3244 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) قد تكرَّر ذكره [خ¦1] [خ¦73] [خ¦260] ، وهو عبدُ الله بن الزُّبير بن عيسى، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبدُ الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ) قيل
ج 14 ص 473
إنَّه يدلُّ على وجود الجنَّة؛ لأنَّ الإعداد لا يكون غالبًا إلا لشيء حاصل.
(مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ) كلمة (( ما ) )هنا إمَّا موصولة أو موصوفة، و (( عين ) )نكرة وقعت في سِياق النَّفي، فَأفاد الاستغراقَ، والمعنى ما لم ترَ عينٌ من العيون، وهو من قبيل قوله تعالى {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر 18] ، وقد أطاعَ العيني في هذا فقال فيحمل على نفي الرُّؤية والعين معًا، أو نفي الرُّؤية فحسب؛ أي لا رؤية، ولا عين، أو لا رؤية.
وعلى الأوَّل، الغرض منه نفي العين، وإنَّما ضُمَّتْ إليه الرُّؤية ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمرٌ محقَّق لا نزاع فيه، وبلغ في تحقُّقه إلى أن صار كالشَّاهد على نفي الصِّفة وعكسه. انتهى، فليُتَأمَّل.
(وَلاَ أُذُنَ سَمِعَتْ) هو كالأوَّل (وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) هو من باب قوله تعالى {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [غافر 52] .
وقوله
~عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
أي لا قَلْبَ، ولا خُطورَ، أو لا خطور، فجعل انتفاء الصِّفة دليلًا على انتفاء الذَّات؛ أي إذا لم يَحْصَلْ ثمرةُ القلب، وهو الخُطور، فلا قلب كقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق 37] . فإن قلت لم خصَّ البشر هنا دون القرينتين السَّابقتين؟
فالجواب أن يقال لأنَّهم هم الذين ينتفعون بما أُعِدَّ لهم، ويهتمُّون بشأنه ويخطرونه ببالهم، بخلاف الملائكة.
(فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة 17] ) قال الدَّاودي هو من قول أبي هريرة رضي الله عنه. وردَّ عليه ابن التِّين وقال الظَّاهر خلافه، وأنَّه من قوله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ الحديث كالتَّفصيل للآية، فإنَّها نفت العلم، والحديثُ نفى طرق حصوله.
قال الزَّمخشري قوله تعالى {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة 17] ؛ أي لا تعلم النُّفوس كلهن، ولا نفس واحدة منهنَّ، ولا ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل أيَّ نوعٍ عظيم من الثَّواب ادَّخر الله تعالى لأولئك، وأخفاه عن جميع خلائقه، لا يعلمه إلَّا هو ممَّا تقرُّ به عيونهم، ولا مزيدَ على هذه العدَّة، ولا مطمح وراءها. انتهى.
يقال أقرَّ الله عينك، ومعناه أبردَ الله دمعتها؛ لأنَّ دمعةَ الفَرَح باردةٌ، حكاه الأصمعيُّ. وقال غيره بلَّغك الله أمنيتَك
ج 14 ص 474
حتَّى ترضى به نفسُك فلا تستشرفُ إلى غيره، فعلى هذا، فالمرادُ بالصَّالحين في الحديث ما وصفَهم الله تعالى في القرآن بأنَّهم {الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا} ووُعِظُوا بآياتِ الله {خَرُّوا سُجَّدًا} خوفًا من عذابه {وَسَبَّحُوا} أي نزَّهوه عمَّا لا يليق به كالعجز عن البعث.
{بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي حامدين له شكرًا على ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة 15] عن الإيمان والطَّاعة كما يفعل من يصير مستكبرًا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} أي ترتفعُ وتنتحي {عَنِ الْمَضَاجِعِ} أي الفرش ومواضع النَّوم {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} أي داعين إيَّاه {خَوْفًا} من سخطه {وَطَمَعًا} في رحمته {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة 16] في وجوه الخير.
وعنه صلى الله عليه وسلم (( إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين، جاء منادٍ ينادي بصوتٍ يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمعِ اليوم من أولى بالكرم، ثمَّ يرجعُ فينادي ليقُم الذين كانت تتجافى جُنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل، ثمَّ يرجع فيُنادي ليقُم الذين كانوا يحمدون الله في البأساءِ والضَّراء، فيقومون وهم قليلٌ، فيسرحون إلى الجنَّة، ثمَّ يحاسب سائر النَّاس ) ).
وقيل كان ناس من الصَّحابة يصلُّون من المغرب إلى العشاء، فنزلت فيهم، والله تعالى أعلم، اللَّهم اجعلنا منهم. ثمَّ قوله تعالى في آخر الآية المذكورة في الحديث {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة 17] أي جوزوا جزاء، أو أخفى للجزاء، فإنَّ إخفاءه لعلوِّ شأنه، وقيل هذا لِقَومٍ أخفوا أعمالهم، فأخفَى الله ثوابهم جزاء وفاقًا.