فهرس الكتاب
3220 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ) أي أسخاهم وأكرمهم بالخير مالًا وحالًا من بذلِ المال والجاه، ومن بذلِ العلم والحقِّ، فكان يسمحُ بالموجود لكونه مطبوعًا على الجود مستغنيًا عن الفانيات بالباقياتِ الصَّالحات مقبلًا على مولاه معرضًا عمَّا سواه، فكان إذا وجدَ جادَ، وإذا أحسنَ أعاد، وإن لم يجدْ وعد، ولم يخلفِ الميعاد، وكان يجودُ على كلِّ أحدٍ بما يسدُّ خلَّته، ويشفِي غلَّته، فأجود أفعل تفضيل من الجود، وهو إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغِي على ما ينبغِي، ولمَّا كان نفسه الأنفس أشرفَ النُّفوس كانت أخلاقُه أفضلَ أخلاق الخلائق، فيكون أجود النَّاس، ولعلَّ ذكر النَّاس لكونه فردًا منهم، فلا مفهوم له عند من قال به.
(وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ذكر ابنُ الحاجب في (( أماليه ) )لرفع أجود خمسة أوجه، وخرَّج ابن مالك الرَّفع من ثلاثة أوجه، والنَّصب من وجهين فلنكتفِ بواحد منها، وهو أنَّ أجود مرفوع على أنَّه اسم كان وخبره محذوف حذفًا واجبًا، إذ هو نحو أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وما مصدريَّة، ومعناه أجود أكوانه، وفيه تجوُّز حيث جعل كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود مبالغة كما في قولك نهاره صائم، وفي رمضان، في محلِّ الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل،
ج 14 ص 435
فمعناه كان أجود أكوانه حاصلًا في رمضان، كذا قالوا. والظَّاهر أنَّ التَّقدير كان أجود أكوانهِ كونه في رمضان، وجمع المصدر؛ لأنَّ أفعل التفضيل لا يضاف إلى المفرد. وفي حديث سعد رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الله جواد يحبُّ الجود ) )أخرجه التِّرمذي. وزيد في رواية التِّرمذي في هذا الحديث هنا قوله (( حتَّى ينسلخ ) )؛ أي يتمَّ رمضان، والمعنى أنَّ زيادة جوده كانت تستمرُّ في جميع أوقات رمضان إلى أن ينسلخَ، فحينئذٍ يرجعُ أصل الجود الزَّائد على جود النَّاس جميعًا، وإنَّما كان يظهرُ منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آثار الجود في رمضان حين يلقاهُ جبريل عليه السَّلام أكثر ممَّا يظهر منه في غيره؛ لأنَّ رمضان موسمُ الخيرات، إذ فيه الصَّوم الذي قال تعالى في حقِّه (( الصَّوم لي وأنا أجزي به ) ).
وفيه ليلةُ القدر التي هي خير من ألف شهر، فلا جَرَمَ يتضاعفُ فيه ثواب الصَّدقة والخير، وكذلك سائر العبادات حتَّى أنَّ الله تبارك وتعالى يعطي النَّافلةَ ثوابَ الفريضة، والفريضةَ ثوابَ سبعين فريضة، كما ورد في الخبر. وعن الزُّهري تسبيحةٌ في رمضان خيرٌ من سبعين في غيره، وقد جاء في الحديث أنَّه يعتقُ فيه كلَّ يوم ألف ألف عتيق من النَّار.
والحاصل أنَّ الله تعالى يتفضَّل على عباده في ذلك الشَّهر ما لا يتفضَّل عليهم في غيره من الأوقات، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متخلِّقًا بأخلاق ربِّه، وأمَّا ملاقاة جبريل عليه السَّلام ففيها زيادةُ تَرَقِّيه في المقامات، وزيادةُ اطِّلاعه على علوم الله سبحانه، لاسيَّما عند مدارستهِ القرآن معه مع نزول كلِّ ليلةٍ، كما يفيده قوله (وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ) من المدارسة من الدَّرس، وهو القراءة على سرعة وقدرة عليها، من دَرَسْتُ الكتابَ أدرسه، كأنَّك تجعل الكتاب الذي تقرؤه مذلَّلًا؛ لأنَّ أصل الدَّرس الوطء والتَّذليل، قال الله تعالى {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف 169] وقال تعالى {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران 79] وأَدْرَسَ الكتابَ مثل دَرَسَه، ودرَّس الكتُبَ تَدْرِيسًا، مشدَّد للمبالغة. ومنه مُدَرِّسُ
ج 14 ص 436
المَدْرَسة؛ أي يعارض ويقارئ جبريل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(الْقُرْآنَ) بالنصب على أنَّه مفعول ثان للمدارسة، إذ الفعل المتعدِّي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعدِّيًا إلى اثنين نحو جاذبته الثَّوب، والمعنى كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبريل عليه السَّلام يتناوبان في قراءة القرآن، كما هو عادة القرَّاء بأن يقرأَ مثلًا هذا عشرًا والآخرُ عشرًا [1] .
وقد قيل إنَّ الأصلَ المعتاد قراءةُ جبريل عليه السَّلام وسماعُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذا قراءته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسماع أصحابه رضي الله عنهم، وهكذا طريقة المحدِّثين من السَّلف، وأمَّا الخلفُ فاختاروا أنَّ التِّلميذ يقرأ والشَّيخ يَسْمَع لعدم القابليَّة الكاملة للمتأخِّرين. ولا يبعدُ أن يقال إنَّما كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبريل عليه السَّلام يتناوبان في القراءة لتكون كلٌّ من القراءة والسَّماع سنَّة في أمَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقيل إنَّ الحكمةَ في تلك المدارسة أن يتقرَّر عنده ويرسخ أتمَّ رسوخ فلا ينساهُ، فكأنَّه إنجاز لوعدهِ تعالى لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى 6] ومن جملة الإقراء مدارسة جبريل عليه السَّلام. وقيل الحكمةُ فيها الحثُّ على تجويد لفظهِ، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وإعطاءِ حقوقها من صفاتهَا؛ ليكون سنَّة في حقِّ الأمَّة، وأصلًا لمدارسة التَّلامذة مع الشُّيوخ في القراءة، والله تعالى أعلم.
وخصَّ اللَّيل من رمضان بالمدارسة؛ لأنَّ ليلَه أفضلُ من نهاره، لاسيَّما للقراءة، فإنَّ المقصودَ من التِّلاوة الحضورُ والفهمُ والتدبُّر، قال تعالى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص 29] واللَّيل مظنَّة ذلك لما في النَّهار من الشَّواغل الدينيَّة والعوارض الدنيويَّة، ويدلُّ عليه قوله تعالى {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا*إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل 67] .
(فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الفاء للسببية واللام لام الابتداء زيدتْ
ج 14 ص 437
على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قَسَم مُقَدَّر (أَجْوَدُ) خبر المبتدأ (بِالْخَيْرِ) أي ببذل جميع أنواع الخير بحسب اختلاف حاجات النَّاس (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) حيث لا التفات لها إلى أشياء تمرُّ عليها، ولا تعتدُّ بها حين تمرُّ عليها. والمرسَلة، بفتح السين، بمعنى المطلقة، وقيل معنى أنَّه أجود منها في عموم النَّفع والإسراع فيه كما تعمُّ الرِّيح المرسلة جميع ما تهبُّ عليه.
وقيل هي التي أرسلتْ بالبُشرى بين يدَي رحمتهِ سبحانه؛ أي المطر، وذلك لشمولِ روحها وعمومِ نفعها، كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف 57] ، وقال تعالى {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات 1] أي الرِّياح المرسلات للمعروف على أحد التَّفاسير، فاللام في الرِّيح على الأوَّل للجنس، وعلى الثَّاني للعهد.
وحاصله أنَّه شبَّه نَشْرَ جُودِه بالخير في العباد بِنَشْر الرِّيح القَطْرَ في البلاد، وشتَّان ما بين الأمرين؛ فأحدهما يحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها؛ كما أفاده الكرماني.
ولا شكَّ أنَّ الثَّاني تابع للأوَّل مسخَّر له، فلذا قال (( أجود من الرِّيح المرسلة ) )على أنَّ الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربَّما تخلو عنه وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينفكُّ عن العطاء والجود، بل جوده مع ذلك مسترسل لا يعتريه ضعف وفتور، على أنَّ إسناد الجُود إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقيقة، وإلى الرِّيح المرسلة مجاز، نزلت منزلة من جاد ففرَّق بينهما، وجملة الكلام في مقام المرام أنَّه فَضَّلَ أوَّلًا جودَه على جودِ جميع أفراد الإنسان. وثانيًا جودَه في رمضان على جودهِ في سائر الأزمان.
وثالثًا عند لقاءِ جبريل عليه السَّلام، ومدارسة القرآن فإنَّه حينئذٍ كان أجود ممَّا يُتَصوَّر في الأذهان، وما ذاك إلَّا لإتيان أفضل ملائكة الرَّحمن، إلى أفضل سامع، بأفضل كلام، من أفضل متكلِّم، في أفضل الزَّمان، بل في أفضل المكان أيضًا.
وفي الحديث بيان أنَّ أفضليَّة الزَّمان وملاقاة صلحاء الإخوان لهما مزيَّة للعبادة وتحسين الأخلاق والإيقان والإتقان. وفيه ندب إكثار الجود والحث عليه في كلِّ الأوقات، ومزيد الإنفاق في رمضان على المحتاجين، والتَّوسعة
ج 14 ص 438
على العيال والأقارب والمحبِّين، وكذا عند ملاقاة الصَّالحين، وعقب مفارقتهم شكرًا لِنِعْمَةِ الاجتماع بهم، وكذا عند مدارسة القرآن [2] .
وفيه أيضًا زيارة الصُّلحاء وأهل الفضل ومجالستهم، وتكرار زيارتهم ومواصلتها إذا كان المَزور لا يَكْره ذلك. وفيه أنَّ صحبةَ الصَّالحين مؤثِّرةٌ في دين الرَّجل وعَمَله، ولذلك قالوا لقاء أهل الخير عمارة القلوب، وفيه استحباب إكثار قراءة القرآن لاسيَّما في رمضان. وفيه أنَّ قراءة القرآن أفضل من التَّسبيح وسائر الأذكار، إذ لو كان ذلك أفضل أو مساويًا لها لما خصَّا القراءة عند الاجتماع في رمضان، وقد رُوِيَ عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أفضل عبادة أمَّتي قراءة القرآن ) ).
فائدة روى الشَّيخان عن أنس رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أعقل النَّاس، وأشجع النَّاس، وأجود النَّاس ) )؛ يعني وعلى هذا القياس. وقيل اقتصاره على هذه الثَّلاث من جوامع الكلم، فإنَّها أمَّهات الأخلاق؛ إذ لا يخلو كلُّ إنسان من ثلاث قوى العقليَّةُ وكمالُها النُّطق بالحكمة، والغضبيَّة وكمالها الشَّجاعة، والشَّهوية وكمالها الجود، لكن في (( الجامع الصَّغير ) )برواية الشَّيخين والتِّرمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه (( كان أحسن النَّاس، وأعقل النَّاس ) )الحديث، وبرواية مسلم (( كان أحسن النَّاس خلقًا ) ). وفي حديث ضعيف (( أنا أجود بني آدم وأجودُهم بعدي رجلٌ علم عِلْمًا فنشره، ورجلٌ جاهد بنفسه في سبيل الله ) ).
ثمَّ إنَّه كان من جوده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه يبذل المال في سبيل الله، ويؤثر الفقراء والمحتاجين على نفسه وأولاده، فيُعطي إعطاءً يعجز عنه الملوك والأغنياء، ويعيشُ في نفسه عَيْشَ الفقراء، فربَّما كان يمرُّ عليه شهران ولم توقد في بيته نار، وربَّما ربط الحجر على بطنه الشَّريف من شدَّة الجوع، ومع هذا كان له قوَّة كاملة في الجماع، مع أنَّه متصبِّرًا في أمره مع كثرة نسائه، وقد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة رضي الله عنها
ج 14 ص 439
ما تلقاه من الرَّحى أو الخدمة، وطلبت منه خادمًا يكفيها المؤنة، فأمرها أن تستعين عند نومها بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير من كلٍّ ثلاثًا وثلاثين إلَّا في الأخير فتزيدُ واحدًا تكملةً للمئة وقال لا أعطيك وأدع أهل الصفَّة تطوى بطونهم من الجوع، وكسته امرأةٌ بردة فلبسها محتاجًا إليها، فسأله فيها بعضُ أصحابه فأعطاه إيَّاها، رواه البخاري.
واستنبط منه الصوفيَّة جواز استدعاء المريد من الشَّيخ خرقة التصوُّف، وما يذكره بعضُهم من أنَّ الحسنَ البصريَّ لبسها من عليٍّ رضي الله عنه فباطل، مع أنَّ الحسن لم يسمعْ من عليٍّ رضي الله عنه، ذكره ابن حجر المكِّي.
وقال أيضًا نعم لبسها وألبسها جمع منهم تشبُّهًا بالقوم، وتبرُّكًا بطريقهم، إذ ورد لِبْسُهم لها مع الصُّحبة المتَّصلة إلى كُمَيْلِ بنِ زياد، وهو صحب عليًّا رضي الله عنه اتِّفاقًا، وفي بعض الطُّرق اتِّصالها بأويس القرني، وهو قد اجتمع بعمر وعليِّ رضي الله عنهما، وكثير منهم يكتفي بمجرَّد الصُّحبة، وتلقين الذِّكر، وهو الذي أثرناه عن العارفين، والله تعالى أعلم.
وأمَّا أمره في الشَّجاعة فقد صَرَعَ جَمْعًا؛ منهم ابن الأسود الجُمحي، وكان يقف على جِلْد البَقَر ويجاذب أطرافَه عشرةٌ لينزعوه من تحت قدميهِ فيتفرَّى الجِلْدُ ولم يَتَزَحْزح عنه، ومنهم رُكانة حيث صرعه ثلاث مرَّات مُتَواليات لشرطه أنَّه إن صَرَعَه أَسْلَم. ورحم الله صاحب البردة حيث عبَّر عن جوده بالزُّبدة في قوله
~فإنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَها وَمِنْ عُلُومِكَ عِلمُ اللَّوْحِ والقَلَمِ
وفي رواية مسلم (( أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما سئل شيئًا إلَّا أعطاهُ، فجاءهُ رجلٌ فأعطاهُ غنمًا بين جبلين فرجعَ إلى قومه، فقال يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقرَ ) ). وروى التِّرمذي (( أنَّه حُمِلَ إليه تسعون ألف درهم فوضعتْ على حصير، ثمَّ قام إليها فقسمَها فما ردَّ سائلًا حتَّى فرغَ منها ) ). وجاءتْه امرأةٌ يوم حنين أنشدته شِعْرًا تُذَكِّرُه به أيَّام رَضاعتهِ في هوازن، فردَّ عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ألف.
قال ابن دِحية وهذا
ج 14 ص 440
نهاية الرَّد الذي لم يُسْمع بمثلهِ من غاية الجودِ، وفي (( صحيح البخاري ) ) (( أنَّه أُتِيَ بمالِ البحرين، فأمر بصبِّه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلمَّا قضى الصَّلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاءه العبَّاس رضي الله عنه فسألَه فقال له خذْ، فحثَى في ثوبهِ، ثمَّ ذهبَ يُقِلُّه فلم يستطع فقال يا رسول الله، مرْ بعضهم برفعه إليَّ فقال (( لا ) )فقال ارفعه أنتَ عليَّ، فقال (( لا ) )فنثر منه، ثمَّ ذهب يُقِلُّه فلم يستطع، فقال كالأوَّل فقال (( لا ) )، ثمَّ نثر منه، ثمَّ احتمله فأتبعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصره عجبًا من حِرْصِه، فما قام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنها درهم )) .
أقول هذا في الدُّنيا، وأمَّا في الآخرة، فقد وعد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببذل شفاعتهِ لأمَّته خصوصًا أهل الكبائر قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( شَفَاعتي لأهلِ الكبائر من أمَّتي ) )وقد قال العارف الرُّومي في المثنوي
~كفت بيغمركه روز رستخبز كي كذا رم مجرما بذا اشك ريز
~من شفيع عاصيان هاشم بجان تارها تمشان زا شكنجه كران
~عاصيان وأهل الكبائر رابجهد وراها ثم إذ عقاب نقض عهد
~وزحميم هجر شان دوري دهم لبس رحيق وصلشان بركف نهم
~هرنئي خواست جيزي أزاخدا من شفاعت خواستم روز جزا [3]
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله جبريل في الموضعين، وقد أخرجه البخاري في أوَّل الكتاب أيضًا [خ¦6] .
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، أنَّه قال (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) وهو موصولٌ عن محمَّد بن مقاتل، وكأنَّ ابن المبارك يفصل الرِّواية فيه عن شيخيه؛ أحدهما يونس، والآخر مَعمر، وقد تقدَّم نظير ذلك في بدء الوحي [خ¦6] .
(وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ) أمَّا رواية أبي هريرة رضي الله عنه، فوصلها البخاري في فضائل القرآن، وسيأتي إن شاء تعالى [خ¦4998] ، وأمَّا رواية فاطمة رضي الله عنها فوصلها في علامات النبوَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى هناك أيضًا [خ¦3624] .
ج 14 ص 441
[1] في هامش الأصل {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي إن النفس التي تنشأُ من مَضجعها إلى العبادةِ من نشأَ من مكانه إذا نهضَ، أو قيام اللَّيل على أنَّ الناشئة مصدر، كالعافية من نشأَ إذا أقام، أو العبادة التي تنشأُ بالليل؛ أي تحدث، أو ساعات الليل لأنَّها تحدث واحدة بعد أخرى أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} أي كلفةً أو ثبات قَدَمٍ من ناشئة النَّهار، وقرأ أبو عَمرو وابن عامر (( وطاء ) )أي مواطأة القلب اللسان الكائنين للناشئة إن فُسِّرتْ الناشئة بالنفس أو فيها إن فسرت بالأوجه الباقية {وَأَقْوَمُ قِيْلًا} [المزمل 6] وأسد مقالًا وأثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًَا طَوِيْلًا} [المزمل 7] تقلبًا في مهامك واشتغالًا بها، فعليك بالتهجد؛ فإن مناجاة الحق تستدعي فراغًا. منه.
[2] في هامش الأصل قالوا إن الإحسان (1) إلى من يستحق الإحسان إحسان دون من يستحق القهر والتعزير، ولذا قالوا الحكمة تقتضي أن يكون المَلِكُ سيما مَلِكُ الملوك ذا صفتي لطف وقهر؛ إذ كلٌّ منهما من أوصاف الكمال، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يتحقق كلٌّ منهما إلا بوجود الآخر كما لا تستبين اللذة إلا بالألم، ولا بدَّ لكلٍّ منهما من مظهر؛ فالسُّعداء وأعمالهم مظهر اللطف، والأشقياء وأعمالهم مظهر القهر، فكذلك العلماء العاملون والصلحاء ينبغي أن يكونوا مظاهر لطف الملك، والأشقياء والفساق مظاهر قهره وقد قيل
~ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى. منه.
فإن الجود كما سبق إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على ما ينبغي. منه.
[3] في هامش الأصل الحميم الحار الذي بلغ النهاية في الحرارة، يصب على أهل جهنم أو يسقون منه، والرحيق الخمر رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {رَحِيْقٍ مَخْتُومٍ} قال الخمر ختم بالمسك وقيل الرحيق الخالص من كل شيء، وقال مجاهد يشربها أهل الجنة صرفًا. منه.