3231 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟) هو يوم غزوة أحد كانت في سنة ثلاث من الهجرة (قَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ) هي التي تنسب إليها جمرة العقبة وهي بمنى (إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي) أي حين عرضت نفسي، وكان ذلك في شوَّال في سنة عشر من البعث، وإنَّه كان بعد موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها. ذكر موسى بن عقبة في (( المغازي ) )عن ابن شهاب أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا مات أبو طالب توجَّه إلى الطَّائف، رجاء أن يؤوه، فعَمَد إلى ثلاثة نفرٍ من ثقيف، وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عَمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم ما انتهك منه قومه، فردُّوا عليه أقبح ردٍّ، ورضحوه بالأحجار حتَّى أَدْمَوا رجليه.
(عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ) بالمثناة التحتية وكسر اللام وسكون الياء التحتية وآخره لام غير منصرف (ابْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ) بضم الكاف وتخفيف اللام وآخره لام، واسم ابن عبد يَالِيل كِنانة، بكسر الكاف وبالنونين، ويقال مسعود. والأكثر على أنَّه أسلم بعد انصراف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قتال الطَّائف، وله أخ أعمى، له ذِكْرٌ في السِّيرة في قذف النُّجوم عند المبعث النَّبوي.
وفي (( الجمهرة ) )للكلبي عبد يَالِيْلَ بن عَمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنترة بن عوف بن ثقيف، ثمَّ المذكور هنا أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرض نفسه على ابن عبد يَالِيْلَ، والذي في المغازي أنَّ الذي كلَّمه هو عبد يالِيل نفسه. وعند أهل النَّسب أنَّ عبد كُلال أخوه لا أبوه، وكان ابن عبد يَالِيلَ من أكابر أهل الطَّائف وأشرافهم
ج 14 ص 450
من ثقيف.
وقد روى عبد بن حُميد في (( تفسيره ) )من طريق ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف 31] قال نزلت في عتبة بن ربيعة، وابن عبد ياليل الثَّقفي. ومن طريق قتادة قال هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، رواه ابنُ أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد، وقال فيه يعني كنانة.
وروى الطَّبري من طريق السُّدي قال هما الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عبد يَالِيلَ بن عَمرو بن عمير عظيم أهل الطَّائف. وعن ابن سعد كانت إقامة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالطَّائف عشرة أيَّام. وذكر موسى بن عقبة وابن إسحاق أنَّ كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطَّائف سنة عشر فأسلموا. وذكر ابنُ عبد البر في (( الصَّحابة ) )كذلك، لكن ذكر المدائني أنَّ الوفد أسلموا إلَّا كنانة، فخرج إلى الرُّوم، ومات بها بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي) متعلِّق بقوله فانطلقت؛ أي على الجهة المواجهة لي (فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ) بلفظ جمع الثَّعلب الحيوان المشهور، وهو موضع بقرب مكَّة. وقال النَّووي هو ميقاتُ أهل نجد، ويقال له قَرْن المنازل أيضًا، وهو على يوم وليلة من مكَّة، والقرن في الأصل كلُّ جبل صغير منقطعٍ من جبل كبير. وحكى القاضِي عياض أنَّ بعض الرُّواة ذكره بفتح الراء.
وقال الحافظُ العسقلاني وهو غلطٌ. وحكى القابسيُّ أنَّ من سكَّن الراء أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتحها أراد الطَّريق التي يتفرَّق منه، فإنَّه موضع فيه طرق متفرِّقة.
(فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَنَادَانِي، فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ) وهو المَلَك الذي سخَّر الله له الجبال، وجعل أمرها بيده (لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ) قوله ذلك مبتدأ خبره محذوفٌ تقديره كما علمت أو كما سمعتَ، أو كما قال جبريل (فمَا شِئْتَ؟) كلمة ما استفهاميَّة،
ج 14 ص 451
كذا في رواية الكُشْمِيْهَني. ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن شيخيه . وقد روى الطَّبراني عن مقدام بن داود عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاريِّ، فقال (( يا محمَّد إنَّ الله بَعثني إليك، وأنا مَلَك الجبال لتأمرني بأمركَ فيما شئت ) ).
(إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ؟) وجزاء أن محذوفٌ تقديره لفعلت ذلك، والأخشبان، بالخاء والشين المعجمتين هما جبلا مكَّة أبو قبيس والذي يقابله، وكأنَّه قعيقعان. وقال الصَّغاني بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان. ووهم من قال هو ثور [1] ، وسمِّيا بذلك؛ لصلابتهما، وغلظ حجارتهما، يقال رجل أخشب إذا كان صلب العظام عاري اللَّحم، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكَّة فيصيرا كطبق واحدٍ عليهما.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيْهني (أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ) الإخراج (مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ) في محلِّ النصب على أنَّه مفعول يخرج؛ أي من يوحِّد الله في عبادته (وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) وفي هذا الحديث بيان شفقة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قومه، ومزيد صبره على أذاهُم، وحلمه، وهو موافقٌ لقوله تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران 159] ، وقوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء 107] .
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة. وقد أخرجه البخاريُّ في التَّوحيد أيضًا [خ¦7389] ، وأخرجه مسلم في المغازي، والنَّسائي في النُّعوت.
[1] في هامش الأصل ومن قال هو ثور هو الكرماني. منه.