3245 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ زُمْرَةٍ) أي جماعة (تَلِجُ الْجَنَّةَ) أي تدخل الجنَّة من وَلج يَلج وُلوجًا (صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي في الإضاءة، وسيأتي في الرِّقاق [خ¦6542] بلفظ (( يدخلُ الجنَّة من أمَّتي سبعون ألفًا تضيءُ وجوهَهم إضاءة القمر ليلةَ البدر ) )، ويجيء هنا في الرِّواية الثَّانية (( والذين على آثارهم كأشدِّ كوكبٍ إضاءة ) ). وزاد مسلم في رواية أخرى (( ثمَّ هم بعد ذلك منازل ) ).
(لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا) من البصاق (وَلاَ يَمْتَخِطُونَ)
ج 14 ص 475
من المخاط (وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ) من الغائط، وهو كناية عن الخارج من السَّبيلين جميعًا، وزاد في صفة آدم [خ¦3327] (( لا يبولون ولا يتفلون ) ). ويأتي في الرِّواية الثَّانية (( ولا يسقمون ) ). وقد اشتمل ذلك على نفي جميع صفات النَّقص عنهم.
وفي رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( يأكل أهل الجنَّة ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوَّطون، طعامُهم ذلك جشاءٌ كريح المسكِ ) ). وفي رواية النَّسائي من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال جاءَ رجلٌ من أهل الكتاب، فقال يا أبا القاسم تزعمُ أنَّ أهل الجنَّة يأكلون ويشربون، قال (( نعم إنَّ أحدكُم ليعطى قوَّة مائة رجلٍ في الأكلِ والشُّرب والجماع ) )قال الذي يأكلُ ويشربُ أليس له الحاجة [1] ، وليس في الجنَّة أذى؟ قال صلى الله عليه وسلم (( تكون حاجة أحدهِم رشحًا تفيضُ من جلودِهم كرشحِ المسك ) ) [2] .
وقال الطَّبري السَّائل ثعلبة بن الحارث. وقال ابنُ الجوزي لمَّا كانت أغذية أهل الجنَّة في غاية اللَّطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى، ولا فضلة تُستقذر، بل يتولَّد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه.
(آنِيَتُهُمْ الذَّهَبُ) وفي الرِّواية الآتية (( والفضَّة ) )وقال في الأمشاط الذَّهب فقط، فكأنَّه اكتفى في الموضعين بذكر أحدهمَا عن الآخر، فإنَّه يحتمل أن يكون الصِّنفان لكلٍّ منهم. ويحتمل أن يكون أحدُ الصِّنفين لبعضهم، والآخر للبعضِ الآخر. ويؤيِّده حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا (( جنَّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ) )، الحديث متَّفق عليه.
ويؤيِّد الأوَّل ما أخرجه الطَّبراني بإسنادٍ قويٍّ عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ أدنى أهل الجنَّة لَمَنْ يقومُ على رأسِه عشرةُ آلاف خادم بيد كلِّ واحد صَحْفتان واحدة من ذهب، والأخرى من فضَّة ) )الحديث.
(أَمْشَاطُهُمْ) جمع مشط مثلث الميم، والأفصح ضمها (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ) جمع مِجْمرة، وهي المبخرةُ، سمِّيت مِجمرة؛ لأنَّها يوضعُ فيها الجَمْر؛ ليفوحَ به ما يوضعُ فيها من البخور. وقوله (( مجامرهم ) )مبتدأ خبره قوله
(الأَلُوَّةُ) بفتح الهمزة ويجوز ضمها، وبضم اللام وتشديد الواو، وروي بكسر اللام أيضًا. وحكى ابن التِّين كسر الهمزة وتخفيف الواو والهمزة أصلية، وقيل زائدة. قال الأصمعي
ج 14 ص 476
أراها فارسيَّة عرِّبت، وهي العود الذي يتبخَّر به، ويفهم منه أنَّ مجامرهم نفس العود، ولكن في الرِّواية الثَّانية (( ووقود مجامرهم الألوة ) ). فعلى هذا يكون المضاف هنا محذوفًا.
وقال الكِرماني في الجنَّة نفس المجمرة هي العود، وإلَّا فمجامر الدُّنيا أيضًا كذلك. وقال الطِّيبي المجامر جمع مِجمرة _ بكسر الميم _ وهو الذي يوضع فيه النَّار للبخور، وبالضم هو الذي يتبخَّر به، وأخذ له الجمر، ثمَّ قال والمراد في الحديث هو الأوَّل، وفائدة الإضافة أنَّ الأَلُوَّة هي الوقود نفسه، بخلاف المتعارف، فإنَّ وقودهم غير الألوة. وقال الكِرماني المجامر جمع، والألوة مفرد، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر. وأجاب بأنَّ الألوة جنس. فإن قيل إنَّ رائحة العود إنَّما تفوح بوضعه في النَّار، والجنَّة لا نار فيها.
فالجواب أنَّه يحتمل أن يشتعلَ بغير نار، وإنَّما سمِّيت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل، ويحتمل أن يشتعلَ بنار لا ضررَ فيها، ولا إحراق، ولا دخان، وقيل تفوح بغير اشتعال. ومثل ذلك ما أخرجه التِّرمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الرَّجل في الجنَّة ليشتهي الطَّير، فيخرُّ بين يديه مشويًّا ) )وفيه الاحتمال المذكور.
وقال القرطبي قد يقال أيُّ حاجة لهم إلى المشط، وهم مُرْدٌ، وشعورُهم لا تَتَّسِخ [3] ، وأيَّ حاجة لهم إلى البخور، وريحهم أطيب من المسك؟
قال ويجاب بأنَّ نعيم أهل الجنَّة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم من جوع، أو ظمأ، أو عري، أو نتن، وإنَّما هي لذَّات مترادفة، ونعم متوالية، والحكمة في ذلك أنَّهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعَّمون به في الدُّنيا.
وقال النَّووي مذهب أهل السنَّة أن تنعم أهل الجنَّة على هيئة تنعم أهل الدُّنيا إلَّا ما بينهما من التَّفاوت في اللذَّات، ودلَّ الكتاب والسنَّة على أن نعيمهم لا انقطاع له.
(وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ) أي عرقهم كالمسك في طيب الرَّائحة (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ) أي من نساء الدُّنيا؛ فقد روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنَّة منزلة (( وإنَّ له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدُّنيا ) ). وفي حديث
ج 14 ص 477
أبي سعيد رضي الله عنه عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنَّة (( ثمَّ يدخل عليه زوجتاه ) ). والذي يظهرُ أنَّ المراد أنَّ أقل ما لكلِّ واحد منهم زوجتان.
وقال الطِّيبي الظَّاهر أنَّ التَّثنية يعني في قوله (( زوجتان ) )للتَّكرير لا للتَّحديد كقوله تعالى {ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك 4] ، وقد جاء أنَّ للواحد من أهل الجنَّة العدد الكثير من الحور العين، وقيل يجوز أن يكون ذلك نحو لبَّيك وسعديك، فإن المراد تلبية بعد تلبية، وليس المراد نفس التَّثنية، ويمكن أن يكون ذلك باعتبار الصِّنفين نحو زوجة طويلة، وزوجة قصيرة، أو إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ العسقلاني استدلَّ أبو هريرة رضي الله عنه بهذا الحديث على أنَّ النِّساء في الجنَّة أكثر من الرِّجال، كما أخرجه مسلم من طريق ابن سيرين عنه، وهو واضحٌ. لكن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف المتقدِّم (( رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار ) ).
ويجاب بأنَّه لا يلزم من أكثريتهن في النَّار نفي أكثريتهنَّ في الجنَّة، لكن يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر (( اطَّلعت في الجنَّة فرأيتُ أقل ساكنيها النِّساء ) )، لكن يحتمل أن يكون ذلك في أوَّل الأمر قبل خروج العُصاة من النَّار بالشَّفاعة، كما مرَّ.
ويحتمل أن يكون الرَّاوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أنَّ كونهنَّ أكثر ساكني النَّار يلزم منه أن يَكُنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة، وليس ذلك بلازم كما لا يخفى، فافهم.
فائدة قال النَّووي كذا وقع زوجتان بتاء التأنيث، وهي لغة تكرَّرت في الحديث، والأشهر خلافها، وبه جاء القرآن. وذكر أبو حاتم السِّجستاني أنَّ الأصمعيَّ كان ينكر زوجة ويقول إنَّما هي زوج، قال فأنشد قول الفرزدق
~وَأنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي لَسَاعٍ إِلَى أَسَدِ الشَّرَى يَسْتَنِيلُهَا
قال فسكت، ثمَّ ذكر له شواهد أخرى.
(يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ) وفي الرِّواية الثَّالثة (( من وراء العظم واللَّحم ) ). والمُخُّ، بضم الميم وتشديد الخاء المعجمة ما في داخلِ العظم، والمراد به وصفها بالصَّفاء البالغ، وأنَّ ما في داخل العظمِ لا يستتر بالعظمِ واللَّحم والجلد.
ج 14 ص 478
وفي رواية التِّرمذي (( ليرى بياضَ ساقها من وراء سبعين حلَّة حتَّى يُرَى مخُّها ) ). وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( ينظرُ وجهه في خدِّها أصفى من المرآة ) ). وقوله (( من الحسن ) )يجوز أن تكون للتَّعليل، وأن تكون بيانيَّة.
(لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ) أي بين أهل الجنَّة (وَلاَ تَبَاغُضَ) لصفاء قلوبهم، ونظافتها من الكُدُورات (قُلُوبُهُمْ) مرفوع على الابتداء، وخبره قوله (قَلْبُ وَاحِدٍ) بالإضافة في رواية الأكثرين، وللمُسْتملي بالتنوين ورفع واحد على أنَّه صفة لقلب، وهو من التَّشبيه الذي حذفت أداته للمبالغة؛ أي كقلب رجل واحدٍ، وقد فسَّره بقوله لا تحاسدَ فيهم، ولا اختلاف؛ أي إنَّ قلوبهم طاهرة عن الأخلاق المذمومة (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) وسيجيءُ تفسيرهما في آخر الرِّواية الآتية؛ أي مقدارهما.
قال القرطبي هذا التَّسبيح ليس عن تكليف وإلزام، وقد فسَّره جابر رضي الله عنه في حديثه عند مسلم بقوله (( يلهمون التَّسبيح والتَّكبير كما يلهمون النَّفس ) ).
ووجه التَّشبيه أنَّ تنفُّس الإنسان لا كُلفة عليه فيه، ولا بدَّ له منه، فجعلَ تنفسهم تسبيحًا، وسببه أنَّ قلوبهم تنوَّرت بمعرفة الرَّب سبحانه وتعالى، وامتلأتْ بحبِّه، ومن أحبَّ شيئًا أكثرَ ذكره. فإن قيل لا بكرة ولا عشيَّة فيها، إذ لا طلوعَ ولا غروب.
فالجواب أنَّ المراد منه مقدارهما كما سبقت الإشارة إليه، بل المراد منهما الدَّوام، فإنَّهم دائمًا يتلذَّذون به، كذا قال الكرمانيُّ.
واعترض عليه العينيُّ بأنَّهم إذا تلذَّذوا به دائمًا يبقى قوله بكرةً وعشيًا بلا فائدة، وقال والظَّاهر أن تسبيحَهم يكون في هذين الوقتين. فإن قيل كيف يعرفون هذين الوقتين، ولا ليلَ ولا نهار هنا؟
قلت قد قيل إنَّ تحت العرش ستارة معلَّقة تطوى وتنشر على يد ملك، فإذا طواها يعلمون أنَّهم لو كانوا في الدُّنيا كان هذا الوقت نهارًا، وإذا أسبلها يعلمون أنَّهم لو كانوا في الدُّنيا كان هذا الوقت ليلًا، وانتصاب بكرة وعشيًا على الظَّرفية.
[1] في هامش الأصل قوله أليس له الحاجة، وفي رواية تكون له الحاجة. منه.
[2] في هامش الأصل كرشح المسك، ويروى كريح المسك. منه.
[3] في هامش الأصل أي لا تنقبض.