3305 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)
ج 14 ص 568
بصيغة التَّصغير، هو ابن خالد (عَنْ خَالِدٍ) هو الحذَّاء (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين، وهؤلاء كلُّهم بصريُّون.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي طائفة منهم (لاَ يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لاَ أُرَاهَا) بضم الهمزة؛ أي لا أظنُّها (إِلاَّ الْفَارَ) بإسكان الهمزة، وعند مسلمٍ من طريق أخرى عن ابن سيرين بلفظ (( الفأرة ) )كما سيجيء.
(إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ) فإنَّ بني إسرائيل لم يكونوا يشربون ألبان الإبل. قال التِّرمذي في تفسير سورة يوسف عليه السَّلام بإسناده قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا عمَّا حرَّم إسرائيل على نفسه؟ قال (( اشتكى عِرْقَ النَّساءِ فلمْ يَجِدْ شيئًا يُلائمه إلَّا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرَّمها ) )قالوا صدقت.
(فَحَدَّثْتُ كَعْبًا) أي قال أبو هريرة رضي الله عنه فحدَّثت كعبًا بذلك، وكعب هذا هو كعب بن ماتِع، بكسر المثناة الفوقية، المشهور بكعب الأحبار. قال الكرمانيُّ أسلم في خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقال العينيُّ هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، من ذي الكلاع، وهو من مُسْلمة أهل الكتاب، أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ويقال في خلافة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، ويقال أدرك الجاهلية، وروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وقال ابن سعدٍ وكان على دين يهود، فأسلم وقدم المدينة، ثمَّ خرج إلى الشَّام، فسكن حمص حتَّى توفي بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه.
(فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ) جملة حالية؛ أي يقوله النَّبي صلى الله عليه وسلم (قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ لِي مِرَارًا) يعني قال كعبٌ لي مرارًا أنتَ سَمِعْتَ النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ) ويروى بدون الفاء، والقائل هو أبو هريرة رضي الله عنه (أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. وفي رواية مسلم (( أفأنزلت عليَّ التَّوراة ) )وفيه تعريضٌ لكعب الأحبار بأنَّه كان على دين اليهود قبل الإسلام.
وحاصله أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال أنا أقرأ التَّوراة حتَّى أنقلَ منها، وإنِّي لا أقول إلَّا عن السَّماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا آخذ عن أهل الكتاب. وفيه أنَّ
ج 14 ص 569
الصَّحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر ممَّا لا مجال فيه للرَّأي والاجتهاد يكون له حكم الدَّفع.
ثمَّ في سكوت كعبٍ عن الرَّد على أبي هريرة رضي الله عنه دليلٌ على تورُّعه، وروى مسلمٌ قال حدَّثني أبو كُرَيْبٍ محمَّدُ بن العلاء، قال حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( الفأرة مسخٌ، وآية ذلك أنَّه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه ) )، فقال له كعبٌ (( أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )؟ قال (( أفأنزلت علي التَّوراة ) ). انتهى.
فدلَّ هذا صريحًا على أنَّ الفأرة مسخٌ، ولم تكن قبل ذلك، وكذا كلُّ حيوانٍ قيل فيه إنَّه مسخٌ، وإن ما كان منها بعد المسخ توالد منها، هذا وكأنَّه لم يبلغ أبا هريرة رضي الله عنه، ولا كعبًا حديثُ أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال وذكر عند النَّبي صلى الله عليه وسلم القِردة والخنازير، فقال (( إنَّ الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا ولا عقبًا ) )، وقد كانت القِردة والخنازير قبل ذلك، فهذا يدلُّ على أنَّ الممسوخ كان قبل ما وقع من ذلك.
ولهذا قال ابن قتيبة أنا أظنُّ أنَّ القِردة والخنازير هي المْسُوخُ بِأَعْيَانِها توالدت إلَّا أن يصحَّ هذا الحديث، وأراد به حديث أبي سعيدٍ المذكور، وهو صحيحٌ.
والظَّاهر أنَّه صلى الله عليه وسلم قاله أولًا، ثم أُعلم بعد بما رواه أبو سعيدٍ رضي الله عنه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( لا أراها إلَّا الفأر ) )فكأنَّه كان يظنُّ ذلك، ثمَّ أُعلم بأنَّها ليست هي هيَ، والله تعالى أعلم.