فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 11127

299 -300 - 301 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون الياء التحتانية وبالصاد المهملة، هو أبو عامر الكوفي (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثوري، وقد تقدم ذكرهما في باب علامات المنافق [خ¦34] (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقد سبق ذكره في باب من جعل لأهل العلم أيامًا [خ¦70] .

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعي، فقيه أهل الكوفة،

ج 2 ص 506

صيرفي الحديث (عَنِ) خاله (الأَسْوَدِ) بن يزيد من الزيادة، وكانوا يسمون آل الأسود أهل الجنة، وقد تقدم ذكرهما في باب من ترك بعض الاختيار [خ¦126] (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.

ورجال هذا الإسناد إلى عائشة رضي الله عنها كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، وقد أخرج متنه المؤلِّف في آخر «الصوم» [الاعتكاف 2030 - 2031] ، وأخرجه مسلم في «الطهارة» ، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه فيه، والنسائي في «عِشْرة النساء» أيضًا.

(قَالَتْ) أي إنها قالت (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع في (كنْتُ أغتسل) ، وبالنصب على أن الواو بمعنى مع (صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلاَنَا جُنُبٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا، ولم يقل جنبان اختار اللغة الفصيحة في الجنب، وهي أن يستوي فيه المذكر والمؤنث، والإفراد والتثنية والجمع، وإن كان يقال فيه جنبان وجنبون، وقد تقدم تفصيله.

(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ (يَأْمُرُنِي) بالاتزار (فَأَتَّزِرُ) على صيغة المضارع المعلوم من الافتعال، والرِّواية، بتشديد التاء المثناة الفوقية بعد الهمزة، وأصله فَأأتَزِرُ، بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة، وأنكر أكثر النحاة الإدغام، حتى قال صاحب (( المفصل ) )إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في (( مجمع البحرين ) ).

وقال ابن مالك إنه مقصورٌ على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن (( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِنَ ) )بالتشديد.

وقال ابن هشام وعوام المحدثين يحرفِّونه؛ فيقرؤونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له؛ لأنه افتعل من الإزار [1] ففاؤه همزةٌ ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة. أ هـ.

فعلى هذا، ينبغي أن يقرأ فآتزر بالمد؛ لأن الهمزتين إذا اجتمعتا وكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة أبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى، كذا قاله محمود العيني.

وقال الكِرماني ما حاصله إنَّ من قال إن (اتزر) بالإدغام خطأ، فقول عائشة رضي الله عنها وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه فالمخطئ مخطئ.

وتعقَّبه محمود العيني بأنه إنما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت بالإدغام، وأما إذا كان الخطأ من بعض الرواة، أو من عوام المحدثين فلا.

هذا وأنت خبير بأن الكِرماني لم يجزم بثبوته عنها رضي الله عنها، بل تردَّد في ذلك حيث قال بعد ذلك

ج 2 ص 507

أو إنَّه وقع من الرواة عنها.

(فَيُبَاشِرُنِي) بملاقاة بشرته ببشرتي لا بالجماع؛ لأنه حرامٌ وقت الحيض (وَأَنَا حَائِضٌ) .

(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُخْرِجُ رَأْسَهُ) من المسجد (إِلَيَّ) أي وأنا في حجرتي (وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (مُعْتَكِفٌ) في المسجد (فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حالية كالأولى وكقولها (( وهو معتكف ) ).

وفي الحديث فوائد منها؛ جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناءٍ واحدٍ، وقد تقدم الكلام عليه، ومنها مباشرة الحائض بمعنى الملامسة، لا بمعنى الجماع.

اعلم أن مباشرة الحائض على أقسام

أحدها حرام بالإجماع ومن اعتقد حله يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل يستغفر الله تعالى، ولا يعود إليه، وهل يجب عليه الكفارة أو لا؟ فيه خلافٌ، فذهب جماعةٌ إلى وجوب الكفارة؛ منهم قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في (( القديم ) ).

وقال في (( الجديد ) )لا شيء عليه، ولا ينكر أن يكون فيه كفارة؛ لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان، وقال أكثر العلماء لا شيء عليه سوى الاستغفار، وهو قول أصحابنا أيضًا.

وقال النووي ولو فعله غير معتقدٍ حِلَّه، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه أو مكرهًا، فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن كان عالمًا بالحيض وبالتحريم مختارًا عامدًا، فقد ارتكب معصية، نصَّ الشافعي على أنها كبيرةٌ، ويجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان

أصحهما، وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لا كفارة عليه، ثمَّ اختلفوا في الكفارة فقيل عتق رقبة، وقيل دينارٌ أو نصف دينار على اختلاف بينهم هل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره، أو الدينار زمن الدم ونصفه بعد انقضائه، وعن الحسن أنه قال عليه ما على مَنْ واقعَ أهله في رمضان.

وثانيها المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر، أو بالقبلة، أو بالمعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع إلا ما حكى عَبيدة السَّلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئًا منها، وهو شاذٌ منكرٌ مردودٌ بالأحاديث الصحيحة المذكورة في (( الصحيحين ) )وغيرهما من مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار.

وثالثها المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة رحمه الله حرام، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو الوجه الصحيح للشافعية، وقول مالك وقول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيَّب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة، وعند محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية يجتنب الوطء فقط، وممن ذهب إليه عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي

ج 2 ص 508

والحاكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود، وهذا أقوى دليلًا؛ لحديث أنس رضي الله عنه (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) )واقتصار النبي في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي رضي الله عنه، وكذا عن ابن عباس وأبي طلحة رضي الله عنهم.

وذكر القرطبي عن مجاهد كانوا في الجاهلية يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهنَّ في أدبارهن في مدته، والنصارى كانوا يجامعونهن في فروجهن، واليهود والمجوس كانوا يبالغون في هجرانهن وتنجيسهن، فيعتزلونهن بعد انقطاع الدم وارتفاعه إلى سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك في كتابهم.

ومنها جواز استخدام الزوجات، ومنها طهارة عَرَقِ الحائض، ومنها أن إخراج الرأس من المسجد لا يبطل الاعتكاف، والله أعلم.

[1] في (خ) (( الاتزار ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت