فهرس الكتاب

الصفحة 5110 من 11127

3319 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل هو عزيرٌ عليه السَّلام. وروى الحكيم التِّرمذي في «النوادر» أنَّه موسى عليه السَّلام، وبذلك جزم الكلاباذي في «معاني الأخبار» ، والقرطبيُّ في «التفسير» .

(تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ) بالدال المهملة والغين المعجمة؛ أي قرصته، وليس هو بالذال المعجمة والعين المهملة، فإنَّ ذلك معناه أحرقته.

والنَّملة واحدة النَّمل، وجمع الجمع نِمَال، والنَّمل أعظم الحيوان حيلةً في طلب الرِّزق، ومن عجيب أمره أنَّه إذا وجد شيئًا ولو قلَّ أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصَّيف للشِّتاء، وإذا خاف العفن على الحبِّ أخرجه إلى ظاهر الأرض، وإذا حفر مكانه اتَّخذها تفاريج؛ لئلَّا يجري إليها ماء المطر، وليس في الحيوان ما يحمل أثقل منه غيره.

ويحكى أنَّ سليمان عليه السَّلام سأل نملةً ما يكفيك من الأكل في سنةٍ واحدةٍ؟ قالت حبة من القمح فأمر بها فحُبِسَتْ في قارورةٍ، ووضع معها حبَّة قمحٍ فتركوها سنةً، فطلبها ففتح القارورة، فإذا فيها النَّملة ولم تأكل إلَّا نصفها، فقال أما قلت مأكولي حبة قمحٍ في سنة؟ فقالت بلى يا نبيَّ الله، ولكن أنت ملكٌ عظيم الشَّأن مشتغلٌ بالأمور الكثيرة، فخفت أن تنساني سنتين، فأكلت نصف القمحة وادَّخرت نصفها للسَّنة الأخرى، فتعجَّب سليمان عليه السَّلام في أمرها وإدراكها، وليس هذا ببدع منها، فانظر ما أخبر الله تعالى عنها في سورة النَّمل.

(فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ) قال النَّووي بكسر الجيم وفتحها، ومعناه أمر بتهيئة أمره في تلك النَّملة بأن أخرج ورفع متاعه من تحت تلك الشَّجرة (فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا) أي فأخرج متاعه من تحت الشَّجرة (ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا) أي ببيت تلك النَّملة. وفي رواية الزُّهري التي مضت في كتاب الجهاد [خ¦3019] (( فأمر بقرية النَّمل فأحرقت ) )، وقرية النَّمل موضع اجتماعها. والعرب تفرق في الأوطان فتقول لمسكن الإنسان وطنٌ، وللإبل عطن، وللأسد عرين وغابة،

ج 14 ص 580

وللظبي كناسٌ، وللذِّئب وجار، وللطَّائر عُشٌّ، وللزَّنبور كورٌ، ولليربوع نافقاء، وللنَّمل قرية.

(فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ) أي أحرق بيتها بالنَّار (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلاَّ نَمْلَةً) أي فهلَّا أحرقت نملةً واحدة؛ لأنَّها هي التي آذتك، ولم يصدر من غيرها جناية، واستدلَّ بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنَّار من جهة أنَّ شرع من قَبْلَنا شرعٌ لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه، ولاسيما إذا ورد على لسان الشَّارع ما يُشْعِر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النَّهي عن التَّعذيب بالنَّار.

قال النَّووي هذا الحديث محمولٌ على أنَّه كان جائزًا في شرع ذلك النَّبي جوازُ قتل النَّمل، وجواز التَّعذيب بالنَّار، فإنَّه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق بل في الزِّيادة على النَّملة الواحدة. وأمَّا في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنَّار إلَّا في القصاص بشرطه، على ما عرف في الفقه، وشرع من قبلنا إنَّما يجوز العمل به إذا قصَّه الله ورسوله لنا من غير نكيرٍ، وكذا لا يجوز عندنا قتل النَّمل؛ لما روى أصحاب «السنن» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النَّملة والنَّحلة ) ). انتهى.

وقد قيَّد غيره النَّهي عن قتله بكونه من النَّمل السُّليماني، وقال البغوي النَّمل الصَّغير الذي يقال له الذَّر، يجوز قتله، قيل والذر في النَّمل كالزنبور في النَّحل.

ثمَّ قوله إنَّ القتل والإحراق كان جائزًا في شرع ذلك النَّبي؛ فيه نظرٌ؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يعاتب أصلًا ورأسًا، وقال القاضي عياض في هذا الحديث دلالةٌ على جواز قتل كلِّ مؤذٍ، ويقال إنَّ لهذه القصَّة سببًا، وهو أنَّ هذا النَّبي عليه السَّلام مرَّ على قريةٍ أهلكها الله بذنوب أهلها، فوقف متعجبًا فقال يا ربِّ كان فيهم صبيانٌ ودواب، ومن لم يقترف ذنبًا، ثمَّ نزل تحت شجرةٍ فجرت له هذه القصَّة، فنبَّهه الله تعالى على أنَّ الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ، ويقتل أولاده وإن لم تبلغ الأذى. انتهى.

وهذا هو الظَّاهر وإن ثبتت هذه القصَّة تعيَّن المصير إليه، والحاصل أنَّه لم يعاتب إنكارًا لما فعل، بل جوابًا له وإيضاحًا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية،

ج 14 ص 581

فضرب له المثل بذلك؛ أي إذا اختلط من يستحقُّ الإهلاك بغيره، وتعيَّن إهلاك الجميع طريقًا إلى إهلاك المستحقِّ جاز إهلاكُ الجميع، ولهذا نظائر كثيرة كتترُّس الكفار بالمسلمين وغير ذلك، والله تعالى أعلم، كذا ذكره الحافظ العسقلاني.

وقال القرطبي ظاهر هذا الحديث أنَّ هذا النَّبي عليه السَّلام إنَّما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جَمْعٍ آذاه منه واحدٌ، وكان الأَولى به الصَّبر والصَّفح، وكأنَّه وقع له أنَّ هذا النَّوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان، فلو انفرد هذا النَّظر ولم ينضمَّ إليه التَّشفي لم يعاتب.

قال والذي يؤيِّد هذا التَّمسك أصلُ عصمة الأنبياء، وأنَّهم أعلم بالله وبأحكامه من غيرهم، وأشدُّهم له خشيةً. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه يدلُّ على جواز قتل المؤذي من الحيوان كالفواسق، وقد أخرجه البخاريُّ في كتاب الجهاد، في باب إذا أحرق المشرك المسلم [خ¦3019] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت