3260 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) .
والحديث قد مضى في الصَّلاة في الباب المذكور أيضًا [خ¦537] . وفيه دلالةٌ على أنَّ الله خلق فيها إدراكًا ونطقًا. وقيل إنَّ الجنَّة والنَّار أسمع المخلوقات، وإن الجنَّة إذا سألها عبد أمَّنت على دعائه، والنَّار إذا استجار منها أحد أمَّنت على دعائه. وقد ورد أنَّ النَّار تخاطبُ المؤمن بقولها (( جزْ يا مؤمن فقد أطفأَ نورُك لهبي ) ). وإلى ذلك؛ أي إلى كون اشتكاء النَّار بطريق الحقيقة ذهب القاضي عياض والقرطبي والنَّووي والتُّوربشتي وابن المنيِّر لصلاحية القدرة لذلك، ورجَّح البيضاوي حَمْلَه على المجازِ، فقال شكواها مجاز عن كثرتها وغليانها، وأكل بعضُها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها بحيث يضيقُ عليها مكانها، فيسعى كلُّ جزء في إفناء الجزء الآخر، والاستيلاء على مكانه، وتَنَفُّسُها مجازٌ عن خروج ما يبرز منها وتلهبها.
وقال ابن عبد البرِّ لكلا القولين وجه ونظائر، والأوَّل أرجح.
ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( اشتكت النَّار ) )فإنَّ المراد منه جهنَّم، وليس المراد نفس النَّار؛ لأن جهنَّم فيها النَّار وفيها الزَّمهرير، وهو البرد الشَّديد، ولفظ جهنَّم يشملها، وغير ذلك من أنواعِ العذاب أعاذنا الله بذلك برحمته.