فهرس الكتاب
3219 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو ابنُ بلال (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ) أي على لغة، وقيل الحرف الإعراب، وقيل الكيفيَّات الإقرائية من الفتح والإمالة والتَّرقيق والتَّفخيم والقصر والمدِّ والإظهار والإدغام والإخفاء وغير ذلك من وجوه الإقراء.
(فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) أي أطلب منه الزِّيادة على حرفٍ واحدٍ، وفي رواية (( وكان ميكائيل عن شماله فنظر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ميكائيل كالمستشيرِ، فلم يزل يشيرُ إليه اسْتَزِدْه، حتَّى قال سبعة أحرف كلُّها شاف كاف ) )فلهذا قيل إنَّ المِرَاء في القرآن كفر، وإنَّه لا ينبغي أن يقول أحد لبعض القرآن ليس هو هكذا ولا يقال إنَّ بعض القرآن خير من بعض.
(حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي سبع لغات من لغات العرب، وإنَّها مفرَّقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضُه بلغة هذيل، وبعضُه بلغة هوازن، وبعضُه بلغة اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحدة سبعة أوجه، وإن جاء في القرآن ما قرئ بسبعة وعشرة، وممَّا يبيِّن ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه إنِّي قد سمعت القرَّاء فوجدتهم متقاربين فاقرءوا كما علِّمتم إنَّما هو كقول أحدكم هلمَّ وتعال وأقبل. هذا ولكن يشترط التَّواتر في القرآنيَّة، فكلُّ لفظة لم تتواتر عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تكون من القرآن.
قال ابنُ حجر في قول النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستَّة لعنتُهم ولعَنَهم اللهُ وكلُّ نبي يُجَاب الزَّائد في كتاب الله إنَّ الزائد في كتاب الله هو زائدُ لفظةٍ لم تتواتر عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زاعمًا قرآنيتها؛ لحرمة القراءة بالشَّواذ وإن صحَّت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّها حينئذٍ
ج 14 ص 434
في حكم الخبر لا القرآن، فلا تذكر إلَّا لبيان تفسير أو زيادة حكم، فمن أتى بها على أنَّها قرآن، مع اعترافه بأنَّ القرآن لا يثبت إلَّا بالتَّواتر، كما عليه عامَّة العلماء، صدق عليه أنَّه زاد في كتاب الله فيشمله اللَّعن لفسقه، بل كفره، إن استباح مطلق الزِّيادة في القرآن.
فإن قيل ما السرُّ في وجوب نقل القرآن إلينا على سبيل التَّواتر بخلاف نقل الأحاديث مع أنَّ كليهما وحي، قال الله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 34] غاية ما في الباب أنَّ القرآن وحيٌّ متلو، والحديث غير متلو؟
فالجواب أمَّا أوَّلًا، فهو أنَّ نظم القرآن مُعْجِزٌ باق على وجه كلِّ زمان، دائرٌ على كلِّ لسان، في كلِّ مكان، فاقتضى ذلك أن يختصَّ نقله إلينا بطريق التَّواتر حَسْمًا لمادَّة شبهة الوهم والارتياب، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) )ولتكون معجزةُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبقى على وجه العيان يشار إليها بالبنان، وليكون برهانًا على أحقَّيَّة خير الأديان، وتبيانًا لبقاء هذه الأمَّة المشرَّفة إلى آخر الزَّمان، بخلاف متن الحديث فإنَّه ليس كذلك.
وأمَّا ثانيًا فهو أنَّ نظم القرآن نُصْبَ عين الجَنَان، وَوِرْدَ اللِّسان في كلِّ زمان، فتكون العنايةُ به أتم، والاهتمامُ به أهم.
وأمَّا ثالثًا فهو أنَّ النَّقل بالمعنى لا يجوز فيه؛ محافظةً على إبقاءِ إعجاز نظمهِ المتين المعلوم بعلم اليقين، ويجوز في الحديث توسعة وتيسيرًا، ولهذا توحَّد طريق نقل القرآن وتعددتْ طرقُ نَقْلِ الحديث إلينا، والله تعالى أعلم وأحكم. كذا ذكره محيي الدِّين الكافيجي في كتاب (( التَّيسير في قواعد علم التَّفسير ) )، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أقرأني جبريل ) )، وقد أخرجه البخاري في فضائل القرآن أيضًا [خ¦4991] ، وأخرجه مسلم في الصَّلاة.