3208 - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) ضدُّ الخريف؛ أي ابن سليمان البجلي الكوفي، يعرف بالبُوْراني، بضم الموحدة وسكون الواو وبالراء. قال ابنُ المبارك ما حرفتك؟ قال أنا بوراني في غلمان يصنعون البواري، قال لو لم يكن لك صناعة ما صحبتني.
وقال أبو حاتم كنتُ أحسب الحسنَ مكسورَ العنق لانحنائه، حتَّى إنَّه لا ينظر إلى السَّماء حياءً من الله تعالى.
قال (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) هو سلَّام، بتشديد اللام ابن سليم الحنفي، مولى بني حنيفة الكوفي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) هو أبو سليمان الهمداني الكُوفي، خرج إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقُبِضَ النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطَّريق، أنَّه قال (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهْوَ الصَّادِقُ) أي في قوله وفيما يأتيه من الوحي، بل هو الصَّادق قبل النبوَّة أيضًا لما كان مشهورًا فيما بينهم بمحمَّد الأمين (الْمَصْدُوقُ) يعني أنَّ الله صدقه في وعده. وقال الكِرمانيُّ المصدوق؛ أي من جهةِ جبريل عليه السَّلام، أو المصدَّق، بتشديد الدال
ج 14 ص 422
المفتوحة، يقال صدقه زيد راست كفت باوزيد.
وقال عليٌّ للنَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك سل الجارية تصدُقْك، ويقال صديقك من صدَقَكَ لا من صدَّقك، فقول من قال إنَّ الجمعَ بينهما تأكيد ضعيف. قال الطِّيبي الأَولى أن تجعلَ هذه الجملة اعتراضيَّة لا حاليَّة؛ لتعمَّ الأحوالَ كلها، وأن يكون من عادتهِ ودأبه ذلك، فما أحسن موقعه هنا.
(قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ) أي مادَّة خلقه (فِي بَطْنِ أُمِّهِ) على البناء للمفعول، قالوا معنى الجمع أنَّ النُّطفة إذا وقعت في الرَّحم، وأراد الله أن يخلقَ منها بشرًا طارت في أطرافِ المرأة تحت كلِّ شعرة وظفر، فتمكث أربعين ليلة، ثمَّ تنزل دمًا في الرَّحم فذلك جَمْعُها. وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابنِ مسعود رضي الله عنه، والصَّحابة أعلمُ النَّاس بتفسير ما سمعوه، وأحقُّهم بتأويلهِ، وأكثرهم احتياطًا فليس لمن بعدَهم أن يردَّ عليهم. وقيل معنى الجمع أن يقرَّر ويُحْرَزَ في رحمها، ويجوز أن يرادَ بالجمع مُكْثَ النُّطفة في الرَّحم.
(أَرْبَعِينَ يَوْمًا) هذه الأربعون هي الأربعون التي تجري النُّطفة فيها في أطرافِ المرأة ثمَّ تصير دمًا. وقالت الصوفيَّة خصوصيَّة الأربعين لموافقة تخمير طينة آدم عليه السَّلام، وميقات موسى عليه السَّلام، ثمَّ إنَّه يعجن النُّطفة بتراب قبره، كما ورد في تفسير قوله تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه 55] أنَّ الملك يأخذ من تراب مدفنه فيبدِّدها على النُّطفة، ولكونه سلالة من الطِّين جاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطِّين، بل بحسب اختلافِ المركبات من الطِّين، فيه حرص النَّملة، والفأرة، وشهوة العصفور، وغضب الفهد، وكبر النَّمر وبخل الكلبِ، وشرهِ الخنزير، وحقدِ الحيَّة، وغير ذلك من ذمائم الصِّفات. وفيه شجاعة الأسد، وسخاوة الدِّيك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرَّة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمَّة البازي، ونحوها من محاسن الأخلاق.
(ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل الأوَّل أربعين يومًا، والعلقة الدَّم الغليظ الجامد، وهذا في الأربعين الثَّانية الذي أشار إليه بقوله مثل ذلك (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) وهي قطعة من اللَّحم قدر ما يمضغ، وهذا في الأربعين الثَّالثة أشار إليه بقوله (مِثْلَ ذَلِكَ) يعني مثل الثَّاني أربعين يومًا. فإن قيل إنَّ الله تعالى قادر على أن يخلقه في لمحة؛ فما الحكمة في هذا المقدار؟
فالجواب أنَّ فيه حِكَمًَا وفوائد، منها أنَّه لو خَلَقه دفعةً واحدةً لشق على الأمِّ؛ لأنها لم تكن معتادة بذلك، وربَّما تهلك فجُعِلَ أولًا نطفةً لتعتاد بها مدَّة، ثمَّ يكون علقةً، وهلم جرَّا إلى الولادة.
ومنها إظهار قدرة الله تعالى ونعمته ليعبدوه ويشكروا له حيث قَلَّبَهم في تلك الأطوار إلى كَوْنِهم إنسانًا حسن الصُّورة متحلِّيًا بالعقل والشَّهادة متزيِّنًا بالفهم والفطانة. ومنها إرشاد النَّاس وتنبيههم على كمالِ قدرته على الحشر والنَّشر؛ لأنَّ من قدرِ على خلق الإنسان من ماء مَهين، ثمَّ من عَلَقة، ثمَّ من مضغةٌ مهيَّأة لنفخ الرُّوح فيه يقدر على صيرورته ترابًا، ونفخ الرُّوح فيه، وحشره في المحشر للحساب والجزاء، وهو على كلِّ شيء قدير. ومنها تعليم العبادة في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها. ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم؛ فلا يغتروا بقوَّة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم، ويعرفوا أنَّها عطايا وهدايا، بل على وجه العارية موجودة عندهم لينظروا في مَبْدَئِهم، كما قال تعالى {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق 5] . وفي الحديث (( من عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه ) ).
(ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا) أي بعد انتهاء أربعين الثَّالث يبعث الله ملكًا (فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) يكتبها وهي قوله (وَيُقَالُ لَهُ) أي للملك المرسل (اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ) يعني أنَّه قليل أو كثير، حلال أو حرام (وَأَجَلَهُ)
ج 14 ص 423
أي مدَّة عمره، أو منتهى عمره (وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) وكلُّ ذلك بما اقتضت حكمته، وسبقت كلمتُه، فمن وجدَه مستعدًا لقبول الحقِّ واتباعه ورآه أهلًا للخير وأسباب الصَّلاح متوجِّهًا إليه أثبته في عداد السُّعداء، ومن وجدَه متجافيًا قاسي القلب متأبِّيًا عن الحقِّ أثبتَه في ديوان الأشقياء، وكتب ما يتوقَّع منه من الشُّرور والمعاصي. هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضِي تغيُّر ذلك، وإن علمَ من ذلك شيئًا كتبَ له أوائل أمرهِ وأواخره، وحكمَ عليه حسبَ ما يتمَّ به عمله، فإنَّ ملاك العمل خَواتيمه، وهو الَّذي يسبق إليه الكتاب؛ فيعملُ بعمل أهل الجنَّة أو النَّار. وقيل المراد بكتبة هذه الأشياء إظهارها للملك وإلَّا فقضاؤها سابقٌ على ذلك. وقال مجاهدٌ يكتب هذه الكلمات في ورقةٍ وتعلَّق في عُنقه بحيث لا يراها النَّاس، قال تعالى {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء 13] .
قال أهلُ المعاني أراد بالطَّائر ما قضى عليه أنَّه عامله، وهو صائرٌ إليه من سعادة أو شقاوة، وخصَّ العنق لأنَّه موضع القلادة والأطواق، أو هو كنايةٌ عن الذِّمَّة فكأنَّ هذه الأشياء في ذمَّته أن يفعلها، ولا يقدر أن ينفكَّ عنها.
وقيل يؤمرُ بكتابة الأحكام المقدَّرة له على جبهتهِ أو بطن كفِّه، وذلك كله بعد أن كانت مكتوبةً في اللَّوح المحفوظ ما يَليقُ به من الأعمال والأعمار والأرزاق والسَّعادة والشَّقاوة، ثمَّ السَّعادة معاونة الأمور الإلهيَّة للإنسان على نيلِ الخيرات، وتُضادُّها الشَّقاوة وهي إمَّا قلبية أو بدنيَّة أو ما حول البدن، فالقلبيَّة هي المعارف والحِكَم والكمالات العلميَّة والعمليَّة، والبدنيَّة الصحَّة والقوَّة واللَّذات الجسمانيَّة وما حول البدن من الأموال والأسباب، وقدَّم الشَّقاوة؛ ليُعْلَمَ أنَّ الشَّرَّ كالخير من عند الله تعالى، وتقديرُه ردًّا على الثنويَّة المثبتين شريكًا فاعلًا للشرِّ؛ لأنَّهم طلبوا الحِكْمة في أفعال الله وقالوا مدبِّر العالم لو كان واحدًا لم يخصَّ هذا بأنواع الخيراتِ والصِّحَّة والغنى، وذلك بأصناف الشُّرور فردَّ عليهم الربُّ بقوله تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء 23] .
وتحقيقُ هذا المقام أن يقال إنَّ لله تعالى صفتي لطف وقهر، والحكمة تقتضِي أن يكون المَلِكُ سيَّما مَلِكُ الملوك كذلك؛ إذ كلٌّ منهما من أوصافِ الكمال، ولا يقومُ أحدهما مقامَ الآخر، ولا يتحققَّ كلٌ منهما إلَّا بوجود الآخر كما لا تستبين اللَّذة إلَّا بالألم وبضدِّها تتبين الأشياء، ولابدَّ لكلٍّ منهما من مظهر، فالسُّعداء وأعمالهم مظهر اللُّطف، وفائدة بعثة الأنبياء عليهم السَّلام، وإنزاله الكتب ترجع إليهم {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات 45] ، كما أنَّ فائدة نور الشَّمس لأهل البصر، والأشقياء وأفعالهم مظاهر القهر، وفائدة البعثة لهم إلزام الحجَّة عليهم؛ لئلا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسل، وهي في الحقيقة نعي عليهم بالشَّقاوة نستعيذُ بالله منها.
وقوله (( وشقيٌّ أو سعيدٌ ) )كأنَّ مقتضى الظَّاهر أن يقال وسعادتُه وشقاوتُه؛ فعدل عنه حكايةً لصورةِ ما يَكْتُبه؛ لأنَّه يُكْتَب شقيٌّ أو سعيد.
(ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) أي بعد كتب الملك هذه الأربعة يَنفخُ فيه الرُّوح، وفي (( صحيح مسلم ) ) (( إنَّ أحدكم يجمع خلقُه في بطن أمِّه أربعين يومًا ثمَّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمَّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمَّ يرسل الملك فينفخُ فيه الرُّوح ويؤمرُ بأربع كلمات ) )الحديث. فهذا يدلُّ على أنَّ كَتْبَ هذه الأربعة بعد نفخ الرُّوح، ولفظ البخاري يدلُّ على أنَّ ذلك قبل نفخ الرُّوح؛ لأنَّ في لفظه (( ثمَّ ينفخ فيه الرُّوح ) )وكلمة ثمَّ تقتضي تأخيرَ كتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثَّالث.
وقال النَّووي والأحاديث الباقية تقتضي الكَتْب عقيب الأربعين الأولى. ثمَّ أجاب عن ذلك بقوله إنَّ قوله (( ثمَّ يبعث إليه الملك فيُؤذن له فيكتب ) )معطوفٌ على قوله (( يُجْمعُ في بطن أمِّه ) )لا بما قبله وهو قوله (( ثمَّ يكون مضغة مثله ) )ويكون قوله (( ثمَّ تكون علقة مثله، ثمَّ تكون مضغة مثله ) )معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائزٌ موجودٌ في كلام العرب، بل في القرآن والحديث الصَّحيح، وينقدحُ منه التَّوفيق أيضًا بين رواية البخاري ورواية مسلم، فتأمَّل.
وقال القاضي وغيره والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها، والتصرُّف فيها بهذه الأفعال، وإلَّا فقد صرَّح في الحديث بأنَّه يوكل بالرَّحم، وأنَّه يقول (( يا ربِّ هذه نُطفة، يا ربِّ هذه علقة ) ).
وقال القاضي وقوله في الحديث الذي روي عن أنس رضي الله عنه (( وإذا أراد أن يخلق خلقًا قال يا ربِّ، أَذَكَرٌ أم أُنثى، شقي أم سعيد ) )لا يخالف ما قدَّمنا، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداءُ كلامٍ، وإخبارٌ عن حالة أُخرى؛ فأخبر أوَّلًا بحال الملك مع النُّطفة، ثمَّ أخبر أنَّ الله تعالى إذا أراد أن يَخْلُقَ النُّطفةَ علقة كان كذا وكذا.
فإن قيل قد وقع في رواية (( يرسل الملك بعد مئة وعشرين يومًا ) )، وفي رواية
ج 14 ص 424
(( ثمَّ يدخل الملك على النُّطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول يا ربِّ، أشقي أم سعيد ) ). وفي رواية (( إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلة بَعَثَ الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سَمْعها وبَصَرَها وجلدها ) ). وفي راوية حذيفة بن أسيد (( أنَّ النُّطفة تقع في الرَّحم أربعين ليلة ثمَّ يتسوَّر عليها الملك ) ). وفي رواية (( أنَّ ملكًا موكلًا بالرَّحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة ) )وذكر الحديث. وفي رواية أنس رضي الله عنه (( إنَّ الله قد وكَّل بالرَّحم ملكًا فيقول أي ربِّ، نطفة، أي ربِّ، علقة، أي ربِّ، مضغة ) )فما وجه الجمع بين هذه الرِّوايات؟
فالجواب أنَّ للمَلَك مراعاة لحال النُّطفة وأنَّه يقول يا رب، هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها، وكلَّ وقت يقول فيه ما صارت إليه، ولتصرُّفه وكلامه أوقات؛ أحدها حين يخلقُها الله نطفةً ثمَّ ينقلها علقةً، وهو أوَّل علم الملك بأنَّه ولد؛ لأنَّه ليس كلُّ نطفةٍ تصير ولدًا، وذلك عقيبَ الأربعين الأولى فحينئذٍ يكتب رزقهُ وأجلهُ وعملهُ وشقاوتهُ وسعادتهُ، ثمَّ للملك تصرُّف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنَّما يكون في الأربعين الثالثه وهي مدَّة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الرُّوح فيه؛ لأنَّ نفخ الرُّوح لا يكون إلَّا بعد تمام صورته.
فإن قيل قد روي (( إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلة بعثَ الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سَمْعها وبصرهَا وجلدهَا ولحمهَا وعظمها، ثمَّ قال يا ربِّ، أَذَكَرٌ أم أنثى، فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملك، ثمَّ يقول يا ربِّ أجله، فيقولُ ربُّك ما شاء، ويَكْتُبُ المَلَكُ ) )وذَكَرَ رِزْقَه.
فالجواب أنَّه ليس هذا على ظاهره، ولا يصحُّ حمله على ظاهرهِ، بل المراد بقوله فصوَّرها وخلق سمعها. .. إلى آخره أنَّه يكتب ذلك، ثمَّ يفعله في وقت آخر؛
ج 14 ص 425
لأنَّ التَّصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنَّما يقع في الأربعين الثَّالثة، وهي مدَّة المضغة، كما قال الله تبارك وتعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلى قوله {لَحْمًا} [المؤمنون 12 - 14] ، ثمَّ يكون للملك فيه تصرُّف آخر وهو وقت نفخ الرُّوح عقيب الأربعين الثَّالثة حين يكمل له أربعة أشهر.
(فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ) حتَّى هي الناصبة، وما نافية، ولفظ يكون منصوب بأن مقدرة بعد حتَّى أو بحتَّى، و (ما) غير كافة لها من العمل، والمراد بالذِّراع التَّمثيل للقرب إلى الدُّخول؛ أي ما يبقى بينه وبين أن يدخلها إلَّا كما بقيَ بينه وبين موضع من الأرض من الذِّراع. وفي رواية مسلم (( فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكُم ليعمل بعملِ أهل النَّار. .. إلى آخره ) )فزاد قوله (( فوالذي لا إله غيره ) )وقدَّم عمل أهل النَّار على عَمَل أهل الجنَّة.
(فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ) الفاء فيه للتَّعقيب يدلُّ على حصول السَّبق بلا مهلة؛ ضمَّن يسبقُ معنى يغلب؛ أي يغلب عليه الكتاب، وما قدر عليه سابقًا بلا مهلة (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) أي فعند ذلك يعمل بعمل أهل النَّار من الكفر والمعاصي فيدخلها، ففيه حذف (وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي بأن يستغفرَ ويتوب فيدخلها.
قال الخطَّابي فيه أنَّ ظاهرَ الأعمال من الحسنات والسَّيئات أَمَارَات، وليست بموجبات، وإنَّ مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبقَ به القضاء وجرى به القدر. ففي الحديث تنبيهٌ على أنَّ السَّالك ينبغي أنَّ لا يغترَّ بالأعمال الحسنة، ويجتنب العجب والتَّكبُّر والأخلاق السَّيئة، ويكون بين الخوف والرَّجاء، ومسلِّمًا بالرِّضا تحت القضاء، وكذا إذا صدرتْ منه الأعمال السَّيئة فلا ييأس من روح الله، فإنَّها إذا بدت عين العناية ألحقت الآخرة بالسَّابقة، وكذا الحال بالنِّسبة إلى الغير في الأعمال؛ فلا يحكم لأحدٍ بأنَّه من أهل الجنَّة والدَّرجات، وإن عمل ما عمل من الطَّاعات، أو ظهر عليه من خوارقِ العادات، ولا يجزم في حقِّ أحدٍ بأنَّه من أهل النَّار والعقوبات، ولو صدرَ منه جميع السَّيئات والمظالم والتَّبعات، فإنَّ العبرة بخواتم الحالات، ولا يطَّلع عليها غير عالم الغيب والشَّهادات.
وروى ابن حبَّان في (( صحيحه ) )من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه مرفوعًا (( فرغ الله إلى كلِّ عبد من خَمْس من رزقهِ وأجلهِ وعَمَلهِ وأثرهِ ومَضْجَعه ) )يعني قبره فإنَّه مضجعه على الدَّوام {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان 34] .
والحديث قد مضى في كتاب الحيض [خ¦318] .
ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( ثمَّ يبعث الله ملكًا ) )وفي التَّرجمة ذكر الملائكة. وقد أخرجه البخاري في القدر [خ¦6594] ، والتَّوحيد أيضًا [خ¦7454] ، وأخرجه مسلم في القدر، وأبو داود والتِّرمذي في القدر أيضًا، وابن ماجه في السنَّة.