي في الحديث تفسيرٌ فيجب أن يسلَّم، وعبارة الهروي القلَّة ما يأخذُ مزادة من الماء سمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُقَلُّ؛ أي تُرْفَع.
وقال الكرماني هي جرَّةٌ عظيمةٌ تسع قربتين أو أكثر، وهَجر، بفتح الهاء والجيم وآخره راء بلدةٌ، لا تنصرف للعلميَّة والتَّأنيث. وفي «المطالع» هجر مدينة باليمن، هي قاعدة البحرين، بينها وبين البحرين عشر مراحل، ويقال الهجر أيضًا بالألف واللام.
(وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ) هو جمع فيل، وهو الحيوان المعروف (فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ) جمع نهر بفتح الهاء وسكونها (نَهْرَانِ بَاطِنَانِ) قال مقاتل السَّلسبيل والكوثر (وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ) وقد بيَّنهما في الحديث (فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ) هما يخرجان من أصلها، ثمَّ يسيران حيث أراد الله تعالى ثمَّ يخرجان من الأرض ويجريان فيها.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ جميع المياه من تحت صخرة بيت المقدس ومن هناك تتفرَّق في الدُّنيا، أمَّا النِّيل فمبدؤه من جبال القُمْر، بضم القاف وسكون الميم، وقيل بفتح الميم، تشبيهًا بالقمر في بياضه، وقيل ينبع من اثني عشرة عينًا هناك، ويجري ثلاثة أشهر في العمران إلى أن يجيء إلى مصر فيفترق عند قريةٍ يقال لها شطنوف. فيمرُّ الغربي منه إلى رشيد، وينصبُّ في البحر المِلْح، وأمَّا الشَّرقي فيفترق أيضًا فرقتين عند جوجر، فتمرُّ الغربيَّة منها على دمياط من غربيِّها، وينصبُّ في البحر الملح، والشَّرقية منها تمرُّ على أشمون طناح، فينصبُّ هناك في بحيرة شرقيِّ دمياط يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط.
وأمَّا الفرات فأصله من أطراف أرمينية قريبٌ من قَالِيْقَلا، ثمَّ يمرُّ على بلاد الرُّوم والبيرة وجسر منيح وبالس وجعبر
ج 14 ص 419
والرقة والرَّحبة وفرقيسا وعانة والحديثة، وهيت والأنبار، ثمَّ يمرُّ بالطفوف ثم بالحلَّة ثمَّ بالكوفة، وينتهي إلى البطائح وينصبُّ في البحر الشَّرقي، قالوا ومقدار جريانها على وجه الأرض أربعمائة فرسخ، وقال الكرمانيُّ أمَّا الفرات فهو الذي في العراق، والنِّيل هو الذي في مصر.
(ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى) عليه السَّلام (فَقَالَ مَا صَنَعْتَ، قُلْتُ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً، قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ) أي مارستُهم ولقيت معهم الشِّدَّة فيما أردت منهم من الطَّاعة، والمعالجة مثل المزاولة والمجادلة (وَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ) أصله فاسأله؛ لأنَّه أمرٌ من السُّؤال فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت تخفيفًا، واستغنى عن همزة الوصل فحذفت فصار فسَلْه، والمعنى فارجع إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربَّك (فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ) أي فجعل الفريضة التي قدَّرها أربعين صلاةً (ثُمَّ مِثْلَهُ) أي ثمَّ قال موسى عليه السَّلام مثله.
(ثُمَّ ثَلَاثِينَ) أي ثم جعلها ثلاثين صلاة (ثُمَّ مِثْلَهُ) أي ثمَّ قال موسى عليه السَّلام مثله (فَجَعَلَ عِشْرِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ، فَجَعَلَ عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا) أي خمس صلواتٍ (فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مَاذَا صَنَعْتَ) ويروى زيادة وهذه هي المراجعة الأخيرة (قُلْتُ جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ مِثْلَهُ) أي فقال موسى عليه السَّلام مِثْلَ ما قال قبله من المراجعة وسؤال التَّخفيف عن الخمس.
(فَقُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ) ويروى ، بزيادة كلمة قد، وهو من التَّسليم، يعني سلَّمت له ما جعله من خمس صلواتٍ فلم يبق لي مراجعةٌ؛ لأنِّي استحييت من ربِّي من تعدُّد المراجعة، كما مضى في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في أوَّل كتاب الصَّلاة من قوله (( ارجع إلى ربِّك قلت استحييت من ربِّي ) ) [خ¦349] .
(فَنُودِيَ) أي فجاء النِّداء من قبل الله عزَّ وجلَّ (إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي)
ج 14 ص 420
أي أنفذت فريضتي بخمس صلواتٍ (وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) من خمسين إلى خمسٍ (وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا) فيحصل ثواب خمسين صلاةٍ؛ لكلِّ صلاةٍ ثواب عشر صلواتٍ.
فإن قيل كيف جازت هذه المراجعة منه صلى الله عليه وسلم في باب الصَّلاة، وكذا من موسى عليه الصَّلاة والسَّلام؟ فالجواب أنَّهما عرفا أنَّ الأمر الأول غيرُ واجبٍ حتمًا، ولو كان واجبًا حتمًا لَمَا كان يقبل التَّخفيف ولم يُرَاجِعا.
وفيه جواز النَّسخ قبل التَّمكن من الفعل.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ؛ لأنَّ فيه ذكر جبريل عليه السَّلام وهو من الكروبيين وهم سادة الملائكة، وقد أخرجه البخاريُّ مقطعًا في أربعة مواضع بعضها في بدء الخلق [خ¦3207] وبعضها في الأنبياء [خ¦3342] ، وأخرجه مسلمٌ في الإيمان، والتِّرمذي في التَّفسير، والنَّسائي في الصَّلاة.
(وَقَالَ هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الذي مضى في رواة الحديث المذكور الذي روى عنه هدبة في السَّند الأوَّل (عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ) أي البصري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُور) أشار بهذا إلى أنَّ همَّامًا فصل في سياقه قصَّة البيت المعمور من قصَّة الإسراء.
ورُوِيَ أصلُ الحديث عن قتادة عن أنسٍ، وقصَّة البيت المعمور عن قتادة عن الحسن البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأمَّا سعيد بن أبي عروبة وهشام الدَّستوائي اللذان مضيا في الطَّريق الثَّاني للحديث المذكور فإنَّهما قد أدرجا قصَّة البيت المعمور في حديث أنسٍ رضي الله عنه. وقال الحافظ العسقلاني والصَّواب رواية همَّام وهي موصولةٌ هنا عن هدبة عنه، ووهم من زعم أنَّها معلَّقة، فقد روى الحسن بن سفيان في «مسنده» الحديثَ بطوله عن هدبة فاقتصر الحديث إلى قوله (( فرفع لي البيت المعمور ) )، قال قتادة فحدَّثنا الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّه رأى البيت المعمور يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ ولا يعودون فيه ) ).
وأخرجه الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان وأبي يعلي والبغوي وغير واحدٍ كلُّهم عن هدبة مفصلًا، وعرف بذلك مراد البخاري بقوله في البيت.
ج 14 ص 421
وأخرج الطَّبري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( البيت المعمور مسجدٌ في السَّماء بحذاء الكعبة، لو خرَّ لخرَّ عليها يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ إذا اخرجوا منه لم يعودوا ) ).
وهذا وما قبله يُشْعِرُ بأنَّ قتادة كان يُدْرِجُ قصَّةَ البيت المعمور في حديث أنسٍ رضي الله عنه وتارةً يفصلها، وحين يفصلها تارةً يذكر مسندها وتارةً يبهمه.
هذا وظاهر ذلك أنَّه تعليقٌ وإن قال الحافظ العسقلاني إنَّ رواية همَّام موصولة هنا عن هدبة، ووهم من زعم أنَّها معلقة إلى آخره، فإنَّ إخراج غيره إيَّاه موصولًا لا يستلزم أن يكون ما أخرجه البخاري بصورة التَّعليق موصولًا، وهذا ظاهرٌ لا يخفى.
ثمَّ إنَّ قوله في هذا التَّعليق عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيه أنَّه قال يحيى بن معين لم يصحَّ للحسن سماع من أبي هريرة فقيل ليحيى قد جاء في بعض الأحاديث قال حدَّثنا أبو هريرة، قال ليس بشيءٍ، وقال الكرمانيُّ الحسن هنا روى عنه بلفظ عن، فيحتمل أن يكون بالواسطة.